لم يسمع دوي الرصاص، ولم تعلن ساعة الصفر، لكن ليبيا استيقظت على فراغٍ ثقيل لا يخطئه الإحساس. سيف الإسلام معمر القذافي خرج من المشهد إلى الأبد، في لحظة كان فيها حضوره السياسي يربك الحسابات ويحيي الأمل في نفوس الليبيين المؤمنين بمشروعه الوحداوي.

الغموض الذي صاحب جريمة الاغتيال مثل صدمة لا يمكن تجاوزها مع شخصية بهذا الوزن، حيث لا بيان رسمي ولا رواية مكتملة ولا تحقيق شفاف.

فقط جريمة صامتة وصدمة شعبية وضجيج تأويل يملأ الفراغ الذي تركه الصمت.

اغتيال سيف الإسلام القذافي لم يأتِ في زمن استقرار، بل تزامن مع أخطر موجة إعادة تشكيل أمني تشهدها طرابلس منذ وصول الدبيبة إلى السلطة. حملة وصفت رسميًا بـ"تفكيك المليشيات"، لكنها عمليًا أعادت رسم موازين القوة بالقوة، وأطاحت بأسماء ثقيلة داخل المشهد المسلح، في توقيت بدا فيه أن الملفات السياسية الشائكة تغلق واحدًا تلو الآخر، بعيدًا عن المسار الديمقراطي المتعارف عليه والمتمثل في صندوق الاقتراع.

خصم مؤجل خرج من الحسابات

منذ الإفراج عنه عام 2017 بموجب قانون العفو العام الصادر عن مجلس النواب، عاش سيف الإسلام القذافي في مدينة الزنتان 170 كيلومتر متر غرب العاصمة طرابلس تحت حماية معقدة، تداخلت فيها الحسابات المحلية بالرمزية الوطنية. التزم الصمت سنوات طويلة، لكنه ظل حاضرًا كـ"مشروع سياسي محتمل"، وكمفتاح لأي مصالحة حقيقية تُنهي مرحلة ما بعد 17 فبراير.

بلغ هذا الحضور ذروته مع ترشحه للانتخابات الرئاسية أواخر 2021، في خطوة أربكت المشهد وأعادت الانقسام حول الماضي، لا حول المستقبل فقط. وبرغم تعثر الاستحقاق الانتخابي، لم يختفِ الرجل من المعادلة، بل تحوّل إلى تهديد صامت: لا يملك ميليشيا، لكنه يملك ذاكرة شعبية، ولا يرفع السلاح، لكنه يربك شرعية القائمين على السلطة.

شرخ الزنتان وسقوط الغطاء

الشرخ الحقيقي بدأ مطلع 2026، خلال مراسم "الميثاق الوطني للمصالحة" برعاية المجلس الرئاسي. حادثة بروتوكولية — رفض رئيس الفريق السياسي لسيف الإسلام الشيخ علي أبوسبيحة الوقوف للنشيد الوطني — تحولت سريعًا إلى مواجهة سياسية حادة، جرى تحميلها دلالات تتعلق بشرعية 17 فبراير.

لم تمضِ أيام حتى صدر بيان من "مخاتير الزنتان" يطالب النائب العام باتخاذ إجراءات قانونية ضد سيف الإسلام، ومنع ممثليه من دخول المدينة وتفعيل مذكرة الجنايات الدولية. وللمرة الأولى منذ سنوات، اهتزّ الغطاء المحلي الذي ظل يحميه، وانقسمت الزنتان بين من يرى فيه ورقة توازن وطني، ومن يعتبره عبئًا سياسيًا يجب التخلص منه.

التحول في موقف مخاتير الزنتان تزامن مع حملة غير مسبوقة من التحريض الإعلامي ضد سيف الإسلام على منابر محسوبة على عبدالحميد الدبيبة وشخصيات إخوانية موالية لسلطة الغرب ومناوءة للسلطة في شرق البلاد.

طرابلس.. مسرح التصفية وإعادة الهندسة

لم يكن هذا التحول معزولًا عن السياق العام في غرب ليبيا، حيث دخلت طرابلس مرحلة غير مسبوقة من إعادة ترتيب المشهد الأمني تحت سلطة عبد الحميد الدبيبة، الذي أحكم قبضته على طوق المليشيات، مستخدمًا المال تارة، والمناصب تارة أخرى، حيث شكل اغتيال عبد الغني الككلي "غنيوة"، قائد جهاز دعم الاستقرار، نقطة التحول الأبرز. اغتيال لم تُخفِ الحكومة ارتياحها له، بل جرى توصيفه رسميًا كـ"إنجاز".

بعده مباشرة، انطلقت خطة تفكيك التشكيلات المسلحة، بدءًا من جهاز دعم الاستقرار، وصولًا إلى محاولات تطويق "قوة الردع الخاصة"، أخطر وأكبر قوة أمنية خارج السيطرة المباشرة للحكومة. الرسالة كانت واضحة، لا مكان لأي قوة موازية، ولا لأي نفوذ خارج معادلة الولاء الكامل.

نمط متكرر.. لا حوادث منفصلة

في هذا السياق، يصعب التعامل مع اغتيال سيف الإسلام كحادثة منفصلة. صحيح أنه لا توجد حتى الآن أدلة قضائية معلنة تربط حكومة الدبيبة بالجريمة، لكن تتابع الوقائع يفرض نفسه بقوة. قبل ذلك، شهد الغرب الليبي سلسلة اغتيالات غامضة طالت شخصيات مؤثرة ومثيرة للجدل، من عبد الرحمن ميلاد "البيدجا"، إلى رئيس الأركان العامة الفريق محمد الحداد، مرورًا بتصفية قادة ميدانيين ووجوه أمنية بطرق متشابهة، دون نتائج تحقيق معلنة، ودون محاسبة واضحة، حتى في الملف السياسي، برز نمط الإزاحة الصامتة، كما حدث مع وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش، التي جرى التخلص منها سياسيًا لإطفاء أزمة التطبيع مع الكيان الصهيوني، دون كشف الحقيقة كاملة، أو تحمل مسؤولية سياسية واضحة وقبل ذلك تسليم المواطن أبوعجيلة مسعود المريمي من قبل الدبيبة إلى أمريكا في قضية لوكربي التي أغلقت قانونيا منذ زمن.

سياسة بلا انتخابات

هنا، يطرح السؤال نفسه بإلحاح، هل تُدار ليبيا اليوم بمنطق الدولة، أم بمنطق تصفية الملفات الثقيلة؟. سيف الإسلام كان يمثل خصمًا سياسيًا لا يمكن احتواؤه، بالمصالحة الحقيقية والتي تعني بالضرورة انتخابات، أي نهاية مرحلة الدبيبة. وفي المقابل، كانت السلطة في طرابلس تمضي بخطى ثابتة نحو إعادة تشكيل المشهد دون صندوق اقتراع، عبر تفكيك الخصوم أمنيًا، وإغلاق الملفات سياسيًا، وتأجيل الاستحقاق الوطني إلى أجل غير مسمى.

الصمت الرسمي تجاه اغتيال شخصية بهذا الثقل، وغياب أي إعلان عن تحقيق مستقل، عززا الشكوك، حتى دون اتهام مباشر. فالمشهد، بكل تفاصيله، يوحي بأن ليبيا دخلت فصلًا جديدًا من هندسة السلطة، فصل تُحسم فيه السياسة قبل أن تبدأ، وتُدار فيه الدولة بمنطق القوة، لا بمنطق التوافق.

رحل سيف الإسلام، لكن السؤال الأخطر ما زال معلقًا،
من التالي في قائمة الملفات التي تُغلق بالرصاص، بدلًا من صناديق الاقتراع؟

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: سيف الإسلام القذافي اغتيال سيف الإسلام ليبيا سیف الإسلام سیاسی ا

إقرأ أيضاً:

وزير الأوقاف: حرية الاعتقاد مبدأ راسخ في الإسلام

استقبل الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، القس الدكتور أندريه زكي، رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر، والأمين العام للاتحاد المعمداني العالمي والوفد المرافق لهم.

واستهل وزير الأوقاف اللقاء بالترحيب بالدكتور أندريه زكي والوفد المرافق، معربًا عن سعادته بتزامن هذه الزيارة مع أيام كريمة مباركة على مصر هي أيام وصول السيد المسيح وأمه مريم العذراء -عليهما السلام- إلى مصر، مشيرًا إلى أن الشواهد التاريخية على مر الأجيال تشير إلى أن الله اختص مصر بأن تكون ملاذًا آمنًا وحضنًا دافئًا لأهل الله وخاصته، وعلى رأسهم السيد المسيح وأمه البتول، ومن قبلهما سيدنا إبراهيم وسيدنا يوسف (عليهما السلام)، ثم آل بيت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فكأنها رسالة محبة وسلام وهداية للعالمين.

واستحضر الدكتور أسامة الأزهري التجربة المصرية في احترام حرية الاعتقاد والعبادة منذ دستور مصر لعام 1923 وصولاً إلى دستور 2014 الساري حاليًا والقاضي بأن حرية العبادة والاعتقاد مطلقة.

وزير الأوقاف يستقبل رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر

من جانبه، أعرب رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر عن سعادته الدائمة بلقاء وزير الأوقاف، وعن تطلعه إلى تطوير التعاون مع الاتحاد المعمداني العالمي لما له من انتشار وقوة في أنحاء العالم، مشيدًا بمواقف الوزير وعلمه واستنارته التي جعلته نموذجًا يُحتذى في تحقيق الوئام الإنساني ونقل صورة مصر الحقيقية إلى العالم، ومؤكدًا سعادته بوجود قيادة سياسية حكيمة متمثلة في فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وفي قيادة دينية مستنيرة متمثلة في الوزير.

وبدأ الأمين العام للاتحاد المعمداني العالمي كلامه بشكر الوزير وبإشادة بما تشيده مصر حاليًا من بناء مادي وفكري لأجيال المستقبل، مُبديًا سعادته بزيارة مصر في هذه الأيام المباركة التي شهدت دخول السيد المسيح وأمه البتول إلى مصر فرارًا من الخوف إلى بلد الأمن والرجاء، كما اقترح مد جسور التعاون والحوار مع الوزارة والأطراف الراغبة في مصر من أجل استكمال مسيرة التعاون والمحبة مع المسلمين وجميع البشر وفق ما جاءت به تعاليم السيد المسيح وحسب الإعلان الأول للكنيسة المعمدانية الصادر بعد عامين من إنشائها في 1609 مقررًا حرية الاعتقاد المكفولة لجميع البشر. واقترح الأمين العام إبرام مذكرة تعاون لعقد مؤتمرات وورش عمل مشتركة، والتجهيز للذكرى الألفين لعظة الجبل للسيد المسيح التي تحين في 2030 ثم للذكرى الألفين لقيامة المسيح في 2033، مؤكدًا أن المسيحيين من كل أنحاء العالم سيحبون التوافد على مصر للاحتفال بهذه المناسبة المهمة.

وتوالت بعد ذلك كلمات الوفد تعبيرًا عن سعادتهم بلقاء الوزير وزيارة مصر، وتطلعهم إلى تدشين التعاون قريبًا. واختتم اللقاء بإهداء الأمين العام كوب "جيفرسن" الرمزي إلى الوزير، وهو كوب مسمى على اسم الرئيس الأمريكي الراحل المؤسِس توماس جيفرسن، تعبيرًا عن التقدير لمنجزات الوزير وإسهاماته الفكرية المستنيرة للإنسانية.

اقرأ أيضاًالأوقاف: تسجيل وقف خيري جديد وأرشفة 500 ملف وقفي خلال مايو 2026

وزير الأوقاف يُعزي سفير السعودية لدى مصر في وفاة والده

أوقاف الإسكندرية: تخصيص641 ساحة لأداء صلاة عيد الأضحى المبارك في جميع أحياء المحافظة

مقالات مشابهة

  • خريطة المسلمين عالمياً تتغير.. آسيا تقود المشهد
  • ست سنوات على اغتيال القعيطي.. أسئلة العدالة لا تزال بلا إجابة
  • زلزال سياسي.. اتهامات متبادلة تهدد علاقة ترامب ونتنياهو قبل الانتخابات
  • أرز اللبن مثل المحلات الكبرى.. أسرار التحضير وقوام كريمي يضمن مذاقًا لا يُقاوم
  • وزير الأوقاف: حرية الاعتقاد مبدأ راسخ في الإسلام
  • خالد الجندي: النبي علّمنا الرحمة حتى مع المسيء.. و”العنف الأسري” ليس من هدي الإسلام
  • في معركة الاستقلال (5): هندسة التوازن.. كيف تناور الدول بين القوى الكبرى؟
  • السلام بعيد عن لبنان.. ما دور إيران بتمسك حزب الله بالسلاح وإسرائيل بشروطها؟
  • فك أسرار عمالقة الفضاء.. رصد تاريخي للميثان على كوكب معتدل يبعد 335 سنة ضوئية
  • من خلاف على الطريق إلى تهديد بالسلاح الأبيض.. الداخلية تكشف تفاصيل واقعة أسوان