القصيدة عند شاعرنا فاروق جويدة، الذي نحتفل في 10 فبراير ببلوغه ثمانين عامًا، أشبه بحلم لا يخضع لوعاء فكري ثابت أو أيديولوجيا معينة، فهي تطير كفراشة متنقلة من زهرة لأخرى، حاملة معاني تتدفق وتتعانق في حركة متسارعة، تعبر تارة عن وجدانه، وأخرى عن أحلامه، مجسدة صدامًا بين الحلم والواقع.
تاريخيًا ينتمي جويدة إلى جيل شعراء السبعينات، ذلك الجيل الذي أثار جدلًا بتباين مشاعره ونتاجه، الذي اختلط فيه الخوف والقلق بمرارة الإحباط والحلم المجنح، جيل وجد نفسه أزاء مدرستين شعريتين: الأولى رومانسية إحيائية ممثلة في محمود حسن إسماعيل ومحمد التهامي وإبراهيم عيسى، وأخرى مجددة يمثلها صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي وأمل دنقل، وإلى جوار هؤلاء وأولئك اتخذت مجموعة ثالثة من الحداثة الغربية مرجعية له، وأغرقت شعرها في الرموز والغموض، حتى لقد بات شعر بعضها أشبه بكلمات متقاطعة، تحتاج إلى جهبذ لفهمها، ولا تعبر إلى قلب القارئ، فالشعر الحقيقي هو ما يهز وجدان قارئه ويتغلغل فيه، لا ما يتحول إلى طلاسم تنفر القارئ منه.


وسط هذا البحر المضطرب المتباين الوجوه، ظهر فاروق جويدة متخذًا موقفًا وسطًا بين الشعر العمودي وشعر التفعيلة، فقبل الأول - على حد قول أحد النقاد - لكنه لم يقدسه، ورحب بالثاني لكن دون الغرق في الرموز والطلاسم، رافضًا اتباع حداثة وافدة تخرب اللغة والشعر، عن فهم صحيح لوعاء الإبداع وهي اللغة العربية، وكونها لغة سماعية بألفاظها المموسقة، ولغة مفكرة لما تحويه دلالاتها من معان ألفاظ، يندر أن يوجد مثلها في لغة أخرى، وغاص في بحور هذه اللغة مستنطقًا الكلمات، فعشقه للغة العربية وحسن فهمه لطبيعتها، جعل الكلمات تتداعى له في لغة سلسة مرنة، لغة تستوعب التراث ولا تغفل المعاصرة، توظف العناصر الدرامية للتعبير عنها، ولا تجعلها غاية الشاعر، وهو متأثر في ذلك بالشاعر السوري الكبير الراحل نزار قباني، الذي أوجد لغة ثالثة، معها لم يعد الشعر للنخبة فقط، لكنه نزل به للشارع ليصافح أسماع العامة وألسنتهم. 
وفي شعر جويدة الغزلي سلاسة كلمات نزار ورقة عاطفة إبراهيم ناجي وصوفية ابن الفارض وصلاح عبد الصبور، وهو ينظر للمرأة كمخلوق راقي، يجردها من كيانها الحسي، ليحيلها إلى كائن مثالي يحتمي به، لكنه لا يفني ذاته في المحبوبة مثلما فعل ناجي، لأنه يرى الحب علاقة تعادلية، فهو لا يقترب من المرأة إلا بمقدار، مفضلًا الحرية على القيد:
أنا نورس لا يحب الرحيل .. وحين انتشى ذاب شوقا وطار
ويصير في حبه كالطفل ، يخاف الليل ويبحث عن المرفأ الآمن:
في ليلة حزن وحشية 
أبحث عن صدر يحميني
ويعيد دماء شراييني
فأنا مرتعد كالأطفال
طيور النوم تجافيني
والنشأة الدينية لشاعرنا ربطت معجمه الشعري بالتاريخ والتراث الديني وفي مقدمته القرآن الكريم:
القدس ترسم وجه "طه"
والملائكة حوله
والكون يتلو سورة "الرحمن"
القدس في الأفق البعيد
تطل أحيانًا وفي احشائها
طيف المسيح وحوله الرهبان
وإذا كانت الأنا الفردية قوية في شعره الغزلي، فهي في شعره السياسي على العكس تختفي تمامًا، وتذوب في الأنا الجماعية:
القدس تسأل :
كيف صار الابن سمسارًا وباع الأم
في سوق الهوان بأرخص الأثمان
صوت المآذن .. والكنائس لم يزل 
في القدس يرفع راية العصيان
والصورة الشعرية عنده ناطقة نابضة بالحياة، فهو يضفي على الجماد صفات الأحياء، نراه يستنهض الهمم العربية ويستنطقها لتطالب بحقها في الحياة:
انطق كي أنطق
ويلي من صمتي من صمتك
سأحطم رأسك كي تنطق
سأهشم صمتك كي أنطق
رجل البوليس يقيدني
والناس تصيح
هذا المجنون
حطم تمثال أبي الهول!
وفي أعمال جويدة الشعرية ارتباط واضح بالتاريخ والتراث، يدل على عمق إحساسه بالقيمة الجمالية والخلقية للأدب، وفي الوقت نفسه يتيح التراث له عمل اسقاطات على الحاضر، دون أن يخشى مقص الرقيب، وتجلى ذلك في مسرحياته الشعرية الأربعة: الوزير العشق، دماء على أستار الكعبة، الخديوي، وهولاكو، ونجاح هذه المسرحيات يدل على مدى تمكن الشاعر من فنه، فالمسرحية الشعرية من أصعب فنون الشعر، ولهذا لا يكتبها إلا الشعراء الكبار المتمرسين، ويلحظ أن الشاعر في مسرحياته الأربعة أدخل المرأة في السياق لتكون العنصر الموازي لأحداثها الدرامية ذات الطابع السياسي والتاريخي، فباستثناء الوزير العشق التي كانت المرأة محورًا أساسيًا لها كما يتضح من عنوانها، أوجد جويدة مكانًا للمرأة في مسرحياته التاريخية الأخرى، ولم ينس في خضم ذلك الاهتمام بالمحتوى وكيفية تقديمه، فليست مزية الشاعر – كما يقول عملاق الأدب العربي عباس محمود العقاد – أن يقول لنا عن الشيء ماذا يشبه، وإنما مزيته أن يقول ماهو، ويكشف لقارئه عن لبابه وصلة الحياة به، فهل نجح شاعرنا في تأكيد صواب ما ذهب إليه العقاد، إن الإجابة لدي القاريء، الذي يقبل على دواوين الشاعر، ويعطيه صك الاعتراف به أو يمنعه عنه.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: الحداثة الغربية قلب القارئ هذا المجنون

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • وليد فاروق: ارتفاع أسعار الذهب والطاقة وسعر الصرف وراء زيادة تكاليف التصنيع
  • ستة وثلاثون عامًا من الحلم والصمود
  • اغتراب الذات والقصيدة في "ظل يرتسم على المياه البعيدة"
  • غدا.. قصور الثقافة تحتفي بمسيرة الشاعر مدحت منير بالإسماعيلية
  • من الكاريبي إلى المونديال.. مشروع هولندي يقود كوراساو إلى الحلم العالمي
  • مدرب النمسا يشيد بلاعبي “الخضر” قبل صدام المونديال
  • الترهوني: الإدارة الأمريكية تراهن على الفريق صدام حفتر لدفع الحلّ في ليبيا
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • وزير الزراعة يوجه رسالة شكر للعاملين بالوزارة لجهودهم خلال إجازة عيد الأضحى
  • مبدع دايما.. مي فاروق تدعم الملحن نادر نور في أزمته الأخيرةً