من المقرر شرعًا أن شهر شعبان ليس مجرد محطة زمنية بين رجب ورمضان؛ بل هو مدرسة فريدة؛ للتوازن بين العبادة والعمل حيث يتعلم الإنسان الجمع بين خلوة الروح، وجلوس السوق، إنه معسكر روحي وعملي يبني الإرادة، ويحوّل العادات إلى عبادات، ويهيئ النفوس؛ لحمل ثقل الأمانة في رمضان.


بين "خلوة الروح" و"جلوس السوق".. هندسة بناء الإنسان

كثيرًا ما تضطرب كفة الميزان لدى السالك إلى الله؛ فإما غرقٌ في المادة يُنسي الروح، وإما انقطاع للعبادة يُعطل عمارة الأرض، وتأتي الشهور والمواسم؛ لتربي فينا جانبًا دون آخر، إلا شهر شعبان؛ فإنه يأتي مدرسةً فريدةً في "التوازن الصعب".

إنه الشهر الذي يقع بين رجب (شهر الانقطاع والحرمة) ورمضان (شهر القرآن والتجلي)؛ ليكون هو جسر العبور الذي يختبر فيه العبد قدرته على الجمع بين "القيام بحق الحق" (العبادة)، و"القيام بحق الخلق" (العمل والسعي)، وتلك هي الغاية العظمى من بناء الإنسان في الإسلام.

فلا بد أن نعرف فقه التوازن بين العمل والعبادة، فكلاهما عبادة إذا كان القصد حسنًا، والنية صالحة.

فلسفة "عبادة الغفلة".. التعبد في قلب المعركة

المحور الرئيس لفهم سر شعبان يكمن في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما حين سأل النبي ﷺ عن كثرة صيامه فيه، فقال: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ» [رواه النسائي في "سننه" رقم ٢٣٥٧].

فالناس ينشغلون في شعبان بالتجارة، والاستعداد المادي لرمضان، أو يستريحون فيه بعد جهد رجب، وهنا تكمن عظمة "بناء الإنسان"، فإن العابد في المحراب معتكفٌ بحكم المكان، لكن الصائم في شعبان عابدٌ، وهو في قلب السوق، وفي مكتبه، وبين أوراقه.

البعد التربوي: الإنسان الذي يصوم (وهو عمل شاق) بينما يمارس حياته العملية الطبيعية (وهو جهد آخر) يبني في نفسه "قوة الإرادة"، فإن كمال النفس لا يكون بترك الشهوات عجزًا، بل بتركها قدرةً واختيارًا مع توفر دواعيها، فشعبان مدرسة تقول للإنسان: "كن في الدنيا ببدنك، ومع الله بقلبك".

وهذا هو سر "الخلوة في الجلوة" التي يقررها السادة "النقشبندية" وغيرهم من طرق التربية كما قال المرتضى الزبيدي في "إتحاف السادة المتقين": (خلوة وراء تجمر؛ يعنى الخلوة في الجلوة الظاهر مع الخلق والباطن مع الحق، اليد بالشغل والقلب بالحق.

رفع الأعمال.. وبناء الإنسان

يقول النبي ﷺ في بقية الحديث السابق: «وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ» [النسائي في "سننه" رقم ٢٣٥٧]. هذا "الرفع السنوي" يشبه في لغة الإدارة الحديثة "إغلاق الحسابات الختامية" أو "تقييم الأداء السنوي".

تجويد الختام: «وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ» [رواه البخاري في "صحيحه" رقم ٦٦٠٧] فالصيام في شعبان هو محاولة؛ لتجميل ختام عبادة العام في الختام.

هذا يُعَلِّم الإنسان مبدأ "الإتقان"؛ فالمسلم يسعى دائمًا لأن تكون نهايات أعماله مشرقة كنهاياتها.

التوازن بين "الصوم" و"الخدمة

لم ينقل إلينا أن النبي ﷺ كان يعطل جيشًا أو يوقف غزاة أو يغلق سوقًا في شعبان؛ لأنه صائم، بل كانت حياته تسير بنسقها الطبيعي مع زيادة الأعمال والأوراد.

يقول سيدنا ابن عطاء الله رضي الله عنه: "إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية"، ويمكن أن تستخلص من هذا المعنى: إذا وضعك الله في مقام "العمل" (الأسباب: وظيفة، دراسة، رعاية أسرة)، فلا تظن أن الروحانية هي الهروب من العمل للاعتكاف (التجريد) في غير وقته، فشهر شعبان يعالج هذا الخلل: إنه يقول لك: ابقَ في عملك، ابقَ في وظيفتك، ولكن "صُم" أدخل العبادة على العمل، ولا تلغِ العمل لأجل العبادة، فهذا المزج هو الذي يبني شخصية المسلم القوي الذي يعمل فِي القَوْمِ فيكون أَجَلَدَهُمْ؛ أي: أصبرهم وأقواهم، وهو صائم.


 

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: شعبان شهر شعبان أحب الأعمال في شهر شعبان أدعية شهر شعبان فی شعبان

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • الولاية.. {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ} الحلقة الأولى
  • البابا لاوون يخصص نية صلاة شهر قلب يسوع الأقدس من أجل الرياضة
  • أهمية الخشوع في الصلاة وتسابيح سيدنا النبي بعد أدائها
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • السفير علاء يوسف: "الاستعلامات" تكثف جهودها بالمحافظات حول ترشيد الطاقة وبناء الإنسان
  • الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة
  • اختلالات تهدد استدامة التجارة بين أوروبا والصين.. خبير يطالب بإعادة التوازن
  • في معركة الاستقلال (5): هندسة التوازن.. كيف تناور الدول بين القوى الكبرى؟
  • حقوقي: إطلاق مشاورات الاستراتيجية الجديدة لحقوق الإنسان خطوة مهمة
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟