صفقة الشيطان.. تعرف على رحلة صعود جيفري إبستين
تاريخ النشر: 7th, February 2026 GMT
لم تكن جرائم رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين نتاج لحظة طيش أو غريزة شاذة عابرة، بل مسارا طويلا من الاعتداء والاتجار بالقاصرات، جرى تنفيذه بكل إصرار وثقة، في ظل شبكة نفوذ معقدة جعلته يتصرف وكأن المحاسبة احتمال مستبعد.
وعلى الرغم من الشكاوى المبكرة التي وصلت إلى جهات إنفاذ القانون في الولايات المتحدة، استمر إبستين في أفعاله لسنوات من دون خوف من الملاحقة، ما يثير تساؤلات عميقة حول العوامل التي وفرت له هذا الغطاء الممتد.
ويقتضي فهم هذا المسار العودة إلى تفاصيل حياة إبستين منذ نشأته الأولى، وتتبع صعوده الاجتماعي والمالي، والعلاقات التي بناها، والأساليب التي اعتمدها للتمويه والضغط والإفلات من المساءلة القانونية.
من تفوق أكاديمي غامض إلى أول أبواب النفوذ
اختار جيفري إبستين الاستمرار في ارتكاب جرائم الاعتداء والاتجار بالقاصرات من دون خوف من المحاسبة أو من تحرك المباحث الفيدرالية، رغم البلاغات المقدمة ضده، وهو ما يفرض تتبع تفاصيل حياته ومساره منذ البداية لفهم كيف تمكن من الإفلات طوال عقود.
في العشرين من يناير 1953، ولد جيفري إبستين في ولاية نيويورك لأسرة يهودية من الطبقة المتوسطة، لم تعرف الفقر كما لم تصل الثراء، حيث كان الابن الأكبر في عائلته، ولم تحمل طفولته أو مراهقته ما يثير الشك أو الفضول، باستثناء تفوقه اللافت في الرياضيات، وهو الذكاء الذي شكل لاحقا مدخله إلى عالم المال والأعمال.
تلقى إبستين تعليمه في المدارس العامة، ثم التحق بالجامعة لدراسة الرياضيات والفيزياء، لكنه لم يكمل دراسته الجامعية، إذ تركها عام 1974 من دون الحصول على أي مؤهل أكاديمي.
ورغم ذلك، التحق بمدرسة دالتون المرموقة ليعمل مدرسا للرياضيات، في خطوة لم يعرف أحد حتى اليوم كيف تحققت.
ومنذ تلك المرحلة، بدأت سلسلة من الأحداث في حياة إبستين من دون تفسير واضح، وهو الأسلوب الذي اعتمده لما يقارب خمسة وأربعين عاما.
واتسم إبستين بكاريزما لافتة وقدرة عالية على بناء العلاقات، إلى جانب ميله لتجنب الظهور العلني، وهي صفات شكلت الأساس الذي بنى عليه إمبراطوريته لاحقا.
وخلال عمله في مدرسة دالتون، لم تسجل شكاوى تذكر ضده، باستثناء شكوى واحدة من طالبة أعربت عن عدم ارتياحها لطريقة معاملته، وبعد عامين، طرد إبستين من المدرسة لسوء الأداء.
بالمال والاحتيال.. شركة لإدارة الثروات
عقب طرده مباشرة، تلقى عرض عمل من رجل الأعمال آلان غرينبيرغ، مالك مؤسسة "بير ستيرنز"، الذي كان ابنه وابنته من طلاب إبستين.
وخلال سنوات عمله في المؤسسة، أظهر كفاءة عالية، وبنى علاقات قوية مع عملائه، لم تقتصر على إطار العمل الرسمي، بل امتدت إلى تقديم نصائح مالية واستثمارية شخصية، وبعد أربع سنوات فقط، أصبح شريكا محدودا، لكنه طرد بعد عام واحد لمخالفته قواعد المؤسسة.
في عام 1981، وبعد مغادرته "بير ستيرنز"، أسس إبستين شركته الخاصة التي عملت على استرداد أموال نُهبت من عملائه خلال عمليات تلاعب أو نصب، غير أن بوصلته الأخلاقية غير المنضبطة جعلته يتعامل مع ضحايا التلاعب ومع المتلاعبين أنفسهم.
وفي عام 1987، وصل إلى رجل الأعمال ستيفن هوفينبيرغ، الذي كان يقود مخطط بونزي واسع النطاق باستخدام بيانات مالية كاذبة، بلغت قيمته نحو 460 مليون دولار.
لعب إبستين دورا محوريا في تزوير الأصول وإدارة الأوراق المالية والتلاعب بأسعار الأسهم بشكل غير قانوني، وعندما أُدين هوفينبيرغ وحُكم عليه بالسجن عشرين عاما، لم يذكر إبستين خوفا من أن ينجو الأخير من العقاب.
وكان إبستين قد ادعى أمامه أنه شاهد متعاون مع وزارة العدل الأمريكية ويتمتع بحظوة لديها، وهو ادعاء أنقذه لاحقا من الملاحقة.
روّج إبستين في دوائره الخاصة لفكرة أنه عميل للاستخبارات المركزية الأمريكية، وهو أمر لم تؤكده أو تنفه الوكالة، لكن الثابت أنه كان يحمل عدة جوازات سفر بأسماء وبيانات مزيفة، استخدمها للتنقل بين دول عدة في الثمانينيات.
وفي عام 1988، أسس شركة لإدارة الثروات، كان شديد الانتقائية في اختيار عملائها، فلا يقبل بأقل من مليار دولار كرأس مال، ولا يتقاضى نسبة من الأرباح، بل رسوما ثابتة.
لم يكن للشركة عملاء معروفون سوى ليزلي ويكسنر، صاحب مجموعة من العلامات التجارية، والذي اشتهر بإدارته استثماراته بنفسه، لكنه رغم ذلك وكل إبستين بمتابعة شؤونه المالية.
وبين عامي 1991 و2006، أشرف إبستين على بيع أسهم بقيمة 1.3 مليار دولار من أصول ويكسنر، الذي قال لاحقا إن إبستين سرق 46 مليون دولار، وهي شهادة لم تصدر إلا بعد وفاة إبستين.
في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، أصبح إبستين شخصية بارزة في أوساط النخب الأمريكية، وامتلك أغلى المنازل في نيويورك، ونسج شبكة علاقات واسعة ضمت سياسيين وفنانين ورجال أعمال، من بينهم الرئيسان الأمريكيان بيل كلينتون ودونالد ترامب، والأمير البريطاني أندرو، ونجوم هوليوود مثل كيفين سبيسي وودي آلن.
وكان من أبرز أصدقائه الإعلامي البريطاني روبرت ماكسويل، الذي أثيرت حوله شبهات العمل لصالح أجهزة استخبارات أجنبية، وهي شبهات لاحقت إبستين أيضا.
في مطلع التسعينيات، نشأت علاقة بين إبستين وغيلين ماكسويل بعد وفاة والدها، تطورت إلى شراكة شخصية وجرمية.
العدالة المؤجلة وصفقات الإفلات
وفي عام 1996، تلقت المباحث الفيدرالية بلاغا من الرسامة ماريا فارمر، موظفة إبستين السابقة، يفيد بتعرضها وشقيقتها القاصر آنذاك لاعتداءات جنسية من إبستين وماكسويل. ورغم جدية البلاغ، لم يتحرك التحقيق، وبفضل شبكة علاقاته وثروته الضخمة، تجاهل إبستين الأمر تماما.
لاحقا، وفي عام 2003، حاولت مجلة "فانيتي فير" نشر تحقيق عن إبستين، لكن التفاصيل التي تدينه حُذفت بناء على تعليمات إدارية.
وفي العام نفسه، تلقت شرطة "بالم بيتش" بلاغات عن تردد فتيات صغيرات على قصره، لكنها أغلقت الملف بعد ادعاءات بأنهن يعملن في مهام مكتبية.
في عام 2005، تقدمت سيدة ببلاغ تتهم إبستين بالاعتداء على ابنة زوجها القاصر مقابل 300 دولار. تولى المحقق جو ريكيري القضية، واكتشف شبكة معقدة من القاصرات جرى استدراجهن عبر وسطاء من فتيات أخريات، مقابل مبالغ مالية، وتبين أن ماكسويل كانت تشارك أحيانا في الاعتداءات، وأن القاصرات كن يُرسلن أيضا إلى أصدقاء إبستين من النخب.
ورغم صدور أمر بتفتيش قصره، وعثور الشرطة على دلائل مقلقة، انتهت القضية عام 2008 بصفقة قضائية اعترف فيها إبستين بالذنب مقابل 18 شهرا في سجن بالم بيتش، مع امتيازات سمحت له بالخروج للعمل يوميا، وبعد 13 شهرا فقط، أنهى محكوميته ووُضع تحت الإقامة الجبرية، التي لم يلتزم بها.
عادت القضية للواجهة في عام 2019، حين أبطلت محكمة فيدرالية اتفاق عدم الملاحقة، ووجهت لإبستين اتهامات بالاتجار بالقاصرات.
ألقي القبض عليه فور عودته من باريس، وداهمت المباحث الفيدرالية منزله، حيث عثرت على مئات الصور لقاصرات وجوازات سفر مزيفة. هذه المرة، رُفض الإفراج عنه بكفالة.
في الثامن من أغسطس 2019، كتب إبستين وصيته، ونقل ثروته المقدرة بـ577 مليون دولار إلى صندوق ائتماني في جزر فيرجينيا، وفي العاشر من الشهر نفسه، عُثر عليه منتحرا في زنزانته بسجن مانهاتن الفيدرالي.
بوفاته، سقطت الدعوى الجنائية، وبقيت الأسئلة الكبرى بلا إجابة، في قضية انتهت من دون محاسبة كاملة.
وأخيرا، أعادت وزارة العدل الأمريكية فتح ملف جيفري إبستين نهاية الشهر الماضي إلى الواجهة بعد نشر دفعات جديدة من الوثائق المرتبطة بالتحقيقات، في خطوة ضمن قانون الشفافية والاستجابة للضغوط المتصاعدة من الرأي العام والكونغرس والناجين.
وكشفت الملفات عن مراسلات وشهادات ووثائق لم تكن متاحة سابقا، أعادت طرح تساؤلات قديمة حول كيفية تعامل السلطات مع البلاغات المبكرة، وحدود النفوذ الذي تمتع به إبستين، وأسباب تعثر ملاحقته لسنوات طويلة رغم خطورة الاتهامات.
ورغم أن نشر هذه الوثائق لا يغير من النهاية القانونية للقضية بعد وفاة إبستين، إلا أنه أعاد إشعال الجدل حول دور المؤسسات الرسمية، ومسؤولية الجهات التي أبرمت صفقات خففت عنه العقوبة، أو غضت الطرف عن مؤشرات خطيرة.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية الولايات المتحدة نيويورك الولايات المتحدة نيويورك ابستين المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة جیفری إبستین إبستین من وفی عام من دون فی عام
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود