مرتضى بن حسن بن علي

 

نعيش زمنًا غير مسبوق في سرعة التحوّل؛ فالتغيّر الذي كان يستغرق عقودًا بات يحدث خلال سنوات، وأحيانًا خلال أشهر. وفي قلب هذا التحوّل يقف الذكاء الاصطناعي، لا بوصفه أداة تقنية فحسب، بل قوة تعيد تشكيل المعرفة، والعمل، والاقتصاد، وحتى معنى الإنسان ذاته. في هذا السياق، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: أيّ تعليم نريد في هذا العصر سريع التغيّر؟

لم يَعُد التعليم مجرّد نقل للمعلومات؛ لأن المعلومات باتت متاحة بضغطة زِر.

ولم تَعُد المهارة في الحفظ أو التذكّر معيارًا للتميّز، لأن الآلة تتفوّق على الإنسان في ذلك بلا منافسة. الأزمة الحقيقية اليوم ليست نقص المعرفة، بل فائضها، وليست غياب الإجابة، بل غياب السؤال الجيّد. ومن هنا، يصبح التعليم إمّا أداة للتحرّر العقلي، أو عبئًا يُكرّس التخلّف عن اللحاق بالعصر.

التعليم الذي نريده في عصر الذكاء الاصطناعي ليس تعليم "ماذا نعرف"؛ بل تعليم كيف نفكِّر، ولماذا نستخدم المعرفة، وما أثرها على الإنسان والمجتمع. فحين تستطيع الخوارزميات تحليل البيانات، وكتابة النصوص، وحلّ المسائل، فإنّ القيمة المضافة للإنسان لا تعود في التنفيذ، بل في الحكم والتأويل والمعنى.

وأولى ركائز التعليم المنشود هي التحوّل من التلقين إلى التفكير النقدي. الطالب لم يَعُد بحاجة إلى معلّم يُملي عليه الإجابات، بل إلى معلّم يقوده إلى طرح الأسئلة، ويعلّمه كيف يشكّ، وكيف يختبر الفرضيّات، وكيف يميّز بين المعلومة والمعنى، وبين الرأي والمعرفة. في عالم تملؤه الخوارزميات، يصبح التفكير المستقل مهارة وجودية لا ترفًا أكاديميًا.

الركيزة الثانية هي إعادة تعريف الإبداع؛ فالإبداع في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعني منافسة الآلة في سرعة الإنتاج أو كثافة المحتوى؛ بل يعني القدرة على الربط بين مجالات متباعدة، وفهم السياق الإنساني، وصياغة أسئلة غير مألوفة، وتوظيف المعرفة أخلاقيًا. الإبداع البشري ينبع من التجربة، والوجدان، والخيال، ومن الاحتكاك بالواقع، لا من قواعد بيانات ضخمة فقط.

أما الركيزة الثالثة؛ فهي التركيز على المهارات الإنسانية العميقة: التعاطف، والحكمة، والقدرة على العمل الجماعي، والقيادة الأخلاقية، والمرونة في مواجهة الغموض. هذه مهارات لا يمكن برمجتها بالكامل، لكنها ستصبح الفارق الحقيقي بين الإنسان والآلة. التعليم الذي يهمل هذه الأبعاد، مهما بلغ تقدّمه التقني، يخرّج أفرادًا أكفاء تقنيًا لكنهم فقراء إنسانيًا.

ويفرض هذا التحوّل إعادة نظر جذرية في دور المعلّم. لم يَعُد المعلّم ناقلًا للمعلومة، بل أصبح مُيسِّرًا للتفكير، وشريكًا في البحث، وحارسًا للقيم. دوره أن يخلق بيئة آمنة للتجريب، وأن يشرعن الخطأ بوصفه جزءًا من التعلّم، وأن يربط المعرفة بالحياة، لا بالامتحان فقط. وهذا يتطلّب بدوره تغييرًا في إعداد المعلّمين، وفي المناهج التي تُدرَّس لهم.

كما يفرض العصر الجديد إعادة تعريف التقييم؛ فالامتحانات التي تقيس الحفظ لم تَعُد صالحة في زمن يمكن للآلة أن تجيب فيه عن أي سؤال. التقييم الحقيقي يجب أن يركّز على المسار: كيف فكّر الطالب؟ كيف تطوّرت فكرته؟ كيف دافع عن اختياراته؟ المشاريع طويلة الأمد، والعروض التحليلية، والمناقشات المفتوحة، تصبح أدوات أكثر صدقًا في قياس التعلّم الحقيقي.

ولا يمكن تجاهل البُعد الأخلاقي؛ فالذكاء الاصطناعي يطرح أسئلة عميقة حول الخصوصية، والتحيّز، وملكية المعرفة، وحدود الاعتماد على الآلة. التعليم الذي نريده هو تعليم يُنمّي الوعي النقدي بالتقنية، لا تعليم يُنتج مستخدمين سلبيين لها. فالتقدّم بلا بوصلة أخلاقية قد يتحوّل إلى خطر، لا إلى إنجاز.

في الختام، السؤال ليس: كيف نُدخل الذكاء الاصطناعي إلى التعليم؟ بل: كيف نُعيد تعريف التعليم في ضوء الذكاء الاصطناعي؟

التعليم الذي نريده هو تعليم يُخرّج إنسانًا قادرًا على الفهم لا الحفظ، وعلى السؤال لا التلقّي، وعلى التمييز لا التقليد. تعليم لا يُنافس الآلة في ما تُجيده؛ بل يُنمّي في الإنسان ما لا تستطيع الآلة أن تكونه: الوعي، والمسؤولية، والمعنى.

وفي عصر سريع التغيّر، قد لا نعرف كل الإجابات، لكنّ التعليم الجيّد هو الذي يعلّمنا كيف نطرح الأسئلة الصحيحة، وكيف نبقى بشرًا في عالم تزداد فيه الآلات ذكاءً.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

كاتبة بريطانية تحذر: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يضعف الإبداع والوعي الإنساني

وسط الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي في الكتابة والإعلام والحياة اليومية، تتصاعد التحذيرات من أن الاعتماد المفرط على هذه الأدوات حيث أنه لا يهدد دقة المعلومات فحسب، بل يضعف أيضا قدرة البشر على التفكير والإبداع والتعبير عن ذواتهم، وفقا لما نشرته صحيفة الغارديان.

ونشرت صحيفة "الغارديان" مقالا للصحفية نسرين مالك قالت فيه إن البشر يخسرون قدرتهم على التواصل وتنظيم مجتمعاتهم من أجل السهولة والسرعة، مضيفة أنه "يجب أن نُؤكّد ثقتنا بالبشر بدل الآلات".

وأشارت الى السيناريو الكابوس التالي: "أنت تُؤلّف كتابا عن كيفية إعادة الذكاء الاصطناعي تشكيل الواقع. تبدأ باستخدامه كشريك بحثي، واثقا من أنك تُطبّق أفضل الممارسات بعدم السماح له بكتابة جملة واحدة في الكتاب. تعتقد أنك ستكون حذرا، وستُدقّق في كل شيء. ثم يصدر كتابك، ويتضح أنه يحتوي على أكثر من ستة اقتباسات منسوبة خطأ أو مُزيّفة. اعترف الكاتب ستيفن روزنباوم، الذي وقع ضحية هذا الخطأ، بأن مُخرجات الذكاء الاصطناعي كانت أحيانا "خاطئة بشكل مُذهل"، ولكن مع ذلك، تسلّلت الأخطاء".

كما ذكرت أن هناك أمثلة أخرى. فقد غرقت قصة قصيرة حائزة على جائزة الكومنولث في ادعاءات بأنها تحمل سمات الذكاء الاصطناعي. وأنه في كل مرة ترى فيها تقرير صحفي وقع ضحية اقتباسات مزيفة من الذكاء الاصطناعي أثناء بحثه، تدعو الله أن يحفظها، وقال إنه لولا لطف الله لكانت مكانه. ولكن لكي لا تترك الأمر للرحمة وحدها، تتجنب تماما التعامل مع هذه الاقتباسات. فعندما تظهر نتائج الذكاء الاصطناعي كخيار افتراضي في محركات البحث، ترفضها وتستنكرها، وكأنها تحمل في طياتها سحرا خفيا يتسلل إلى العقل بمجرد التفاعل معها ويسيطر عليه.

وأكدت أن هذا النهج الرهباني، الذي يكاد يكون جنون ارتياب، ليس فقط لأن الذكاء الاصطناعي أداة بحث محفوفة بالمخاطر وغير موثوقة، بل هو صوت، ونبرة، وتردد. مضيفة أن لغة الذكاء الاصطناعي تطاردها في ملايين الترانيم الرتيبة المتشابهة، من خدمة العملاء إلى منشورات وسائل التواصل الاجتماعي إلى البيانات الصحفية. حتى وهي تكتب هذه السطور، يساورها القلق من أن تبدو كلماتها ككلمات الذكاء الاصطناعي، وأنها استوعبت، بطريقة ما، من خلال التعرض المتواصل لها، رتابتها وإسهابها، وجملها القصيرة الموجزة، وسردها الإعلاني، ومحاكاتها غير الرسمية للشخصية: “أهلا! أتمنى أن تكونوا بخير. ظننتُ أنك قد ترغب بكتابة مقال عن الذكاء الاصطناعي، وهو موضوع يشغل بال المفكرين والكتاب بشكل متزايد. هل ترغب في معرفة المزيد؟"


ثم طرحت السؤال: "ما الذي نخسره في خضمّ هذا الجدل؟" وأجابت بالقول إن الكتابة ليست مجرد التعبير عن الأفكار بالكلمات بأسلوب معين: تحليل، أدب روائي، سرد قصصي. إنها تتعلق بالكيمياء الخاصة للفرد، حيث يستمدّ من بصمته الفريدة لبناء فكرة. إنها تتعلق بطريقة عمل دماغه، والخصائص التي اكتسبها على مرّ السنين، وآرائه السياسية، وتاريخه، وعلاقاته، ونظرته للعالم. يمكنك إنتاج ألف كاتب مثل ديكنز والرومي باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنك لن تستطيع خلق كاتب أيقوني جديد. كل ما يمكنك فعله هو الاستفادة من الأساليب الموجودة بالفعل. يمكنك فقط الاشتقاق، لا الإبداع.

وقالت إنه إضافة لذلك هناك الضمور. فقدان القدرة على البحث عن الكلمة المناسبة، على صياغة صورة لفظية. فبإمكان الكاتب توفير دقائق ثمينة مع اقتراب الموعد النهائي، ويطلب من الذكاء الاصطناعي أن يبتكر له عبارة مناسبة، أو بإمكانه التريث والتفكير مليا في أن مقاومة الكتابة بمساعدة الذكاء الاصطناعي أشبه بمحاولة تجنب استنشاق فيروس ينتقل عبر الهواء. وأضافت أن هذا قد لا يكون تشبيها بليغا، ولكنه تشبيهها الخاص. وهو يساعدها، في الكتابة، على ترسيخ أفكارها. سواء أكان نصا سياسيا أم بريدا إلكترونيا، فإن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في كل شيء، من البحث إلى الكتابة، يقطع الصلة بين الشعور والتعبير. إنه يُفرغ كل شيء من رونقه، ويخنق قدرة المرء على توجيه أفكاره، والتفاعل معها، والمفاجأة بما يدور في ذهنه. عندما تصبح التكنولوجيا وسيلة لتقليل الجهد المبذول بكل الطرق، فإنها تُصبح في نهاية المطاف عائقا أمام الوعي الحقيقي. تُظهر الأبحاث، التي لا تُثير الدهشة على الإطلاق، أن الاعتماد على برامج الذكاء الاصطناعي قد يُقلل من تفاعل الدماغ.

وأوضحت أن الأمر الأكثر إحباطا هو مدى ملاءمة هذا التضييق على الذات للوضع السياسي الراهن، الذي يتسم بوفرة المحتوى والمعلومات المغلوطة. ينتشر الذكاء الاصطناعي بكثافة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنشر الحسابات بثقة نصوصا مطولة حول كل شيء، من حروب الشرق الأوسط إلى تجارب شخصية مؤثرة لم تحدث في نوع من الخيال العلمي. وفي السياسة، يهيمن صوت أشبه بصوت كير ستارمر، بنبرة رتيبة من الشعارات الفارغة المتكررة والردود المراوغة. والنتيجة هي محرضون يمينيون متطرفون يثرثرون في بحر من التضليل، أو سياسيون وسطيون يعيشون في خوف من الخروج عن الوضع الراهن. أما الأفكار أو السياسات القليلة التي يمتلكونها، فهي مختبئة في وضح النهار، محجوبة بتأثير غريب يتمثل في محاولة كتم المشاعر خشية اتهامهم بتبني أيديولوجية حقيقية.

وقالت: "سامحوني إن بدوتُ كشخص مُعارض للتكنولوجيا، ولشعوري ببعض القلق الأخلاقي حيال تقنية تُسهم ظاهريا في إتاحة المعرفة للجميع وتذليل العقبات أمام الكتابة. لكنّ معايرتها مُختلة تماما، ما يُؤدي إلى دمج استخدام الذكاء الاصطناعي الحقيقي مع صوته العام. ثمة ما يُشبه الآن حملة مطاردة تُشنّ على تحليل النصوص باستخدام برامج الذكاء الاصطناعي واتهام الكُتّاب بالغش، كرد فعل على التغلغل المُحيّر لهذا الصوت في كل شيء، وعلى مدى انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي".

ونقلت عن روزنباوم قوله: "أي كاتب يعمل اليوم ويجلس أمام جهاز كمبيوتر، سواء كان يكتب مقالات طويلة أو مُلتزما بمواعيد نهائية أو يعمل في المجلات، أيا كان أسلوب عمله، فهو يستخدم الذكاء الاصطناعي بطريقة أو بأخرى، جزئيا على الأقل لأنه ليس فقط جذابا للغاية، بل إنه قيّم جدا أيضا". ثم قالت إن هذا تعليق بالغ الدلالة، ويكشف عن تشاؤم عميق، يرفض حتى مجرد الإقرار بإمكانية وجود عالم نملك فيه خيارا، تتجاوز أهميته مجرد الملاءمة.

وختمت المقال بالقول إنّ الأمر لا يقتصر على بعض الأخطاء المؤسفة هنا وهناك، بل يتعداه إلى التزام بالسعي، وإن كان غير كامل، ولكن دائما بمصداقية. في ذلك يكمن عقد اجتماعي كامل يدعم قدرتنا على الثقة المتبادلة. عندما يقاوم المرء الذكاء الاصطناعي، فإنه يستثمر في الحفاظ على مصداقية العالم الذي نعيشه جميعا. وكما قال جورج برنارد شو: "عقاب الكاذب ليس في عدم تصديقه، بل في عجزه عن تصديق أي أحد".

مقالات مشابهة

  • كاتبة بريطانية تحذر: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يضعف الإبداع والوعي الإنساني
  • طريقنا للابتكار في زمن الذكاء الاصطناعي…
  • الذكاء الاصطناعي يمنع «الانتحار بالقفز»
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد
  • تقرير: ثورة الذكاء الاصطناعي قد ترسم مستقبل أسعار الفائدة
  • منتدى أبوظبي للسلم والأكاديمية البابوية للحياة بالفاتيكان يبحثان تعزيز التعاون في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي
  • فقاعة أم طوق نجاة.. كيف أصبح الذكاء الاصطناعي الحامل الوحيد للاقتصاد الأمريكي؟
  • أمر رئاسي من ترامب لفحص نماذج الذكاء الاصطناعي قبل إطلاقها
  • برلماني: توجيهات الرئيس السيسي لتطوير التعليم العالي تعزز مكانة مصر في المعرفة والابتكار
  • وكيل تعليم الغربية يتابع امتحانات التعليم الفني بغرفة العمليات