خالد بن سالم الغساني

 

بعد سنواتٍ طويلة من الحصار الخانق والعقوبات الاقتصادية المُمنهجة، لم يعُد ممكنًا التعامل مع ما تتعرض له الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفه «خلافًا سياسيًا» أو «ملفًا تقنيًا». ما جرى ويجري هو عملية عدوان مُتكاملة الأركان، تُدار من واشنطن وتُدفَع إلى أقصاها تحت ضغط مباشر من تل أبيب، وبإشراف سياسي وإعلامي لا يخجل من استعادة أدوات الاستعمار القديمة بأقنعة حديثة.

إن إبقاء دولة مستقلة تحت التهديد الدائم، وتجويع شعبها، ومحاولة كسر إرادتها الوطنية، ثم الادعاء بأنَّ المشكلة تكمن في «سلوكها»، هو وقاحة فجّة وقلب صريح للحقائق.

الولايات المتحدة الأمريكية، بغطرسة واضحة وعنجهية رئيسها التاجر، وبدعمٍ وتحريض من حكومة بنيامين نتنياهو، شنت حربًا غير مُعلنة على إيران لسنوات طويلة. استخدمت في هذه الحرب سلاح العقوبات الاقتصادية كوسيلة خنق جماعي، استهدفت العملة، والقطاع المصرفي، والطاقة، والتجارة، بل امتدت آثارها إلى الغذاء والدواء. إنها سياسة إفقار متعمدة، هدفها دفع الداخل إلى الانفجار أو فرض الرضوخ السياسي. وحين فشلت هذه الأدوات في تحقيق أهدافها، انتقلت المنظومة ذاتها إلى مستوى أكثر تصعيدًا، عبر تحريك قوى مناوئة في الداخل، ودعمها ماليًا وسياسيًا وإعلاميًا، وفتح منصات دولية لها، وتحويل أي توتر اجتماعي إلى ورقة ضغط جيوسياسي.

إلى جانب ذلك، جرى الاستثمار في ماكينة بروباجندا إعلامية ضخمة، عابرة للحدود واللغات، تُشيطن الدولة وتختزل مجتمعًا كاملًا في صورة كاريكاتورية، تُقدَّم بوصفه «خطرًا» وتهديدًا للأمن والاستقرار العالمي، ومن ثم توصيفه على أنه «نظام مارق». الهدف من هذه الحملة ليس الإقناع بقدر ما هو تهيئة الرأي العام الدولي نفسيًا لتقبّل أي تصعيد لاحق، بما في ذلك الخيار العسكري. هكذا تحوّل الإعلام إلى طرف فاعل في المعركة، يضخ الرواية ذاتها بلا مساءلة، ويُسكت أو يُهمّش أي صوت يُذكّر بالقانون الدولي أو بحق سيادة الدول.

وسط هذا المسار التصعيدي، يبرز "نتن ياهو" بوصفه محرّكًا وضاغطًا أساسيًا. مجرم مأزوم داخليًا، محاصر سياسيًا وقضائيًا، وجد في إشعال الجبهات الخارجية وسيلة للهروب إلى الأمام. ضغطه المتواصل على واشنطن، تحت ذريعة الدفاع عن «أمن إسرائيل»، ليس سوى محاولة لفرض أجندته الخاصة على المنطقة والعالم، حتى لو كان الثمن حربًا واسعة لا يمكن السيطرة على تداعياتها. فسجله السياسي، القائم على توظيف الحروب والعدوان كوسيلة بقاء، يجعل التصعيد خيارًا مُفضَّلًا. الأخطر أن هذا الضغط يترجم عمليًا إلى سياسات أمريكية متشددة، تُبقي المنطقة في حالة توتر دائم، وتُقرب ساعة الانفجار بدل إبعادها.

إن ما يُدبَّر اليوم، ويُسوَّق على أنه «ردع»، ليس سوى تمهيد ممنهج لصدام مفتوح. فحين تُحاصر دولة اقتصاديًا، وتُحرَّك ضدها أدوات الداخل، وتُغرق في سيلٍ من الدعاية والتشويه، ثم يُقال لها إن «الخيار العسكري ما يزال على الطاولة»، فذلك لا يُمكن عدّه سوى بلطجة دولية مكتملة الأوصاف. الاتهام هنا لا يحتاج إلى تزيين لغوي؛ فمن يدفع المنطقة نحو الحرب هو من يرفض الاعتراف بحق الدول في اتخاذ قراراتها السيادية دون وصاية أو ابتزاز.

وفي خضم هذا المشهد القاتم، تبرز مسقط كاستثناء لافت، لا لأنها «محايدة» بالمعنى السلبي، بل لأنها منحازة للعقل في زمن الجنون. إن استضافة سلطنة عُمان للمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة تمثل جهدًا حقيقيًا أخذته على عاتقها لكسر الحلقة الجهنمية: حصار، ثم ضغط، ثم تهديد. فمسقط بخبرتها المتراكمة وبالثقة التي تحظى بها من مختلف الأطراف، تمتلك القدرة على إعادة العداد إلى نقطة الصفر؛ إلى ما قبل العقوبات، وما قبل لغة الوعيد، وما قبل أن تُختطف السياسة الدولية لصالح أجندات شخصية وعنجهية سياسية.

ولا تكمن أهمية هذا الدور في تفادي حرب محتملة فحسب، بل في فضح الرواية السائدة التي يُراد لها أن تسود، ومفادها أن التصعيد قدر لا مفر منه. مسقط تقول، بالفعل لا بالشعار، إن البديل موجود، وإن الدبلوماسية لم تُستنفد، وإن من يدفع نحو الحرب يفعل ذلك عن قصد لا اضطراراً. فإما أن يُمنح هذا المسار فرصة حقيقية الآن، أو يُترك العالم رهينة لمن حوّل الحصار والعقوبات والبروباجندا إلى أدوات اعتيادية، ثم تظاهر بالدهشة حين اقتربت النار من الجميع.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

استنفار تربوي لضمان نجاح امتحانات الثانوية العامة: معايير صارمة وأجواء ملائمة لطلاب الداخل والخارج ​

 

 ​وضعت اللجنة العليا للاختبارات اللمسات الأخيرة على قطار امتحانات شهادة الثانوية العامة (بقسميها العلمي والأدبي) للعام الدراسي 2025-2026، وذلك خلال اجتماع موسع عُقد برئاسة وزير التربية والتعليم، الدكتور عادل العبادي، للوقوف على مستوى الجاهزية الفنية واللوجستية قبل انطلاق الماراثون الامتحاني في الـ 7 من يونيو الجاري في عموم المحافظات المحررة.

​ركائز الجاهزية والتحضير الفني ​شهد الاجتماع استعراضاً شاملاً لتقارير اللجان الفنية والميدانية لضمان سير العملية الامتحانية بأعلى درجات الكفاءة، وركزت النقاشات على المحاور التالية:

​تأمين الأسئلة: متابعة سير العمل في المطبعة السرية ومستوى تدابير الحماية المتبعة، وضمان آلية تسليم أوراق الامتحانات للمحافظات بأمان تام.

​التجهيز التقني والبشري: تقييم تقارير لجنتي الفحص الفني والحاسوب الآلي، ومراجعة مقترحات ترشيح الكوادر المؤهلة لإدارة لجان الكنترول.

​المدارس الدولية والجاليات:

اعتماد الأطر التنظيمية الخاصة بطلاب المدارس التي تدرس باللغة الإنجليزية، بالإضافة إلى ترتيبات امتحانات أبناء الجاليات اليمنية في الخارج، بما يضمن تطبيق المعايير الوزارية المعتمدة للجميع. ​

توجيهات وزارية: شدد وزير التربية والتعليم على ضرورة خلق بيئة امتحانية هادئة وملائمة تتيح للطلاب والطالبات تقديم أفضل ما لديهم، معتبراً هذه الامتحانات استحقاقاً وطنياً لا يقبل التهاون. ​

إنصاف الطلاب وتكافؤ الفرص

​وفي خطوة تعزز الشفافية والعدالة، ناقشت اللجنة التظلمات المرفوعة إليها؛ حيث أقرت آلية قانونية وفنية محددة بزمن معين للبت في هذه التظلمات ومعالجتها فوراً، بما يضمن الحفاظ على حقوق الطلاب كاملة وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص بين الجميع.

​وفي ختام الاجتماع، وجّه الدكتور العبادي تحية شكر وتقدير للجهود الاستثنائية التي تبذلها الكوادر التعليمية والإدارية، لاسيما قطاع التوجيه والمناهج والإدارة العامة للاختبارات، مؤكداً أن تفانيهم في ظل الظروف الراهنة هو الركيزة الأساسية لإنجاح هذا الموسم الدراسي.

مقالات مشابهة

  • حالة “ترامب” في عالم “الأقطاب”!
  • استنفار تربوي لضمان نجاح امتحانات الثانوية العامة: معايير صارمة وأجواء ملائمة لطلاب الداخل والخارج ​
  • بعد رحيل سهام جلال.. عبير صبري: إلى متى يدفع الفنانون ثمن التهميش؟
  • خمسة قتلى في إندونيسيا بانفجار قنبلة من مخلفات الحرب العالمية الثانية
  • فكوا الحصار..ليفتحوا المضيق
  • قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال يدفع نحو هجوم جديد على غزة
  • بعد اتفاق الضاحية.. لبنان يدفع نحو تثبيت الهدوء على كامل أراضيه
  • العلويون بين الداخل والخارج!!
  • رفضوه عريسًا فوقف على حافة الموت.. إنقاذ شاب حاول القفز من أعلى عقار بمدينة نصر
  • تحالف الجنرالات.. الحرس الثوري يستكمل السيطرة على إيران من الداخل