لجريدة عمان:
2026-07-24@06:54:17 GMT

هل يمكن تفكيك الشذوذ؟

تاريخ النشر: 7th, February 2026 GMT

ما الذي علينا فعله لحماية الأطفال والقصر والأحداث من الاستغلال الجنسي وغيره؟ البيانات التي نشرها الادعاء العام في مؤتمره الأسبوع الماضي ليست فحسب كما وصفها المدعي العام «مقلقة»، بل هي أكثر من ذلك، خاصة إذا استعدنا تصور هذا المجتمع اليوم لنفسه من خلال بعض ممارساته الشائعة مثل ظاهرة المصافحات اللاسلكية الشائعة بين الجنسين، والفصل حسب الجنس؛ فهل تلك الممارسات هي نتاج تقوى زائدة، أم هي مجرد تظاهر بذلك، أم هي الخشية من سهولة الوقوع في المحظور المتضخم بالاستيهامات الخاطئة؟ 

إذا استعدنا النص المرجعي الذي يجري الاستناد إليه؟ وتلك الأرقام التي نشرها الادعاء العام ألا تمثل مجرد قمة جبل الجليد؟ كما أشارت الكاتبة أمل السعيدي في عمودها الأسبوع الماضي؛ ذلك لأن أغلب تلك الحوادث يجري التكتم عليها ولا تصل لأروقة القانون بما يعني أن الرقم الواقعي يمكن أن يبلغ أضعاف الأرقام المنشورة لماذا؟ ألأن للأمر علاقة بالجنس؟ وموضوع الجنس في الشرق وفي العالم العربي والخليج كما نعلم ما يزال من المسكوت عنه الذي لا يقارب؛ حتى لو اتضح أن أغلب زبائن السياحة الجنسية كما يبدو هم من هذا الجزء من العالم وهذه الدول تحديدًا.

 

يمكن أن يكتب الناقد المغربي عبدالكبير الخطيبي نقدًا لكتاب الروض العاطر للنفزاوي، وهو كتاب شعبي من القرن العاشر الميلادي يتناول القصص والحكايات والأساليب الجنسية، لكن بالفرنسية، وعلينا أن ننتظر أن يترجم محمد بنيس مقاله للعربية كي نتمكن من قراءته، وقبله بقرن تنسب كتب ورسائل حتى لجلال الدين السيوطي شيخ الإسلام عدة رسائل وكتب في الموضوع نفسه، يحسبها بعض المراجعين بستة كتب، منها كتاب نواظر الأيك، ورغم أن تاريخ الأدب العربي المليء بالتعرض لهذا الموضوع كتابيًا، أو بالأحرى جمع القصص الحقيقية أو المتخيلة عن موضوع الجنس؛ ذلك لأن موضوعة الجنس وثقافته كانت وما تزال في الشرق ثقافة «سرية» معتمة تجري في الظلام، وذلك ما يعقّد من الموضوع أكثر، والنتيجة هي استيهامات شرقية، واستشراقية كذلك، بعضها مرضي، إن لم يكن معظمها، وسوق جنسي خفي، وريادة في السياحة الجنسية، لدرجة ما يدعوه مصطفى كامل بطل رواية الطيب صالح «الهجرة إلى الشمال» بالانتقام من المستعمر على الفراش، لكن كل ذلك لم يقرأ بما يكفي كما يبدو، ولم تتح لنا فرصة مقاربته، أو طرحه بشكل نقدي جيد. 

إن كتب التراث ملأى بملامح تفضيلات جنسية استقرت في المجتمع الشرقي القديم كقواعد، وكسلوك، وبعضها شاذ بلا مراء، مثل تفضيل الغلمان والولدان والأبكار، وإن كانت وجودها يعبر عن صدق وحرية كتابة كانت منتشرة، ولا يختص بها العالم العربي والإسلامي وحده، ولكنها ثقافية عامة وشائعة حان تصحيحها ثقافيًا، حالها كحال قضية العنصرية والعبودية. والمسألة تتعلق بثقافة أكثر من كونها تتعلق بصرامة قانونية؛ فبينما يكبح القانون ظاهريًا تفشي الجريمة خشية العقاب فإن الواقع كذلك هو أن الثقافة العامة تتساهل في التكتم على الحوادث المختلفة خشية الفضيحة، وأحيانًا تشيع المفاهيم المغلوطة تصورات شاذة خاصة في الجنس؛ بسبب التعتيم على الموضوع، أو التعاطي الخاطئ معه. ومن ذلك ينشأ مناخ اجتماعي عام يساعد المجرم على تكرار جرائمه والإفلات كل مرة من العقاب؛ لأن العلاج الحقيقي ليس في قوة وفعالية إنفاذ القانون، بل في تحرير وتعزيز الثقافة العامة. 

السؤال هو: هل لدينا بوادر ثقافة سرية تشجع مثل هذه الممارسات لاستغلال القصّر؟ وهل الممارسات والأفعال مناقضة للمبادئ المعلنة والشعارات؟ على الأرجح نعم؛ هناك مشكلة اجتماعية يمكننا أن نسميها تخففًا التناقض والازدواجية استسهالًا، وهي أعقد من ذلك؛ لأنها نتيجة تراكمات وأزمات نفسية متراكمة، ليس أقل تمظهراتها سيطرة المجتمع الذكوري، والنظرة الدونية للنساء، واعتبارات الجسد كأداة، وهي أشياء ساعدت الحداثة على ترسيخها عبر تعميم ثقافة الاستغلال والاستهلاك. 

فإذا كان الفرد نفسه يستشعر الاستغلال والاستهلاك من النظام وليس الاحترام فبالنتيجة سيعامل عادة كل ما يقع تحت يده بنفس منطق الاستغلال والاستهلاك والانتهاك بما في ذلك جسده الذاتي، ولعل ذلك في المحصلة هو الذي يجعل الثقافة ككل تنجرف في هذا المنزلق دون أن تستشعر المخاطر والأضرار المترتبة. 

الطفل مهدد باستمرار في البيئات الخطرة؛ لا لشيء إلا لأن الأطفال صغار وضعاف والجناة عادة كبار وأقوياء، ولأن نقص النمو العقلي والإدراكي يجعل من السهل خداع الأطفال، أو تصوير الأمر كلعبة مغرية. وهكذا يتفشى مثل هذا الخلل حتى في الدوائر الاجتماعية المتحفظة ظاهريًا، وكم مرة ظهرت للعلن حوادث استغلال اتهم بها حتى شيوخ ورجال دين، أو معلمون أو موظفون في هيئات تدريسية، أو دكاترة جامعات، أي من يفترض بهم بالعكس نشر الوعي والثقافة الرفيعة، ومن يشكلون واجهة المؤسسات التربوية والدينية، فما بالك بغيرها من البيئات الاجتماعية. 

تعليقًا على الإحصائيات المتعلقة بهذه الجرائم على الأطفال والأحداث والتي تجاوز مجموعها ٣ آلاف قضية تقريبًا بعث لي أحد الأصدقاء رسالة على الواتساب مرفقة بصورة إحصائية مصنّفة بالأرقام للجرائم الواقعة على الأحداث العام الماضي معلقًا بسؤاله «شو ها المجتمع البيدوفيلي؟» مع (ايموجي) غاضب -والبيدوفيليا هي رغبة التحرش الجنسي بالأطفال-، وما كاد الأسبوع ينصرم حتى أفرجت وزارة العدل الأمريكية عن وثائق جديدة مما يعرف بملفات إبستين، وهو المستثمر الأمريكي جيفري إبستين الذي أدين بجرائم استغلال جنسي واغتصابات لقصّر، وبلغ عدد ضحاياه حسب المنشور أكثر من ألف ضحية من الفتيات دون السن القانونية، والذي انتحر شنقًا في بعد شهر من سجنه للمرة الثانية عام ٢٠١٩م في ظروف غامضة. 

العام الماضي عرض الفيلم الوثائقي المفترسون Predators للمخرج الأمريكي ديفيد أوسيت، وحصد متابعات صحفية مشجعة، وفيه يتتبع المخرج برنامجًا من برامج تلفزيون الواقع كان اسمه قبض المفترس Catch a Predator عرض من ٢٠٠٤م إلى ٢٠٠٧م. والفيلم يعيد طرح الأسئلة عن المشروعية الأخلاقية لمثل تلك البرامج التشهيرية ذات النزعة الأخلاقية ظاهريا، أو الطهرانية المتطرفة؛ حيث كان يتم اصطياد وإغواء، وجذب المتحرشين إلى فخ مهيأ، وتصويرهم لفضحهم على الشاشة أمام المشاهدين، وعند خروجهم تقبض عليهم الشرطة، وفي هذه الحالة يتحول الجاني المفترض إلى ضحية أمام رغبات الإذلال والإهانة والتشهير العلني من المفترس هنا ومن الفريسة؟ وهذه هي الأسئلة التي يعيد الفيلم الوثائقي طرحها، وهي أسئلة بحاجة فعلًا للتأمل، فهل القصد هو العلاج، أم التشفي والانتقام والتدمير؟ وفي كثير من تلك الحلقات اعترف الجناة، الافتراضيون؛ إذ إن فعل الجرم نفسه لا يحدث بشذوذهم ورغبتهم في العلاج، وفي أحد الحلقات هرب الجاني حين توجس من الفخ وانتحر بعد أن لاحقه فريق البرنامج إلى منزله ومعهم الشرطة. 

إن القضية نفسها بحاجة إلى ثقافة علاجية اجتماعية عامة، وفي حالات كثيرة يكون هؤلاء الواقعون في هذا الجرم والاستغلال قد جرى استغلالهم وهم أطفال، وفي غالب الحالات يكون هذا الشذوذ تعبيرًا عن عقد نفسية واجتماعية، ومضاعفات سلطة اجتماعية وأبوية متشددة أو متطرفة، ولا نبحث عن تبرير للجرم بقدر ما نحاول الفهم، وعادة ما يكون الأطفال - ذكورًا وإناثًا- ضحية سهلة المنال؛ ففي المحصلة نحن أمام ظاهرة من الواجب علينا فهمها جيدًا لتفكيكها جيدًا سعيًا لانتشار ثقافة جنسية صحية في المجتمع، وتعامل وتصور أفضل وأسمى للجسد والنفس. 

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني 

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

كيف تعلم الروبوت مثل الأطفال؟.. باحثون يكشفون تفاصيل نظام RL-100

يشهد عالم الروبوتات والذكاء الاصطناعي تطورات متسارعة تهدف إلى جعل الآلات أكثر قدرة على أداء المهام اليومية بكفاءة واستقلالية، وذلك في خطوة تقربها من التفاعل مع البيئات الواقعية كما يفعل الإنسان.

وفي أحدث هذه التطورات، نجح باحثون في تطوير نظام تدريبي مبتكر يمكّن الروبوتات من التعلم عبر تقليد البشر أولًا، ثم تحسين أدائها ذاتيًا من خلال التجربة، ما يفتح آفاقًا جديدة لاستخدامها في المنازل والمصانع وقطاعات الخدمات.

تقدم جديد في مجال الروبوتات الذكية

وحقق باحثون تقدمًا جديدًا في مجال الروبوتات الذكية، بعدما نجحوا في تطوير نظام تدريبي يمكّن الروبوت من تعلم المهام عبر تقليد البشر في البداية، ثم تحسين أدائه ذاتيًا من خلال التجربة، ما يعزز قدرته على العمل باستقلالية داخل البيئات الواقعية.

ووفقًا لموقع Interesting Engineering، استطاع الروبوت تنفيذ مجموعة متنوعة من المهام اليومية، من بينها لعب البولينج، وطي المناشف، وفتح الأغطية، وسكب المشروبات، وإعداد عصير البرتقال، وذلك بعد تدريبه باستخدام إطار جديد يحمل اسم RL-100، والذي يجمع بين التعلم بالتقليد والتعلم المعزز.

وأظهرت نتائج الاختبارات أن الروبوت لم يقتصر على تنفيذ المهام التي تدرب عليها فقط، بل تمكن أيضًا من التكيف مع مواقف غير متوقعة والتعامل مع الاضطرابات أثناء العمل، بل وتفوق في بعض الحالات على المشغلين البشريين الذين يتحكمون في الروبوتات عن بُعد.

كما أثبت النظام كفاءته خلال تجربة عملية، إذ نجح الروبوت في تشغيل خدمة إعداد العصائر داخل أحد المراكز التجارية لمدة سبع ساعات متواصلة دون التعرض لأي أعطال.

تطبيق طريقة تعلم الأطفال

طور فريق بحثي بقيادة علماء من جامعة شنغهاي جياو تونغ نظام RL-100 لمعالجة إحدى أبرز العقبات في عالم الروبوتات، والمتمثلة في الانتقال من مجرد تقليد الحركات البشرية إلى اكتساب القدرة على اتخاذ القرارات والعمل بكفاءة داخل بيئات غير منظمة.

واستند الباحثون في تصميم النظام إلى الطريقة التي يتعلم بها الأطفال، إذ يبدأ الطفل بالملاحظة والتقليد، ثم يطور مهاراته تدريجيًا من خلال التجربة والخطأ حتى يصل إلى الاستقلالية في الأداء.

مراحل تطوير النظام الجديد

يعتمد النظام الجديد على ثلاث مراحل رئيسية. ففي المرحلة الأولى، يشاهد الروبوت مهام ينفذها خبراء بشريون عبر التحكم عن بُعد، ليتعلم الربط بين الصور التي تلتقطها الكاميرات والحركات المطلوبة لإنجاز المهمة، ما يمنحه أساسًا أوليًا للسلوك المطلوب.

وفي المرحلة الثانية، يبدأ الروبوت في تطوير أدائه بشكل مستقل، إذ يكرر تنفيذ المهام، ويحتفظ بالتجارب الناجحة ويستفيد منها لتحسين قراراته، وهو ما يقلل تدريجيًا من اعتماده على التدخل البشري.

أما المرحلة الأخيرة، فتتم داخل بيئة العمل الحقيقية، حيث يركز الروبوت على معالجة الأخطاء النادرة وتحسين مستوى الدقة والاعتمادية أثناء تنفيذ المهام.

سرعة استجابة الروبوتات

ولم يقتصر التطوير على تحسين قدرات التعلم، بل شمل أيضًا رفع سرعة استجابة الروبوت. فبدلًا من الاعتماد على نماذج تحتاج إلى عدة خطوات حسابية قبل تنفيذ الحركة، استخدم الباحثون تقنية تقطير نموذج الاتساق، ما خفض زمن الاستجابة من نحو 100 مللي ثانية إلى قرابة 10 مللي ثوانٍ فقط، وهو ما انعكس على سرعة التحكم وسلاسة الحركة.

تطبيق النظام البحثي للروبوتات

اختبر الفريق البحثي النظام في ثماني مهام متنوعة تضمنت التعامل مع أجسام صلبة ومواد مرنة وسوائل، إلى جانب مهام تتطلب درجة عالية من الدقة، مثل لعب البولينج، وطي الملابس، وسكب السوائل، وفتح العبوات، وتجميع بعض المكونات، وعصر البرتقال.

وبعد انتهاء مراحل التدريب، حقق الروبوت معدل نجاح بلغ 100% خلال ألف تجربة تقييم، كما أثبت قدرته على التعامل مع أجسام لم يسبق له رؤيتها والتكيف مع تغيرات البيئة المحيطة دون الحاجة إلى إعادة تدريبه، في خطوة قد تمهد الطريق لجيل جديد من الروبوتات القادرة على التعلم والعمل باستقلالية أكبر.

اقرأ أيضاًهل تنجح OpenAI في تحويل شات جي بي تي إلى منصة إنتاجية متكاملة؟

تسريبات تكشف مفاجآت هاتف آيفون 18 برو ماكس.. بطارية أكبر ومعالج جديد

لو كسلان تقوم من سريرك.. الصين تكشف عن أول «مرحاض ذاتي القيادة»

مقالات مشابهة

  • كيف يحمي الوعي الأثري هوية مصر؟.. تفاصيل
  • كيف تعلم الروبوت مثل الأطفال؟.. باحثون يكشفون تفاصيل نظام RL-100
  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • «الفارس الشهم 3» تُكرِّم 600 طفل من حفظة القرآن الكريم في غزة
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • مصطفى بكري: تجربة عبد الناصر جمعت بين الإنجازات والتحديات ولا يمكن اختزالها في الأخطاء
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • حدث فلكي نادر.. هل يمكن مشاهدة اصطدام صاروخ «فالكون 9» بالقمر من الأرض؟
  • الأمم المتحدة: الشرق الأوسط على شفير وضع لا يمكن تصوره