8 فبراير، 2026
بغداد/المسلة:
رياض الفرطوسي
نحبّ القصص الجاهزة لأنها تريح الأعصاب. قصة تقول لنا من هو الطيب ومن هو الشرير، من معنا ومن ضدنا. المشكلة أن هذه القصص لا تصف الواقع، بل تُخدّره. التاريخ نفسه صار رواية شعبية: يُروى لا ليفهم، بل ليُستخدم.
عندما يختلط التاريخ بالهوية يتحول إلى عبء. الإنسان يُطالَب بأن يكون وفيّاً لماضٍ لم يختره، وأن يدافع عن سردية لم يعشها، وأن يُحاكم الآخرين بأدوات صدئة.
الوصم ليس رأياً، بل سلطة خفية ، تمارسها السياسية احياناً ، ويمارسها المجتمع يومياً ، حين يتحول إلى قاضٍ جماعي، يوزّع الأحكام ويضبط السلوك ويعاقب الخارجين عن السردية السائدة باسم الأخلاق أو العرف أو “الرأي العام”.. هو اختصار حياة كاملة في لقطة واحدة، وتثبيت الإنسان في صورة جامدة كأن الزمن توقّف عنده وحده. لا يُسمح له أن يتغير، ولا أن ينسى، ولا أن يبدأ من جديد. يُستدعى ماضيه كلما حاول التنفّس، كأنه دليل إدانة أبدي.
الإنسان لا يعيش في خط مستقيم. هو يتبدّل حسب اللحظة، والضغط، والخسارة، والصدفة. من يمرّ بتجربة قاسية لا يخرج نظيفاً ولا بريئاً ولا متّسقاً. يخرج متشقّقاً، وهذا طبيعي. غير الطبيعي هو مطالبة البشر بنقاء أسطوري في عالم موحل.
العقل الاختزالي يعشق الثنائيات: معنا أو ضدنا، ملاك أو شيطان. لكنه عقل كسول، يخاف التعقيد، ويهرب من الأسئلة. لذلك يفضّل الصنم على الإنسان الحي، والملف على الكائن المتحوّل. هذا النوع من التفكير لا يبحث عن الحقيقة، بل عن ضحية تُشبع رغبة السيطرة وتمنح شعوراً أخلاقياً زائفاً.
في المجتمعات المهووسة بالإدانة، يصبح الفرح موضع شبهة، ويصير الجمال تهمة. يُنظر إلى الاهتمام بالفن والإبداع والموسيقى والطبيعة والتفاصيل الإنسانية البسيطة كأنه انحراف أخلاقي أو خيانة ضمنية. يُطلب من الإنسان أن يكون دائم التوتر، مشدود الأعصاب، غاضباً بلا توقف، مستعداً للاشتباك في كل لحظة، وكأن قيمته تُقاس بقدر ما يصرخ ويهاجم لا بقدر ما يفهم ويشعر.
يُراد له أن يتحول إلى شعار متحرّك أو أداة صراع دائمة، لا إلى كائن حي يرى، ويحب، ويتأمل، ويفرح، ويتألم، ويبحث عن معنى في أشياء صغيرة تشبه الحياة.
إنه عالم لا يحتاج إنساناً كاملًا، بل وقوداً للصراع؛ لا روحاً، بل موقفاً؛ لا وجداناً، بل صوتاً مرتفعاً يُستخدم ثم يُستبدل.
لكن الإنسان أوسع من كل ذلك. لا يُختصر في موقف، ولا يُلخّص في رأي، ولا يُحبس في زمن واحد. هو قابل للتحوّل، وهذا حقه الطبيعي. المشكلة ليست في تناقض البشر، بل في عقول ترفض الاعتراف بأن الحياة أكثر تعقيداً من شعاراتها.
اختزال الإنسان ليس خَطّاً مَعرِفيّاً فقط، بل عنف رمزي. محاولة لتجميد ما خُلق ليتغيّر. والحرية الحقيقية تبدأ حين نكفّ عن تحويل البشر إلى نسخ، ونعترف بأن كل حياة حكاية مفتوحة… لا ملفاً مغلقًاً.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.
About Post AuthorSee author's posts
المصدر
المصدر: المسلة
إقرأ أيضاً:
بالأرقام.. أكبر 5 حقول «نفط وغاز» في ليبيا
ذكرت منصة “الطاقة” أن خمسة حقول رئيسية للنفط والغاز تمثل الركيزة الأساسية لقطاع الطاقة في ليبيا، وتشكل المحرك الأكبر للاقتصاد الوطني في ظل اعتماد البلاد بشكل شبه كامل على إيرادات المحروقات في تمويل الموازنة العامة وتعزيز الاستقرار المالي.
وأوضحت المنصة أن قطاع النفط والغاز أسهم بأكثر من 90% من إجمالي عائدات الصادرات الليبية خلال عام 2025، مستفيداً من امتلاك ليبيا أكبر احتياطي مؤكد من النفط الخام في أفريقيا، والذي يقدر بنحو 48.4 مليار برميل حتى نهاية العام نفسه.
ورغم الظروف السياسية والأمنية المعقدة التي مرت بها البلاد منذ عام 2011، وما خلفته من تأثيرات على الإنتاج والتصدير، واصلت المؤسسة الوطنية للنفط جهودها للحفاظ على استمرارية العمليات التشغيلية، وتنفيذ برامج تهدف إلى رفع الإنتاج وتحسين كفاءة الحقول النفطية.
وتحتفظ ليبيا بمكانة مهمة في أسواق الطاقة العالمية بفضل جودة خامها النفطي، الذي يصنف ضمن خامات النفط الخفيف الحلو، وهي من الأنواع التي تحظى بطلب مرتفع لدى المصافي العالمية.
ومنذ اكتشاف أول بئر نفطية في البلاد عام 1959، شهدت ليبيا سلسلة من الاكتشافات التي عززت موقعها كإحدى أبرز الدول المنتجة للطاقة في القارة الأفريقية.
ولا تقتصر الثروة الليبية على النفط، إذ تمتلك البلاد احتياطيات مؤكدة من الغاز الطبيعي تقدر بنحو 1.5 تريليون متر مكعب، ما يجعلها في المرتبة الخامسة أفريقياً من حيث حجم الاحتياطيات، وسط أهمية متزايدة للغاز الليبي مع ارتفاع الطلب الأوروبي على مصادر بديلة للإمدادات الروسية.
الشرارة.. عملاق النفط الليبي
يأتي حقل الشرارة في مقدمة أكبر الحقول النفطية في ليبيا، إذ يقع في حوض مرزق جنوب غربي البلاد، وتديره المؤسسة الوطنية للنفط بالشراكة مع عدد من الشركات الأجنبية.
وتبلغ احتياطيات الحقل نحو 3 مليارات برميل من النفط الخام، فيما يصل متوسط إنتاجه إلى نحو 300 ألف برميل يومياً، مع إمكانية رفع الإنتاج إلى 350 ألف برميل يومياً في حال توفر الظروف التشغيلية المثالية.
ويمثل إنتاج الشرارة ما يقارب ثلث الإنتاج النفطي الليبي، فيما تشير التقديرات إلى استمرار دوره الإنتاجي حتى عام 2060 بدعم من برامج التطوير والتحديث.
الفيل.. أحد أهم الأصول النفطية
يعد حقل الفيل من أبرز الحقول النفطية الليبية، حيث ينتج نحو 225 ألف برميل يومياً، رغم التحديات التشغيلية التي واجهها خلال السنوات الماضية.
ويضم الحقل احتياطيات تقدر بنحو 1.2 مليار برميل من النفط الخام، فيما تستمر المؤسسة الوطنية للنفط في تنفيذ برامج تطوير تشمل أعمال الحفر والاستكشاف لزيادة الاحتياطيات وتعزيز القدرة الإنتاجية.
السرير.. ركيزة صادرات النفط
يحافظ حقل السرير الواقع في حوض سرت على مكانته كأحد أكبر الحقول النفطية في ليبيا، بإنتاج يتجاوز 209 آلاف برميل يومياً.
وتستهدف خطط تطوير الحقل رفع الإنتاج إلى نحو 300 ألف برميل يومياً عبر تنفيذ أعمال صيانة وحفر آبار إضافية.
ويعد السرير جزءاً أساسياً من منظومة صادرات النفط الليبي، إذ ينقل إنتاجه عبر خط أنابيب يصل إلى ميناء الحريقة، بينما تمثل احتياطياته جزءاً مهماً من المخزون القابل للاستخراج بالطرق التقليدية.
مسلة.. إنتاج مستمر وتطوير متواصل
يمتد حقل مسلة على مساحة تقارب 52.5 ألف فدان، ويضم 54 بئراً لإنتاج النفط الخفيف.
ويسهم الحقل بنحو 3% من إجمالي الإنتاج النفطي الليبي، بينما تقدر احتياطياته القابلة للاستخراج بأكثر من 3 مليارات برميل، مع توقعات باستمرار الإنتاج حتى عام 2039 بدعم من الاستثمارات الموجهة لتطوير البنية التحتية.
بحر السلام.. قلب الغاز الليبي
يعد حقل بحر السلام أكبر حقول الغاز الطبيعي في ليبيا، وأحد أهم مصادر الإمدادات الموجهة إلى الأسواق الأوروبية.
ويقع الحقل على بعد نحو 110 كيلومترات من الساحل الليبي، وتديره شركة مليتة للنفط والغاز نيابة عن المؤسسة الوطنية للنفط وشركة إيني الإيطالية.
ويبلغ إنتاج الحقل بين 900 مليون ومليار قدم مكعبة من الغاز يومياً، فيما تقدر احتياطياته بنحو 54.7 تريليون قدم مكعبة، بعد بدء الإنتاج التجاري منه عام 2005 ليصبح أحد أهم مصادر الغاز الليبي.
يمثل النفط والغاز العمود الفقري للاقتصاد الليبي، إذ تعتمد الدولة على إيرادات القطاع في تمويل الإنفاق العام، بينما تركز الخطط المستقبلية على زيادة الإنتاج، تطوير البنية التحتية، جذب الاستثمارات، وتعظيم الاستفادة من الاحتياطيات النفطية والغازية للحفاظ على موقع ليبيا في أسواق الطاقة العالمية.