كيجالي المحاصرة غربيا.. هل تقود الضغوط الأمريكية رواندا نحو الاستدارة شرقا؟
تاريخ النشر: 8th, February 2026 GMT
لسنوات طويلة، استندت رواندا في تحركاتها الإقليمية إلى "حصانة معنوية" دولية اكتسبتها من مأساة الإبادة الجماعية عام 1994، مما مكنها من المناورة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية دون دفع أثمان باهظة.
لكن ووفق متابعين يبدو أن هذه "المظلة" قد تآكلت، حيث باتت كيجالي تواجه اليوم واحدة من أعقد فترات اختبار التوازن الاستراتيجي في تاريخها الحديث، نظرا للضغوط الأمريكية والغربية التي وصفت بغير المسبوقة والتي تتجاوز مجرد بيانات القلق إلى التلويح بفرض عقوبات مباشرة.
هذه الضغوط المتزايدة تضع الرئيس الرواندي بول كاجامي الذي كان ينظر إليه على أنه "فتى الغرب المدلل" أمام خيارات دبلوماسية صعبة، ما دفع بعض المتابعين للتساؤل عن ما إذا كانت هذه الضغوط قد تدفع روندا إلى استدارة كاملة نحو المعسكر الصيني والروسي.
تهديد أمريكي وتصعيد فرنسي
تصاعدت حدة التوتر بين كيجالي وواشنطن خلال الأسابيع الأخيرة، على خلفية اتهامات مستمرة لرواندا بدعم حركة "M23" المتمردة.
ورغم "اتفاق واشنطن للسلام" الذي تم برعاية أمريكية قطرية ديسمبر الماضي، إلا أن تقارير "مجموعة الخبراء التابعة للأمم المتحدة" أكدت استمرار "التدخل العسكري الرواندي العابر للحدود".
وفي انعكاس للتصعيد بين رواندا وواشنطن، لوح وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، بفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية قاسية على رواندا، كما أكدت مسؤولة مكتب أفريقيا الوسطى في وزارة الخارجية، سارة تراوتمان أن كل الخيارات على الطاولة بما فيها العقوبات، لإجبار رواندا على تطبيق الاتفاق، وهو ما اعتبرته كيجالي "ابتزازاً سياسياً" يمس بسيادتها.
كما لم تعد باريس تكتفي بعبارات القلق الدبلوماسي التقليدية، بل انتقلت إلى مرحلة "المجابهة العلنية" عبر سلسلة من التصريحات الرسمية ففي مطلع عام 2026، جدد السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة، ،تأكيده على ضرورة أن يقوم مجلس الأمن بـ "تسمية الأشياء بمسمياتها"، في إشارة صريحة إلى تورط رواندا المباشر في دعم حركة "23 مارس".
وقبل ذلك صرح وزير الخارجية الفرنسي أن وجود القوات الرواندية على الأراضي الكونغولية بأنه "انتهاك غير مقبول للسيادة".
"كم هائل من التهديدات"
وفي أحدث تعليق له على تصريحات المسؤولين الأمريكيين، هاجم الرئيس الرواندي بول كاجامي، ما وصفه بتصاعد التهديدات الدولية الموجهة إلى رواندا، قائلاً: "نواجه كم هائلا من التهديدات يوميًا… أحيانًا أشعر بالاختناق، ولكن بدلًا من أن أستسلم، أفضّل أن أتحدّى هذه التهديدات وأقول: اذهبوا إلى الجحيم".
وأضاف في خطاب مطول قبل يومين: "لا يمكنكم خلق مشاكل لي ثم إلقاء اللوم عليّ فيها، ثم البدء بتهديدي، يتحول الحوار إلى تهديدات بدلاً من معالجة أصل المشكلة".
وتطرّق الرئيس الرواندي إلى تصريحات رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي، واصفًا إياها بأنها تشجع على التصعيد بدل البحث عن حلول.
وتابع: "هذا الرجل، تشيسكيدي، يقف هناك يهين الناس ويهددهم، ثم يأتي إليّ المجتمع الدولي ويقول: يجب عليك فعل هذا، ألا تدركون أنكم بذلك تشجعونه على عدم حل مشاكله، حين تعاملون دولة أو رئيسًا كطفل مدلل، لا يُلام مَن يخلق المشكلة ويستمر في إدامتها".
البديل الصيني الروسي
ومع تصاعد حدة السجال بين رواندا والولايات المتحدة الأمريكية، لا يستبعد مراقبون للشأن الأفريقي أن يستدير بول كاجامي، شرقا نحو الصين وروسيا، خصوصا في ظل تعزيز الصين لوجودها في رواندا عبر مشاريع البنية التحتية الضخمة.
فوفق معطيات رسمية سجلت الاستثمارات الصينية في كيجالي نمواً ملحوظاً في قطاعي التكنولوجيا والتعدين، وهي شراكة تفضلها كيجالي لكونها "غير مشروطة" بملفات حقوق الإنسان أو السياسة الخارجية، كما تزايد الاهتمام الروسي برواندا خلال الفترة الأخيرة، إذ تبحث موسكو بشكل دائم عن منافذ لها في أفريقيا ودعمت أنظمة في القارة توترت علاقاتها مع الغرب، كما هو حاصل في دول الساحل الأفريقي.
ورغم أن روسيا والصين قد تشكلان بديلا للاستثمارات والدعم الغربي لرواندا، إلا أن مراقبين يرون أن ما يحدث الآن ليس انقلاباً على الغرب بقدر ما هو "مناورة براغماتية"، فالعلاقة مع واشنطن لا تزال قائمة، خاصة في ملفات التعاون الاستخباري ومكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى اتفاقيات استقبال اللاجئين التي تُعد ورقة ضغط رابحة بيد كيجالي.
ويرجح متابعون أن رسائل روندا في التقارب مع روسيا والصين، مجرد أداة ضغط لإقناع واشنطن بأن التصعيد الزائد قد يؤدي لخسارة حليف استراتيجي في منطقة مضطربة.
وتراهن رواندا على أن حاجة العالم إلى لاستقرار منطقة البحيرات العظمى ستجعل من الصعب استمرار الضغط الغربي، إلا أن الاستدارة شرقاً محفوفة بالمخاطر؛ فاقتصاد رواندا لا يزال مرتبطاً بالنظام المالي الغربي بشكل كبير.
إعلان قطري بإحراز تقدم
في السياق ذاته أعلنت وزارة الخارجية القطرية قبل أيام أن بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في الكونجو سترسل أول فريق لها لمراقبة وقف إطلاق النار بين الحكومة الكونغولية وتحالف و"حركة 23 مارس" المتمردة.
وقالت قطر إن الفريق سيُنشر في أوفيرا، وهي مدينة استراتيجية في شرق الكونجو استولى عليها مقاتلو "حركة 23 مارس" في ديسمبر الماضي خلال هجوم سريع، وعادت القوات الكونغولية والميليشيات المتحالفة معها إلى المدينة الشهر الماضي، واستعادت السيطرة الحكومية بعد أن أعلن المتمردون انسحابهم.
ويشير البيان القطري إلى إحراز تقدم في المحادثات المباشرة التي توسطت فيها الدوحة بين الكونغو ومتمردي حركة 23 مارس، الذين كثفوا من هجماتهم العام الماضي واستولوا على مزيد من الأراضي.
ورحبت بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في جمهورية الكونغو الديمقراطية بالتقدم الذي أعلنته دولة قطر في المحادثات التي تقودها بين حكومة البلاد وتحالف حركة تحالف نهر الكونغو/حركة 23 مارس.
وأشارت إلى أن هذا التقدم يشمل اتفاقا لتفعيل آلية مراقبة وقف إطلاق النار والتحقق منه، والتي تم إنشاؤها بموجب إطار وقف إطلاق النار.
ما هو صراع الكونغو ورواندا؟
يعد الصراع بين الكونغو الديمقراطية ورواندا أطول صراع بمنطقة البحيرات الكبرى بأفريقيا، حيث بدأ التوتر بين البلدين منذ حقبة الاستعمار البلجيكي، لكنه تصاعد بشكل كبير على خلفية اتهام رواندا للكونغو بإيواء جماعات مسلحة معارضة لها.
واستمر هذا التوتر في التفاقم بعد أن اتهمت أيضا الكونغو الديمقراطية، رواندا، بدعم "حركة 23 مارس" (M23) ومحاولة احتلال أراضيها الغنية بالمعادن مثل الذهب وغيره.
وتأسست هذه الحركة (M23) سنة 2012 على يد منشقين عن الجيش الكونغولي، بحجة أن الحكومة المركزية في العاصمة كينشاسا لم تف بالتزاماتها معهم وفقا لاتفاقية سلام أبرمتها معهم عام 2009 وأنهوا بموجبها تمردهم وانضموا إلى القوات المسلحة للبلاد.
وتمكنت الحركة خلال السنوات الأخيرة من السيطرة على العديد من المناطق في الكونغو الديمقراطية، خصوصا في شرق البلاد الذي تنتج مناجمه كميات كبيرة من الذهب، بالإضافة إلى العديد من المعادن الأخرى.
وتقول الحركة، إنها تدافع عن مصالح "التوتسي" خاصة ضد "مليشيات الهوتو العرقية" مثل القوات الديمقراطية لتحرير رواندا التي أسسها "الهوتو" الذين فروا من رواندا بعد مشاركتهم في حملة إبادة جماعية عام 1994 لأكثر من 800 ألف من "التوتسي".
وعلى مدى السنوات الماضية ظلت كينشاسا (عاصمة الكونغو) تؤكد أن رواندا تسعى إلى نهب مواردها الطبيعية، لكن الأخيرة تنفي وتتحدث عن التهديد الذي تشكّله الجماعات المسلحة المعادية لها في شرق جمهورية الكونغو، خصوصا تلك التي أنشأها زعماء من الهوتو، وتعتبرهم مسؤولين عن الإبادة الجماعية للتوتسي في رواندا عام 1994
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية رواندا عقوبات بول كاجامي خيارات عقوبات رواندا خيارات بول كاجامي تهديد امريكي المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الکونغو الدیمقراطیة حرکة 23 مارس فی شرق
إقرأ أيضاً:
توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
أكدت الحقوقية مونا توكا، أن أزمة الكهرباء في ليبيا أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن بشكل يومي، فالكلفة الحقيقية للأزمة تتجاوز ساعات الانقطاع وتمتد إلى كل تفاصيل الحياة الاقتصادية للأسر الليبية.
وترى توكا، في تصريحات صحفية، أن الخسارة تبدأ من داخل المنزل، إذ يؤدي تذبذب التيار والانقطاعات المتكررة للكهرباء إلى تلف الأجهزة الكهربائية فتتحول الثلاجة أو المكيف أو الغسالة إلى نفقات طارئة تستنزف موازنة الأسرة الليبية، ومع ارتفاع أسعار الأجهزة وقطع الغيار يصبح إصلاح الأعطال أو استبدال الأجهزة عبئاً مالياً متكرراً يقتطع جزءاً من الدخل المخصص للحاجات الأساسية، وفق قولها.
وأضافت أن آثار الأزمة تنتقل إلى الأسواق عبر ارتفاع كلفة النشاط التجاري فالتاجر يتحمل خسائر في المواد الغذائية التي تحتاج إلى التبريد، إضافة إلى تكلفة الوقود وتشغيل المولدات، ما يعكس هذه النفقات الإضافية على ارتفاع أسعار السلع التي يتحملها المواطن الليبي سواء في الغذاء أو الدواء وغيرها من الحاجات اليومية، على رغم أن دخله لم يشهد زيادة تقابل هذا الارتفاع، إذ يراوح متوسط المرتبات الشهرية ما بين 160 و275 دولاراً.
وتابعت أن الأزمة تفرض أيضاً نمطاً جديداً من الإنفاق على الأسر يشمل شراء المولدات الكهربائية والوقود والزيوت اللازمة لتشغيلها ووسائل حماية الأجهزة من تذبذب التيار إضافة إلى كلفة الصيانة المستمرة، بجانب مصاريف تصفها الحقوقية الليبية بالبند الثابت في موازنة الأسرة على حساب الإنفاق على التعليم أو الصحة أو تحسين مستوى المعيشة.
وقالت توكا، إن هذه الحلقة تقود إلى تراجع القوة الشرائية للمواطن لأن الدخل يتآكل بالتدرج تحت تأثير نفقات متزايدة لا ترتبط بتحسين جودة الحياة وإنما بالحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار داخل المنزل.
وواصلت حديثها: “إذا ما تكلمنا عن حق المواطن في الكهرباء الذي يرتبط بشكل وثيق بالحق في مستوى معيشي لائق، فعندما تؤدي أزمة الكهرباء إلى استنزاف دخل الأسر وارتفاع أسعار السلع وإتلاف الممتلكات فإن آثارها تمتد إلى الأمن الاقتصادي للأسر الليبية وتؤثر في قدرتها على توفير حاجتها الأساسية والعيش بكرامة، لأن الكهرباء ليست رفاهية إنما حق أساس للمواطن في دولة النفط والغاز”.