في أروقة المستشفيات المزدحمة في قطاع غزة، لا تقتصر مواجهة آثار الحرب على الأطباء والممرضين فقط، بل تمتد إلى عاملات النظافة اللواتي وجدن أنفسهن في الخطوط الأمامية للأزمة الصحية والإنسانية، يعملن في ظروف قاسية وبإمكانات شبه معدومة، بينما يحملن في الوقت ذاته أعباء النزوح والفقدان وانقطاع الدخل.

وقالت غادة زعرب، وهي عاملة نظافة في مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، إن الحرب غيّرت طبيعة عملهن بالكامل، إذ لم يعد دورهن يقتصر على التنظيف فقط، بل امتد ليشمل مهام متعددة داخل المستشفى في ظل حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة منذ أكثر من عامين على القطاع.

وأوضحت غادة للجزيرة مباشر "كنا نشتغل مراسلين وعمال أمن، ونتعامل مع الشهداء… الضغط كان نفسيا وعمليا غير مسبوق".

ضغوط متزامنة

وأضافت أن معاناة العمل ترافقت مع النزوح والظروف المعيشية القاسية، ما وضع العاملات أمام ضغوط متزامنة داخل المستشفى وخارجه، قائلة إنهن كنّ يعملن لساعات طويلة لا يرين خلالها أبناءهن إلا للحظات، بينما كانت سيارات الإسعاف تعيد استدعاءهن إلى العمل حتى في ساعات الليل.

واستذكرت زعرب إحدى أصعب اللحظات التي مرت بها خلال الحرب، حين وجدت نفسها تكفّن الشهداء، قبل أن تُفاجأ بوصول ابنها شهيدا إلى المستشفى نفسه. وقالت: "في لحظة من اللحظات كنت أكفّن الشهداء، وبعدها جابوا ابني شهيدا".

ورغم ذلك أكدت اعتزازها بعملها، مضيفة "أنا بفتخر إني عاملة نظافة.. إحنا صُنّاع الجمال".

وأشارت إلى أن العاملات واصلن العمل رغم تأخر الرواتب لشهور طويلة، وأن الدافع الأساسي كان إنسانيا قبل أن يكون وظيفيا، موضحة أن البحث عن الطعام أصبح جزءا من يومها بعد انتهاء العمل، حيث كانت تتوجه صباحا إلى نقاط المساعدات للحصول على الدقيق أو الطعام لعائلتها.

"اشتغلنا شغل الرجال"

أما يسرا أبو شاب، وهي عاملة نظافة تعمل في مجمع ناصر منذ عام 2014، فقالت إن الحرب دفعتها وزميلاتها إلى أداء أدوار تجاوز عملهن المعتاد، إذ شاركن في مساعدة الطواقم الطبية والتعامل مع الجرحى والشهداء في ظل نقص الكوادر، "اشتغلنا مع الدكاترة والتمريض.. اشتغلنا شغل الرجال".

إعلان

وأردفت أن ضغط العمل كان متواصلا على مدار الساعة، حتى أصبح النوم أو الطعام أمرا ثانويا، قائلة إن مشاهد الدماء والإصابات أصبحت جزءا يوميا من حياتهن داخل المستشفى، وتابعت "من كتر ما شفنا الدم صار كأنه شيء عادي".

وروت تجربة شخصية قاسية بعد استشهاد ابنها خلال الحرب، فقالت إن ذلك كان من أصعب ما مرت به، وخصوصا عندما لم تتمكن من مساعدته رغم عملها في المستشفى. وإن هذا الشعور ظل يرافقها أثناء استمرارها في العمل مع المصابين.

كما أشارت إلى أن نقص المعدات أجبر العاملات على استخدام أدوات بسيطة أو جلب معدات تنظيف من منازلهن، وفي أحيان أخرى استخدام قطع قماش أو ملابس لتنظيف الدماء أو مساعدة المصابين، في ظل شحّ الإمكانات داخل المستشفى.

"بضحك بوجه الناس وببكي معهم"

من جهتها، قالت نجاة مصلح، عاملة النظافة في قسم القلب بمجمع ناصر الطبي، إن العمل خلال الحرب أصبح وسيلة للتماسك النفسي رغم قسوة المشاهد اليومية، مؤكدة أن ما شاهدته العاملات من إصابات وأشلاء ترك أثرا نفسيا عميقا عليهن، "هذا الدور بيعطيكي الشجاعة والقوة في الوقت اللي مرينا فيه".

وأوضحت نجاة أن نقص مواد التنظيف بسبب إغلاق المعابر أجبر الطواقم على تقاسم المطهرات المحدودة، حيث كانت تُستخدم أحيانا لعلاج الجرحى بدل تنظيف الأقسام، ما زاد من صعوبة العمل وخطر العدوى داخل المستشفى.

ورغم كل ذلك، أكدت نجاة أن العمل داخل المستشفى كان بمثابة متنفس لها، قائلة "الواحد لما ييجي على الشغل يفرغ الطاقة السلبية.. بضحك بوجه الناس وببكي معهم".

وسط هذه الظروف، تستمر عاملات النظافة في مستشفيات غزة بالعمل يوميا للحفاظ على الحد الأدنى من بيئة صحية داخل المرافق الطبية، في دور غير مرئي غالبا، لكنه أساسي لاستمرار عمل المستشفيات خلال الحرب.

وأسفرت حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 عن استشهاد أكثر من 72 ألف شخص، وإصابة ما يزيد على 171 ألفا آخرين. ومنذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025 قتل الاحتلال أكثر من 570 شخصا، وأصاب ما يزيد على 1500 آخرين.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات داخل المستشفى خلال الحرب

إقرأ أيضاً:

"لم أكتب كوداً يوماً".. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مسار المستشارة القانونية لـ "OpenAI"؟

لم تمتلك المستشارة القانونية لـ "أوبن إيه آي" نيكول دياز، أي خبرة في البرمجة عندما انضمت إلى الفريق القانوني للشركة، لكن خلال عام واحد فقط، تحوّلت إلى مستخدمة متقدمة لأدوات الذكاء الاصطناعي، بل ومطوّرة لحلول تساعدها في أداء مهامها اليومية بكفاءة غير مسبوقة.

بدأ هذا التحول مع استخدامها أداة "شات جي بي تي" لتبسيط واحدة من أكثر المهام تعقيداً في عملها، وهي إعادة صياغة السياسات القانونية. 

تحويل النصوص إلى إرشادات واضحة

وبدلًا من التعامل مع نصوص طويلة مليئة بالمصطلحات المعقدة القادمة من مكاتب المحاماة، طورت دياز أداة مخصصة داخل "شات جي بي تي" تقوم بتحويل هذه النصوص إلى إرشادات واضحة ومباشرة تناسب بيئة العمل داخل الشركة، ما وفر عليها وقتاً وجهداً كبيرين.

دانييلا أمودي.. كيف حوّلت الشغف بالأدب الإنجليزي إلى ثروة بقيمة 7 مليارات دولار في قطاع الذكاء الاصطناعي؟ - موقع 24تصدّر اسم دانييلا أمودي، المؤسسة المشاركة ورئيسة شركة الذكاء الاصطناعي "أنثروبيك"، قائمة أبرز قصص النجاح في عالم التكنولوجيا، بعدما كشفت بيانات "فوربس" مؤخراً، عن وصول صافي ثروتها نحو 7 مليارات دولار.

ومع مرور الوقت، توسع استخدام الذكاء الاصطناعي ليشمل إدارة البريد الإلكتروني، حيث اعتمدت على "Codex" لإنشاء نظام ذكي يقوم بفرز الرسائل الواردة، وتصنيفها حسب درجة الخطورة، واقتراح ردود مناسبة بناءً على سياسات محددة مسبقاً. 

توفير رؤى تحليلية أوسع 

النظام السابق لا يكتفي بتوفير الوقت، بل يمنحها أيضاً رؤية تحليلية من خلال تتبع نوعية الاستفسارات وسرعة التعامل معها. ورغم هذا الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، تؤكد دياز أن الذكاء الاصطناعي لا يحل محل الخبرة القانونية، بل يدعمها، فهو يتولى المهام المتكررة، بينما يظل اتخاذ القرار النهائي قائماً على التقدير البشري والخبرة المهنية.

الذكاء الاصطناعي والاحتكار.. ملفات ثقيلة تنتظر قائد آبل الجديد جون تيرنوس - موقع 24في تحول تاريخي داخل واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، أعلنت شركة آبل تعيين جون تيرنوس، رئيس قسم الأجهزة الحالي، منصب الرئيس التنفيذي اعتباراً من 1 سبتمبر (أيلول) المقبل، خلفاً لتيم كوك الذي سيشغل منصب رئيس تنفيذي لمجلس الإدارة.

وتعكس تجربة دياز توجهاً أوسع داخل "أوبن إيه أي"، يقوم على تمكين الموظفين من بناء أدواتهم الخاصة دون الحاجة إلى خلفية تقنية عميقة، ففي بيئة العمل هناك، يتم تبادل الخبرات بشكل مستمر بين الزملاء، ما يخلق ثقافة تعلم جماعي تسهم في تسريع تبني هذه التقنيات.

تقدم التجربة نموذجاً جديداً لمستقبل العمل القانوني، حيث لا يقتصر دور المحامي على فهم القوانين فقط، بل يمتد ليشمل القدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بفعالية، ما يعيد تشكيل طبيعة المهنة في العصر الرقمي.

مقالات مشابهة

  • "لم أكتب كوداً يوماً".. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مسار المستشارة القانونية لـ "OpenAI"؟
  • ارتفاع عدد المصابين بتسمم غذائي داخل مزرعة عنب في مطاي بالمنيا
  • وزير العمل اللبناني يؤكد أهمية استعادة بلاده كامل حقوقها داخل منظمة العمل الدولية
  • أسماء 20 عاملًا زراعيًا أصيبوا باشتباه تسمم غذائي بعد تناول العنب في المنيا
  • تدشين المخيم الطبي الخيري المجاني للمستشفى الاستشاري اليمني بصنعاء
  • 4504 فرصة عمل داخل 77 شركة بالقطاع الخاص.. تفاصيل
  • استنفار داخل مستشفى اليوم الواحد بسوهاج بسبب حريق في غرفة الأطباء
  • قبل امتداد الخطر.. السيطرة على حريق محدود بمستشفى اليوم الواحد في سوهاج
  • نتنياهو: نظام إيران سيسقط في النهاية
  • 15 حالة إزالة وتحرير 30 مخالفة تموينية خلال حملة مكبرة في بني سويف