أكثر من ألف تحدثوا.. فماذا عن الصامتين !
تاريخ النشر: 8th, February 2026 GMT
ثبّتَ البنت في مكانٍ منزوٍ في المحل رافعا ذراعيها إلى الجدار، فانتفضتْ في زيها المدرسي، عندما ساقتها قدماها إلى دكان مجاور للبيت في تلك الظهيرة لشراء بعض الحلوى، فاقتنصها الذئب ومضى كأنّ شيئا لم يحدث!
استعدتُ القصّة التي سمعتها منذ سنوات بعيدة، عندما كان مجرد التفوه بالأمر يعني فضيحة للعائلة لا للذئب، وذلك عندما قرأتُ عن عدد الضحايا من الأطفال الذين تعرضوا للتحرش: ١٢٤٦ طفلا، وعدد الذين تعرضوا للاغتصاب ١٠٦، خلال عام واحد فقط!
وبقدر ما يُزيحُ الرقم الصادم الستار عن الذئاب المُختبئة بيننا، فهو يشي أيضا بأنّ وعي التبليغ في ازدياد مقارنة بلجم الأفواه وضعف الإجراءات الرسمية سابقا.
نحن لا نقرعُ أجراسا وهمية، فمهما بلغ تآزر المجتمع المُحافظ وتلاحمه، فذلك لا يعني انتفاء الأشرار. بل قد يتجلى أحدهم في العدسة الأقرب إلينا في صورة: الأب، الأخ، العم، الخال، مما يجعل التبليغ مُعقدا بصورة غير مُحتملة، إذ يتحول «الحامي» إلى «جلاد» قذر!
هذه الأرقام تقودنا لضرورة ألا نسلم أبناءنا للحياة باطمئنان زائف، وإنّما بشيء من الحذر الواعي. فلا نمنح الثقة العمياء ولا حتى لأقربائنا الحميمين.
تابعتُ حوارا مُهما أجراه الإعلامي سالم العمري في برنامجه «منتدى الوصال» مع الدكتورة منى الشكيلية استشاري أول طب نفسي، قالت فيه: «قبل أن يكون هنالك قانون للطفل، كان الواحد منا يفكر ألف مرّة: ماذا ينبغي أن يفعل فيما لو ابتلي بشرٍ كهذا. لكن مع ظهور قانون الطفل في 2014، ومع ظهور خط الحماية الساخن 1100، باتت شبكة الأمان في الشكوى وفي الإفصاح محمية».
ونبهت الشكيلية إلى دراسة مهمة تشير إلى أن أول عشر ثوان من ردة فعل الأهل هي اللحظة الفارقة، ولذا ينبغي إدراك ثلاثة أشياء أساسية: الاستماع إلى الطفل واحتوائه ودعمه، إظهار التصديق ليشعر بالأمان، وتقديم الدعم. لفتتني نقطة التصديق كثيرا، لأنّ الكثير من الأهالي يظنون أنّ خيال الطفل يُصور له أشياء غير واقعية. البعض أيضا لا يؤمن بضرورة التبليغ ما لم يقع الفعل البغيض أصلا، أمّا التحرش الجسدي أو اللفظي الآخر فيغض الطرف عنه مما يدفع المُعتدي لمزيد من التمادي، كما يزيد من تكتم الطفل عن سرد ما يعترضه مستقبلا.
بعض الأطفال يميلون إلى الصمت وعلى الوالدين اليقظين للمتغيرات الجسدية والذهنية أن يدركا ما يعبر الطفل من آلام. والأهم من كل شيء -بحسب الشكيلية- ألا يتلقى الطفل اللوم، لأنّ هذا الشعور هو أحد أسباب تعطل الإفصاح لديه. «الفحص الشرعي في مراحل مبكرة يُحدثُ فرقا هائلا مقارنة بالتبليغ المتأخر، ومن المهم أن يحتفظ الأهل بالملابس والأدلة الأخرى. أحيانًا يعتقد الناس أن الاعتداء الجنسي له آثار نفسية فقط، لكن الدراسات أثبتت أن له آثارا جسدية واجتماعية طويلة المدى. بعض الأطفال قد يدخلون في اضطراب بعد الصدمة، قلق واكتئاب وأفكار انتحارية، وأحيانًا أخرى تستحوذ عليهم أفكار انتقامية، وتساؤلات مُرهقة عن هويتهم الجنسية!»
وقد أوضحت الشكيلية أمرا في غاية الأهمية، إذ يخشى البعض من إضافة صدمة أخرى للطفل من المجتمع أو من مقابلة الشرطة، الفحص الشرعي والمحكمة. وهذه مخاوف طبيعية، ولكن لها بروتوكولات محددة ويتصدى لها أشخاص مختصون مدربون على المقابلات الجنائية للأطفال. ورغم صعوبة التجربة إلا أنّها ستوفر معادلا نفسيا للطفل باستعادة حقه وبأنّ الوحش السائب تلقى جزاءه.
ليس بالضرورة أن يقع الاعتداء خارج البيت، فغُرف الدردشة والألعاب توفر اليوم بيئة خصبة لهؤلاء المُتصيدين وحقلا شاسعا لاستدراج واستمالة الأطفال. يخلقُ المعتدي الإيهام بصبر وأناة وهو ينسج خيوطه غير المرئية حول الضحية. يبدأ بالإيحاءات وإرسال الصور والفيديوهات أو المحادثات الجنسية، وقد يختار طفلا وحيدا وبلا أصدقاء، هشا ومهملا، فيدرسُ احتياجاته: اللعب، الأموال، الصحبة، فتُلبى الاحتياجات لتكوين الثقة إلى أن تُحكم السيطرة، فتبدأ مسرحية التلاعب إمّا بالتهديد أو بالترغيب، ورغم براءة الطفل، يشعرُ بتورطه وأنّ له يدا فيما حدث له.
والحقيقة أننا بقدر صدمتنا بالرقم الكبير المنشور لعدد الضحايا، علينا أن نفكر أكثر بعدد الصامتين المُرتجفين في الظلمات، المُهددين بالتقويض والانطفاء!
هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
كشف ملابسات العثور على رضيع حديث الولادة وسط القمامة بالشرقية
نجحت الأجهزة الأمنية بمحافظة الشرقية، في كشف ملابسات واقعة العثور على طفل رضيع حديث الولادة داخل القمامة بدائرة مركز شرطة أولاد صقر، حيث أسفرت التحريات عن تحديد وضبط المتهمين، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالهم.
وكانت الأجهزة الأمنية بالشرقية قد تلقت بلاغًا يفيد العثور على طفل رضيع ملقى وسط القمامة بمدينة أولاد صقر، وعلى الفور انتقلت قوات الأمن والجهات المختصة إلى موقع البلاغ لإجراء الفحص والمعاينة اللازمة، والوقوف على ملابسات الواقعة.
وتبين من المعاينة الأولية أن الطفل حديث الولادة، وتم نقله إلى المستشفى لتلقي الرعاية الطبية اللازمة والاطمئنان على حالته الصحية، فيما بدأت الأجهزة الأمنية في جمع المعلومات وسؤال شهود العيان وفحص محيط مكان العثور على الطفل.
وعلى الفور جرى تشكيل فريق بحث جنائي من ضباط المباحث بمديرية أمن الشرقية، بالتنسيق مع قطاع الأمن العام، لكشف ملابسات الواقعة وتحديد هوية مرتكبيها، حيث قام فريق البحث بفحص كاميرات المراقبة بمحيط مكان العثور على الطفل، وتتبع خط سير المشتبه بهم، إلى جانب مراجعة عدد من التحريات والمعلومات التي ساعدت في تحديد هوية المتورطين.
وأسفرت التحريات عن تحديد هوية سيدتين يشتبه في تورطهما بالواقعة، بعدما تبين من الفحص ومراجعة كاميرات المراقبة أن إحداهما كانت ترتدي نقابًا وبرفقتها أخرى، وقامتا بترك الطفل بمكان العثور عليه ثم غادرتا الموقع.
وبعد تقنين الإجراءات واستصدار إذن النيابة العامة، تمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط السيدتين، وتبين أن إحداهما تبلغ من العمر 28 عامًا ربة منزل، والأخرى والدتها وتبلغ من العمر 52 عامًا ربة منزل، وتقيمان بمحافظة الدقهلية.
وكشفت التحريات أن السيدة الأولى أنجبت الطفل من علاقة غير شرعية مع شخص يبلغ من العمر 70 عامًا، يعمل موظفًا بالمعاش، وذلك خلال فترة حبس زوجها على ذمة إحدى قضايا المخدرات، مقابل قيام المتهم الثالث بالإنفاق عليها ماديًا.
وأضافت التحريات أن المتهمين الثلاثة اتفقوا عقب ولادة الطفل مباشرة على التخلص منه خشية افتضاح الواقعة، حيث تم لاحقًا ضبط المتهم الثالث، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال المتهمين الثلاثة، وإحالتهم إلى النيابة العامة لمباشرة التحقيقات.
وتم تحرير محضر بالواقعة حمل رقم 1561 لسنة 2026 إداري مركز شرطة أولاد صقر، فيما باشرت النيابة العامة التحقيقات، وقررت نقل الطفل إلى حضانة الأطفال بمستشفى أولاد صقر المركزي لتقديم الرعاية الطبية اللازمة له، والاطمئنان على حالته الصحية.
كما قررت النيابة العامة حبس المتهمين أربعة أيام على ذمة التحقيقات، لحين استكمال التحريات وبيان ملابسات الواقعة بالكامل، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.