لجريدة عمان:
2026-07-24@00:02:30 GMT

أكثر من ألف تحدثوا.. فماذا عن الصامتين !

تاريخ النشر: 8th, February 2026 GMT

ثبّتَ البنت في مكانٍ منزوٍ في المحل رافعا ذراعيها إلى الجدار، فانتفضتْ في زيها المدرسي، عندما ساقتها قدماها إلى دكان مجاور للبيت في تلك الظهيرة لشراء بعض الحلوى، فاقتنصها الذئب ومضى كأنّ شيئا لم يحدث! 

استعدتُ القصّة التي سمعتها منذ سنوات بعيدة، عندما كان مجرد التفوه بالأمر يعني فضيحة للعائلة لا للذئب، وذلك عندما قرأتُ عن عدد الضحايا من الأطفال الذين تعرضوا للتحرش: ١٢٤٦ طفلا، وعدد الذين تعرضوا للاغتصاب ١٠٦، خلال عام واحد فقط! 

وبقدر ما يُزيحُ الرقم الصادم الستار عن الذئاب المُختبئة بيننا، فهو يشي أيضا بأنّ وعي التبليغ في ازدياد مقارنة بلجم الأفواه وضعف الإجراءات الرسمية سابقا.

فليس بالضرورة أن يُفصح الرقم عن ازدياد في الحالات، لا سيما وأنّ الماضي تمّ طيه في الطبقات الأكثر ظلمة في النفس البشرية. 

نحن لا نقرعُ أجراسا وهمية، فمهما بلغ تآزر المجتمع المُحافظ وتلاحمه، فذلك لا يعني انتفاء الأشرار. بل قد يتجلى أحدهم في العدسة الأقرب إلينا في صورة: الأب، الأخ، العم، الخال، مما يجعل التبليغ مُعقدا بصورة غير مُحتملة، إذ يتحول «الحامي» إلى «جلاد» قذر! 

هذه الأرقام تقودنا لضرورة ألا نسلم أبناءنا للحياة باطمئنان زائف، وإنّما بشيء من الحذر الواعي. فلا نمنح الثقة العمياء ولا حتى لأقربائنا الحميمين. 

تابعتُ حوارا مُهما أجراه الإعلامي سالم العمري في برنامجه «منتدى الوصال» مع الدكتورة منى الشكيلية استشاري أول طب نفسي، قالت فيه: «قبل أن يكون هنالك قانون للطفل، كان الواحد منا يفكر ألف مرّة: ماذا ينبغي أن يفعل فيما لو ابتلي بشرٍ كهذا. لكن مع ظهور قانون الطفل في 2014، ومع ظهور خط الحماية الساخن 1100، باتت شبكة الأمان في الشكوى وفي الإفصاح محمية». 

ونبهت الشكيلية إلى دراسة مهمة تشير إلى أن أول عشر ثوان من ردة فعل الأهل هي اللحظة الفارقة، ولذا ينبغي إدراك ثلاثة أشياء أساسية: الاستماع إلى الطفل واحتوائه ودعمه، إظهار التصديق ليشعر بالأمان، وتقديم الدعم. لفتتني نقطة التصديق كثيرا، لأنّ الكثير من الأهالي يظنون أنّ خيال الطفل يُصور له أشياء غير واقعية. البعض أيضا لا يؤمن بضرورة التبليغ ما لم يقع الفعل البغيض أصلا، أمّا التحرش الجسدي أو اللفظي الآخر فيغض الطرف عنه مما يدفع المُعتدي لمزيد من التمادي، كما يزيد من تكتم الطفل عن سرد ما يعترضه مستقبلا. 

بعض الأطفال يميلون إلى الصمت وعلى الوالدين اليقظين للمتغيرات الجسدية والذهنية أن يدركا ما يعبر الطفل من آلام. والأهم من كل شيء -بحسب الشكيلية- ألا يتلقى الطفل اللوم، لأنّ هذا الشعور هو أحد أسباب تعطل الإفصاح لديه. «الفحص الشرعي في مراحل مبكرة يُحدثُ فرقا هائلا مقارنة بالتبليغ المتأخر، ومن المهم أن يحتفظ الأهل بالملابس والأدلة الأخرى. أحيانًا يعتقد الناس أن الاعتداء الجنسي له آثار نفسية فقط، لكن الدراسات أثبتت أن له آثارا جسدية واجتماعية طويلة المدى. بعض الأطفال قد يدخلون في اضطراب بعد الصدمة، قلق واكتئاب وأفكار انتحارية، وأحيانًا أخرى تستحوذ عليهم أفكار انتقامية، وتساؤلات مُرهقة عن هويتهم الجنسية!» 

وقد أوضحت الشكيلية أمرا في غاية الأهمية، إذ يخشى البعض من إضافة صدمة أخرى للطفل من المجتمع أو من مقابلة الشرطة، الفحص الشرعي والمحكمة. وهذه مخاوف طبيعية، ولكن لها بروتوكولات محددة ويتصدى لها أشخاص مختصون مدربون على المقابلات الجنائية للأطفال. ورغم صعوبة التجربة إلا أنّها ستوفر معادلا نفسيا للطفل باستعادة حقه وبأنّ الوحش السائب تلقى جزاءه. 

ليس بالضرورة أن يقع الاعتداء خارج البيت، فغُرف الدردشة والألعاب توفر اليوم بيئة خصبة لهؤلاء المُتصيدين وحقلا شاسعا لاستدراج واستمالة الأطفال. يخلقُ المعتدي الإيهام بصبر وأناة وهو ينسج خيوطه غير المرئية حول الضحية. يبدأ بالإيحاءات وإرسال الصور والفيديوهات أو المحادثات الجنسية، وقد يختار طفلا وحيدا وبلا أصدقاء، هشا ومهملا، فيدرسُ احتياجاته: اللعب، الأموال، الصحبة، فتُلبى الاحتياجات لتكوين الثقة إلى أن تُحكم السيطرة، فتبدأ مسرحية التلاعب إمّا بالتهديد أو بالترغيب، ورغم براءة الطفل، يشعرُ بتورطه وأنّ له يدا فيما حدث له. 

والحقيقة أننا بقدر صدمتنا بالرقم الكبير المنشور لعدد الضحايا، علينا أن نفكر أكثر بعدد الصامتين المُرتجفين في الظلمات، المُهددين بالتقويض والانطفاء! 

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى» 

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

«الفارس الشهم 3» تُكرِّم 600 طفل من حفظة القرآن الكريم في غزة

غزة (وام)

أخبار ذات صلة الإمارات: لا سيادة لإسرائيل على القدس المحتلة أو أماكنها المقدسة 3.12 مليار دولار مساعدات الإمارات إلى غزة منذ عام 2023

نظّمت عملية «الفارس الشهم 3» حفلاً تكريمياً لـ 600 طفل من حفظة القرآن الكريم في قطاع غزة، احتفاءً بجهودهم في حفظ كتاب الله، وتشجيعاً لهم على مواصلة مسيرتهم العلمية والدينية، وذلك ضمن برامجها الإنسانية والمجتمعية الهادفة إلى دعم الأطفال، وتعزيز القيم الإيجابية، في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع.
شارك في الحفل آلاف الأهالي وعدد من المؤسسات القرآنية والمجتمعية، من بينها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، وجمعية اقرأ، ودار القرآن الكريم، ودار الإتقان، وجمعية الشابات المسلمات، وأكاديمية الصفا، وجمعية الصحابة.
تضمّن الحفل عدداً من الفقرات شملت تلاواتٍ عطرة من القرآن الكريم، وفقراتٍ من المديح النبوي، إلى جانب تكريم الأطفال المتميزين وحفظة القرآن الكريم، وسط أجواءٍ سادتها مشاعر الفرح والاعتزاز، بما حققه الأطفال من إنجازٍ يعكس إرادتهم وتمسكهم بقيمهم.
واختُتم الحفل بتقديم هدايا ومنحٍ مالية للأطفال المكرّمين، مقدمة من دولة الإمارات العربية المتحدة؛ بهدف إدخال الفرحة إلى قلوبهم، وتحفيزهم على مواصلة مسيرتهم في حفظ كتاب الله، ضمن جهود عملية «الفارس الشهم 3» لدعم المبادرات التي تعزز الأمل، وترعى الأجيال الناشئة في قطاع غزة.

مقالات مشابهة

  • البابا تواضروس يرسم ملامح جيل المستقبل: العلم والانتماء والمعلم أساس بناء شخصية الطفل المصري
  • «الفارس الشهم 3» تُكرِّم 600 طفل من حفظة القرآن الكريم في غزة
  • القومي لثقافة الطفل : ارسم حلمك مبادرة تستهدف دراسة رسومات الأطفال للوصول إلى أفكار ورؤى للمستقبل
  • فقدان الصحة..نهاية كل شيء!
  • القاهرة الدولي للطفل العربي يعلن المحور الفكري للدورة الرابعة ويفتح باب التقديم للأبحاث
  • مهرجان الطفل العربي يعلن المحور الفكري للدورة الرابعة ويفتح باب التقديم للأبحاث
  • أميمة بنت علي الراشدية
  • عندما يملّ الكاتب من حمل كتابه
  • حظر وسائط التواصل الاجتماعي على أساس السن لن يجعل الأطفال أكثر أمانا، لكن هذا الحل يفي بالغرض
  • عندما يصبح السلام محل انقسام.. لماذا أثار بيان لا نريد الحرب جدلا في طهران؟