بلومبيرغ: رؤوس الأموال العالمية تبتعد عن أمريكا
تاريخ النشر: 9th, February 2026 GMT
لم يعد الاعتماد الكثيف على الولايات المتحدة من المسلمات في أسواق المال العالمية، بل صار عبئا متزايد المخاطر، مع تسارع مؤشرات فك الارتباط التدريجي لرأس المال العالمي عن الأصول الأمريكية، وفق تحليل نشرته وكالة بلومبيرغ.
هذا التحول يأتي في لحظة تتقاطع فيها اختلالات هيكلية داخل الاقتصاد الأمريكي مع تبدل أوسع في موازين النمو والعوائد عالميا.
تشير بلومبيرغ إلى أن الولايات المتحدة تستحوذ اليوم على نحو ثلثي مؤشرات الأسهم المدرجة عالميا، وحوالي نصف أصول رأس المال الخاص، ونحو 40% من سوق السندات العالمية، رغم أنها لا تمثل سوى 4% من سكان العالم، و10% من النمو العالمي، و13% من التجارة العالمية، ونحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي لاقتصادات العالم وفق مقياس تعادل القوة الشرائية.
تصف الوكالة هذا التركز بأنه "غير كفء اقتصاديا، ومحفوف بالمخاطر ماليا، وغير قابل للاستمرار".
وتلفت بلومبيرغ إلى أن المدخرات العالمية، خلافا للنظرية الاقتصادية التقليدية، تدفقت من اقتصادات سريعة النمو نحو اقتصاد يتباطأ ويشيخ، ما أدى إلى تضخم أسعار الأصول الأمريكية وحرمان مناطق أخرى من رأس المال القادر على رفع الإنتاجية.
تسارع إعادة التوازندفعت "الجاذبية الاقتصادية" ومخاطر التركز، إلى جانب المخاوف من فوائض أسعار الأصول المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، المستثمرين إلى إعادة توازن بصورة متسارعة بعيدة عن الولايات المتحدة، حسبما تظهر تدفقات رؤوس الأموال، وأداء الأسواق، وقرارات المحافظ المؤسسية، وفق بلومبيرغ.
في هذا السياق، تربط الوكالة بين هذا التسارع وسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، مشيرة إلى أن حالة عدم اليقين المرتبطة بالرسوم الجمركية، والهجمات المتجددة على استقلالية الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي)، وما وصفته بـ"الانفلات المالي المستمر"، والتلويح بالسيادة على غرينلاند، كلها عوامل زادت ضبابية صنع القرار في أمريكا.
إعلانلكن بلومبيرغ تشدد على أن المخاطر السياسية ليست التفسير الوحيد، إذ تكمن الأسباب الأعمق في تآكل المحركات التي غذت التفوق المالي الأمريكي، وفي تشبع محافظ المستثمرين بالأصول الأمريكية.
رياح داعمة تتلاشىحققت الأسهم الأمريكية، منذ الأزمة المالية العالمية، عوائد تفوقت بأضعاف على النمو الاقتصادي الحقيقي، ما دفع المستثمرين الأجانب إلى مضاعفة استثمارهم في الأسهم الأمريكية أكثر من 3 مرات خلال عقد واحد، ليصل إلى أكثر من 20 تريليون دولار، معظمها من دون تحوط من مخاطر العملة، ما أسهم في رفع التقييمات وتعزيز الدولار، وضاعف المكاسب للمستثمرين الدوليين.
غير أن بلومبيرغ تؤكد أن هذه الحقبة قامت على مزيج استثنائي من العوامل التي استنفدت متمثلة في:
تراجع طويل الأمد في معدلات الفائدة على مدى 4 عقود. خفض شبه كامل لمعدلات ضريبة الشركات. التيسير الكمي الذي غذى أسعار الأصول. تحول توزيع الدخل من العمل إلى رأس المال.وتشير أبحاث الاحتياطي الاتحادي إلى أن انخفاض الفائدة والضرائب وحده فسر نحو نصف نمو أرباح الشركات الأمريكية خلال ثلاثة عقود.
ومع تلاشي هذه العوامل، تتوقع الوكالة أن تكون أرباح الشركات وعوائد الأسهم أقل بكثير مما كانت عليه، وفي الوقت نفسه، تصاعد خطر التركز، إذ إن 7 شركات فقط شكلت 55% من عوائد مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" خلال السنوات الثلاث الماضية، بينما تمثل أكبر عشر شركات 40% من المؤشر، في ما تصفه بلومبيرغ بأنه "رهان ضيق وهش".
الدولار والسندات تحت المراجعةتضيف بلومبيرغ أن تراجع الدولار بنحو 10% حول ما كان رافعة قوية لعوائد المستثمرين الأجانب إلى عامل ضغط متزايد، كما أن السندات الأمريكية، التي شكلت لعقود أصلا مرجعيا "خال من المخاطر"، باتت موضع إعادة تقييم، في ظل ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي، وتكرار إغلاقات الحكومة، وتهديدات استقلال الاحتياطي الاتحادي، والصدمات التجارية المتكررة.
تشير بلومبيرغ إلى أن "الامتياز الباهظ" للدولار ما زال قائما، لكنه يتآكل تدريجيا، مع تراجع حصته من الاحتياطيات العالمية، وتسارع الجهود الدولية لتنويع أنظمة الدفع وتقليص الاعتماد على البنية المالية المتمركزة حول أمريكا.
إلى أين تتجه رؤوس الأموال؟بسبب هيمنة الولايات المتحدة على جذب رأس المال العالمي، ترى بلومبيرغ أن التحولات المحدودة في التخصيص ستكون ذات أثر كبير؛ فمن شأن خفض صندوق الثروة النرويجي، على سبيل المثال، استثماراته في الولايات المتحدة إلى 40% من أصوله مقارنة مع 53% حاليا أن يحرر 250 مليار دولارٍ لاستثمارها في أسواق أخرى، وذلك بالنظر إلى أن أصول هذا الصندوق تبلغ 2.2 تريليون دولار.
وترجح الوكالة أن تتجه رؤوس الأموال هذه إلى أسواق متقدمة خارج أمريكا، ولا سيما في أوروبا، لكنها تؤكد أن "أكبر الفرص" تكمن في الاقتصادات الناشئة والنامية، التي حققت أكثر من ثلثي النمو العالمي خلال العقد الماضي، مدفوعة بعوامل ديموغرافية وإنتاجية وتكنولوجية.
إعلانوتلفت بلومبيرغ إلى أن هذه الاقتصادات باتت تقدم مزيجا من نمو أعلى وارتباط أقل مع الأسواق المتقدمة، ما يمنحها قيمة تنويعية حقيقية للمحافظ الاستثمارية، ويقوض الافتراض القديم بأن الاقتصادات المتقدمة آمنة بطبيعتها بينما الناشئة محفوفة بالمخاطر.
في هذا المشهد، ترى بلومبيرغ أن إعادة التوازن الجارية لا تعني انهيارا وشيكا للهيمنة المالية الأمريكية، لكنها تمثل تحولا هيكليا طويل الأمد، تعيد فيه رؤوس الأموال العالمية حساباتها، وتبحث عن عوائد أعلى ومخاطر أقل في عالم لم يعد يدور بالكامل حول أمريكا.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الولایات المتحدة المال العالمی رؤوس الأموال رأس المال
إقرأ أيضاً:
برلماني: إحياء قلب القاهرة استثمار اقتصادي يعزز السياحة ويدعم النمو
أكد النائب محمد سمير، عضو مجلس النواب، أن مشروع إعادة إحياء معالم القاهرة التاريخية والإسلامية يمثل فرصة اقتصادية واعدة تتجاوز البعد التراثي، ليصبح أحد أهم محركات النمو غير التقليدية للاقتصاد الوطني من خلال تنشيط قطاع السياحة وزيادة معدلات الإنفاق السياحي.
وقال سمير في تصريح خاص لـ"صدى البلد"، إن تحويل “قلب القاهرة” إلى مزار مفتوح أمام الزائرين من مختلف دول العالم من شأنه أن ينعكس بشكل مباشر على زيادة التدفقات السياحية، وبالتالي دعم موارد الدولة من النقد الأجنبي، خاصة في ظل ما تمتلكه القاهرة من قيمة تاريخية وثقافية فريدة.
وأضاف أن هذه المشروعات تفتح الباب أمام خلق فرص عمل جديدة في قطاعات متعددة مثل السياحة والخدمات والنقل والتجارة، فضلًا عن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة في المناطق المحيطة بالمواقع التاريخية.
وأشار عضو مجلس النواب إلى أن الربط بين التطوير العمراني وإحياء المسارات السياحية والثقافية المتكاملة يعزز من تنافسية مصر على خريطة السياحة العالمية، ويحول المناطق التاريخية إلى مراكز جذب مستدامة وليست موسمية فقط.
واختتم النائب محمد سمير تصريحه بالتأكيد على أن الاستثمار في إحياء القاهرة التاريخية يعد استثمارًا طويل الأجل في هوية الدولة واقتصادها في آن واحد، مشددًا على أهمية استمرار هذا النهج في مختلف المحافظات ذات الطابع التراثي والسياحي.