تداعيات فضيحة إبستين تهز الحكومة البريطانية وتهدد بالإطاحة بستارمر
تاريخ النشر: 9th, February 2026 GMT
بعد 14 عاما من التهميش في المعارضة، حقق حزب العمال البريطاني فوزا انتخابيا ساحقا عام 2024، بأغلبية برلمانية وُصفت بأنها واحدة من الأكبر في تاريخ بريطانيا الحديث.
لكن بعد 18 شهرا فقط من تولي السلطة، يواجه رئيس الوزراء كير ستارمر ما وُصف بـ"أخطر لحظة" في حياته السياسية، مع حديث متزايد عن احتمال إجباره على الاستقالة.
حقق حزب العمال بقيادة ستارمر فوزا كاسحا في انتخابات 2024، منهيا 14 عاما من حكم المحافظين.
لكن ما بدأ كقصة نجاح سريعا ما تحول إلى كابوس سياسي، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى تراجع شعبية ستارمر بشكل حاد بين الناخبين، في حين بدأ أعضاء حزبه يشككون علنا في حسن تقديره ومستقبله السياسي.
وقال أحد المؤيدين السابقين لستارمر إن "التراجع عن سياسات الرعاية الاجتماعية العام الماضي كان بداية النهاية، لأنه كشف عن ضعفه وعدم اقتناعه بمشروعه" وفق بلومبيرغ.
من جهته، قال مسؤول في حزب العمال إن الحزب "ترك البلاد في حالة تدهور"، معترفا بأن حزب العمال "لم يتصرف بشكل أفضل من حزب المحافظين" رغم حملته لاستعادة النظام إلى السياسة البريطانية.
وكانت استقالة مورغان ماكسويني، مدير مكتب ستارمر بعد تداعيات "فضيحة إبستين"، بمثابة الشرارة للأزمة الحالية، إذ يعتمد ستارمر نمط حكم يقوم على دائرة ضيقة في تسيير الأمور.
من هو مورغان ماكسويني؟مورغان ماكسويني (48 عاما) ليس مجرد مستشار عادي لرئيس الوزراء البريطاني، إذ يُعتبر "العقل السياسي" لستارمر. وُلد في أيرلندا وانضم إلى حزب العمال في مرحلة مبكرة، وكان مهندس الفوز الانتخابي الساحق عام 2024.
وتولى منصب مدير مكتب رئيس الوزراء في أكتوبر/تشرين الأول 2024
وقالت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في مقال تحليلي إنه "من المستحيل المبالغة في تقدير مركزية ماكسويني لقيادة ستارمر السياسية"، فقد كان إلى جانبه في حملته لقيادة حزب العمال، وطوال فترة المعارضة، ومنذ الانتخابات العامة.
إعلانوكان ستارمر يعتمد بشكل كبير على ماكسويني، ولطالما كان الرأي السائد في حزب العمال أن "ستارمر لا يستطيع البقاء بدون ماكسويني".
واستقال ماكسويني بعد تداعيات "فضيحة إبستين" معلنا مسؤوليته عن تعيين بيتر ماندلسون سفيرا لدى واشنطن والذي كان على صلة بالملياردير الأميركي المنتحر جيفري إبستين المتهم بجرائم جنسية والمدان بالاتجار بالقاصرات.
ما هي فضيحة ماندلسون وإبستين؟عين ستارمر، بيتر ماندلسون، القيادي المخضرم في حزب العمال، سفيرا لبريطانيا في واشنطن عام 2024، لكن المشكلة أن وثائق جديدة كشفت عمق علاقة ماندلسون بالملياردير الأمريكي إبستين، الذي عُثر عليه ميتا في السجن عام 2019.
وأظهرت الأدلة أن إبستين دفع 75 ألف دولار لماندلسون في عامي 2003 و2004، واضطر ستارمر إلى تقديم اعتذار علني لضحايا إبستين، قائلا: "أنا آسف، آسف لما حدث لكم، آسف لأن الكثير من أصحاب السلطة خذلوكم، آسف لأنني صدّقت أكاذيب ماندلسون وعيّنته".
وصفت بي بي سي وضع ستارمر بأنه "في حالة سيولة وتقلب شديدين، حيث يبدو أي شيء ممكنا"، إذ إن حلفاء ستارمر المقربين يعترفون بأنه "يواجه لحظة من أعمق أنواع الخطر".
وقال أحد حلفائه إن "فرص بقاء رئيس الوزراء في منصبه حتى نهاية الأسبوع متساوية"، وفق بلومبيرغ.
وأضافت بلومبيرغ نقلا عن مسؤولين في حزب العمال أن السبيل الوحيد لبقاء ستارمر في السلطة حتى مايو/أيار هو أن يكون في حالة عجز، وأن يستغل منافسوه هذا الوقت لإعداد تحالفاتهم.
من المرشحون المحتملون لخلافة ستارمر؟يُنظر إلى أنجيلا راينر، نائبة رئيس الوزراء، على أنها "المرشحة الأوفر حظا"، لكن شخصيات بارزة في الحزب تتوقع "منافسة مفتوحة".
ومن بين المرشحين المحتملين: إد ميليباند (زعيم حزب العمال السابق)، وشبانة محمود، وإيفيت كوبر، ويس ستريتينغ، وجون هيلي.
لكن جناح اليمين في حزب العمال "يتخبط في محاولاته لإيقاف راينر"، خاصة بعد أن اختلفوا مع ستريتينغ الذي أصبح "متورطا في علاقاته الوثيقة مع ماندلسون".
ما التداعيات الاقتصادية والسيناريوهات المتحملة؟حذّر أحد حلفاء ستارمر من أن تولي راينر أو ميليباند السلطة في بريطانيا لأنه سيُعرّضها لصدمة اقتصادية وسوقية. مضيفا أنه في حال إقالة ستارمر، يجب على رئيس الوزراء الجديد الدعوة إلى انتخابات، إذ لن يكون لديهما أي شرعية لقيادة البلاد، وفق ما نقلت بلومبيرغ.
كما نقلت عن مؤيد سابق آخر لستارمر أن حزب العمال قد ترك البلاد في حالة تدهور، وأن الحزب لم يتصرف بشكل أفضل من حزب المحافظين.
ويتوقع البعض أن يحاول ستارمر "التشبث بالسلطة من خلال دعوة شخصيات يسارية مثل أنجيلا راينر للعودة إلى الحكومة وترقية أمثال إد ميليباند".
لكن آخرين في حزب العمال "يشككون في قبول راينر أي منصب، لأنها باتت على بُعد خطوة واحدة من تولي منصب ستارمر"، لكن السيناريو الثالث هو أن يُجبر على الاستقالة.
رئيسة الوزراء البريطانية السابقة ليز تراس، التي شغلت المنصب لـ45 يوما فقط، غردت متوقعة أن "يطيح حزب العمال بكير ستارمر" في سيناريو شبيه بما واجهه حزب المحافظين.
إعلانوقالت: "كير ستارمر هو تيريزا ماي حزب العمال"، متنبئة بأن حزب العمال "سيستبدل ستارمر في نهاية المطاف بأنجيلا راينر، كما استُبدلت ماي بجونسون" في إشارة إلى رئيس الوزراء الأسبق بوريس جونسون، ثم "سيتوّجون إلى ويس ستريتينغ" (وزير الصحة البريطاني الحالي)، قبل أن "يُمنى حزب العمال بهزيمة ساحقة في انتخابات 2029".
ويحتفل المحافظون معتقدين أن حزب العمال لن يتعافى من سقوط ستامر المتوقع، لكن يبدو أن المستفيد الأبرز هو زعيم حزب الإصلاح الشعبوي نايجل فاراج الذي يتصدر استطلاعات الرأي حاليا.
وقال فاراج إنه يعتقد أن "وقت ستارمر أوشك على الانتهاء"، ويعمل حزبه على استغلال الفوضى داخل حزب العمال لتقديم نفسه كبديل للناخبين.
ويتصدر حزب الإصلاح -الذي كان هامشيا قبل سنوات قليلة- بعض استطلاعات الرأي، مستفيدا من انهيار الثقة في الأحزاب التقليدية.
ويراهن فاراج على أن الفوضى المستمرة ستدفع الناخبين نحو خياره الشعبوي، وأن انتخابات 2029 -إن لم تُجر قبل ذلك- قد تشهد تحولا تاريخيا في السياسة البريطانية.
في المحصلة، تكشف أزمة كير ستارمر خللا أعمق في قيادة حزب العمال وقدرته على الانتقال من معارضة ناجحة إلى حكم مستقر. وبين الانقسامات الداخلية وصعود الشعبوية، يواجه الحزب اختبارا مصيريا قد يحدد مستقبله السياسي في بريطانيا.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فی حزب العمال أن حزب العمال رئیس الوزراء ی حزب العمال فی حالة
إقرأ أيضاً:
قيادية عمالية بارزة: بريطانيا خذلت الفلسطينيين وتقصّر في مواجهة إسرائيل
وجهت رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني، إميلي ثورنبيري، انتقادات حادة لحكومة حزب العمال التي تنتمي إليها، متهمة إياها بالفشل في نصرة الفلسطينيين وعدم اتخاذ خطوات عملية كافية لوقف السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، مؤكدة أن لندن "خذلت الشعب الفلسطيني" واكتفت بإطلاق المواقف السياسية دون ممارسة ضغوط مؤثرة على إسرائيل.
وفي واحدة من أقوى الانتقادات التي تصدر عن شخصية بارزة داخل حزب العمال تجاه سياسة الحكومة في الشرق الأوسط، ونقلتها صحيفة "الغارديان"، قالت ثورنبيري إن اعتراف بريطانيا بدولة فلسطين قبل أكثر من ثمانية أشهر كان ينبغي أن يكون "الخطوة الأولى ضمن سلسلة من الإجراءات"، إلا أن الحكومة لم تتخذ بعد ذلك خطوات ملموسة لدفع حل الدولتين أو حماية الفلسطينيين من الانتهاكات المستمرة.
وأضافت خلال فعالية عقدت في وستمنستر بتنظيم من منظمات داعمة للفلسطينيين، أن "الاعتراف كان البداية فقط، لكن أين الخطوة الثانية والعاشرة؟ ماذا نفعل فعلياً؟"، معتبرة أن السياسة البريطانية الحالية تفتقر إلى الطموح المطلوب لمواجهة الأزمة الفلسطينية.
انتقاد لإسرائيل و"شعور مذهل بالإفلات من العقاب"
وهاجمت ثورنبيري الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، معتبرة أن لديها "شعوراً مذهلاً بالإفلات من العقاب"، مشيرة إلى إعلان نتنياهو أخيراً عزمه فرض السيطرة على أكثر من 70 بالمئة من مساحة قطاع غزة.
وقالت إن ما يجري في الضفة الغربية "غير قابل للاستمرار"، متحدثة عن تهجير عائلات فلسطينية من منازلها، وتعرض مجتمعات بأكملها للتهديد المستمر، في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين وتوسع الاستيطان.
وأكدت أن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد كافياً، داعية إلى خطوات عملية تجعل استمرار التوسع الاستيطاني "مكلفاً اقتصادياً وسياسياً".
دعوات لفرض عقوبات على المستوطنات
وشددت البرلمانية العمالية على أن على بريطانيا أن تترجم مواقفها القانونية إلى إجراءات ملموسة، خصوصاً بعد الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن عدم قانونية الاحتلال والمستوطنات الإسرائيلية.
وقالت إن منطق القانون الدولي يقتضي حظر استيراد المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفرض عقوبات على المتورطين في الأنشطة الاستيطانية.
كما دعت إلى منع الشركات البريطانية من المساهمة في مشاريع مرتبطة بالمستوطنات، وتشديد القيود على شبكات التأمين والتمويل التي تسهم في استمرارها.
وأضافت أن بريطانيا مطالبة بقيادة تحرك دولي لإحياء التحالف الدولي الذي دعم الاعتراف بدولة فلسطين خلال عام 2025، والعمل على تنسيق ضغوط جماعية تجعل استمرار الاستيطان أمراً غير قابل للاستدامة.
هجوم على ترامب
وفي جانب آخر من حديثها، وجهت ثورنبيري انتقادات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، متهمة إياه بالتخلي عن غزة بعد إعلانه التوصل إلى وقف إطلاق نار.
وقالت إن ترامب أعلن ما وصفه بـ"الانتصار العظيم" ثم ابتعد عن الملف، بينما لا يزال الفلسطينيون يعيشون وسط الدمار والمعاناة الإنسانية.
وأضافت أن الحديث عن وقف إطلاق نار حقيقي لا ينسجم مع الوقائع على الأرض، مشيرة إلى استمرار سقوط الضحايا الفلسطينيين وتدهور الأوضاع الإنسانية في القطاع.
وتابعت: "غزة ليست خارج الأخبار فقط، بل أصبحت خارج الاهتمام السياسي الدولي، في وقت لا يزال سكانها يعيشون بين الأنقاض ويواجهون ظروفاً لا تطاق".
دعوة لدور بريطاني أكبر
ورأت ثورنبيري أن المأساة الإنسانية في غزة تمثل دليلاً على فشل المجتمع الدولي في التدخل مبكراً وممارسة ضغوط فعالة لمنع تفاقم الأزمة، محذرة من تكرار السيناريو نفسه في الضفة الغربية.
ودعت الحكومة البريطانية إلى استعادة دورها الدبلوماسي القيادي عبر تنظيم مؤتمرات وتحركات دولية جديدة تضع القضية الفلسطينية مجدداً في صدارة الاهتمام العالمي.
وقالت إن بريطانيا كثيراً ما تُوصف بأنها قوة قادرة على جمع الأطراف المختلفة حول طاولة واحدة، مضيفة: "إذا كان ذلك صحيحاً، فهذا هو الوقت المناسب لإثباته"، مطالبة لندن بقيادة جهود دبلوماسية أكثر فاعلية لإنهاء الحرب والدفع نحو تسوية سياسية عادلة ومستدامة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وإميلي ثورنبيري هي سياسية بريطانية بارزة تنتمي إلى حزب العمال، وتشغل حالياً رئاسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم البريطاني، إحدى أهم اللجان البرلمانية الرقابية المعنية بمتابعة السياسة الخارجية والأمن القومي.
انتُخبت نائبة في البرلمان لأول مرة عام 2005 عن دائرة إزلنغتون ساوث وفينسبري في شمال لندن، وارتبط اسمها لسنوات بالجناح اليساري داخل حزب العمال. وتولت خلال مسيرتها عدة مناصب في حكومة الظل العمالية، أبرزها وزيرة الخارجية في حكومة الظل بين عامي 2016 و2020 خلال قيادة جيرمي كوربين للحزب.
عُرفت ثورنبيري بمواقفها المنتقدة للحروب والتدخلات العسكرية الغربية، كما تعد من الأصوات الداعمة للاعتراف بالدولة الفلسطينية وحقوق الفلسطينيين داخل حزب العمال. وخلال السنوات الأخيرة برز دورها في مراقبة أداء الحكومات البريطانية المتعاقبة في ملفات السياسة الخارجية، خصوصاً ما يتعلق بالشرق الأوسط والعلاقات الدولية.
وتحظى تصريحاتها باهتمام خاص داخل الأوساط السياسية البريطانية نظراً لموقعها البرلماني المؤثر وخبرتها الطويلة في ملفات الدبلوماسية والسياسة الخارجية، فضلاً عن كونها من الشخصيات التي تُعد مرجعاً داخل حزب العمال في القضايا الدولية.