أثارت جديلة المقاتلة الكردية جدلا طويلا. لا أعرف معركة إعلامية ثار لها الكرد في تواريخهم وآثارهم، أكثر من ثورتهم لخبر قصّ مقاتلٍ سوريٍّ لجديلة مقاتلةٍ من قوات سورية الديمقراطية؛ الخبر الذي ذكّرنا بفرية "جهاد النكاح" سيئة الذكر، ومعركة حفِّ الشوارب في السويداء. الدروز يطيلون شواربهم غالبا، مثل الإيزيديين الكرد، غير أن الشوارب لدى رجال الإيزيديين عرف ديني، أما عند الدروز فهي عرف اجتماعي، فلا بد لكل طائفة أن يكون لها أعرافها الشكلية وعلاماتها.
حرّر الجيش العربي السوري عشرات الصِبية من سجون الرقة التي تحرسها قوات سورية الديمقراطية، قيل إن أحدهم في الثامنة، وآخر في العاشرة، وبرر إعلاميو قسد أو الإعلاميون المناصرون لها بأنهم دواعش، وأعلن ترامب أنه منح قسد من الأموال نحو ثلاثة مليارات من الدولارات.
وتصاحب خبر الجديلة مع مقتلةٍ عظيمة، وهي مقتل واحدٍ وعشرين مدنيا على حاجزٍ قسديّ. والجديلة خبرٌ، وليست واقعة حقيقية مؤكَّدة، وقد علا خبر الجديلة على الخبرين (اعتقال الصِبية، والمجزرة) مع عِظم الفارق. ضفيرة غلبت دماء واحدا وعشرين مدنيا مقتولا ظلما؛ درهم شعر سبق دماء واحد وعشرين مدنيا قتلوا ظلما!
ولن تكون واقعة حتى نرى مقاتلة حليقة الشعر تتقدّم بشكوى للجهات المختصة أو العامة على وسائل التواصل، فنحن في عصر الصورة؛ وليس للواقعة تصوير، والمقاتلون يصورون للتباهي والمفاخرة والخبر، وقد تكون مزحة كما قال صاحب الجديلة، والبيّنة على من ادعى واليمين على من أنكر. لكن أمرا يُساق للهياج والإثارة ليس هنا محلَّه؛ فصاحبة الضفيرة مقاتلة، ولم تكن مخدرة في الخباء، وإنما صاحبة زينة، فالغيرة عليها تجمع بين نقيضين: الغيرة على الزينة، وعلى هتك الستر. لذلك انتشرت الجديلة في الصور والصحف، وظهرت عضوة برلمانية أوروبية وهي تجدّل شعرها، وصُنعت جديلة عملاقة في كردستان العراق تكريما لـ"الضحية".
إن أشرس المعارك التاريخية، وأعرقها وأقدمها، هي بين الحق والجمال. وكانت المرأة سببا في حروب كثيرة، يمكن تذكّر موقعة عمورية وصيحة "وامعتصماه"، كما أن الحجاج بن يوسف الثقفي جنّد ستة جيوش لإغاثة مسلمة أوذيت من جنود هنود صاحت: "واحجّاجاه".
"الحقّ ثقيل وبيء، والباطل خفيف ومري".. ويُساق لفظ الشرف في غير موضعه، والأمر للتحشيد. ويمكن أن نضيف أنَّ سادة القوم على وسائل التواصل عملوا على الإثارة الطائفية أيضا، بالزعم أنَّ الإيزيديين يتعرضون للإبادة الجماعية في الشيخ مقصود، فالغرب يغار على الطوائف أكثر من القوميات، وهو يغار على مصلحته ويبحث عن ذريعة، ولو لم يجدها ليكافح المخدرات، كما في فنزويلا التي ليس فيها كرد أو دروز، أو الادّعاء بأن الجزيرة السورية موطن الكرد والسريان والآشوريين، وأن العرب ضيوف أو وافدون أو غزاة، وهو ادّعاء شائع بين نخبتهم وعامتهم.
لنذكر أنَّ أكثر التفسيرات الغربية حول أول جريمة وقعت على ظهر الأرض، هي حول صاحبة جديلة، وأن حرب طروادة كانت بسبب صاحبة جديلة. الجندي السوري لم يقتحم خباء المرأة ويكشف سترها، وقد اغتُصبت مليونا امرأة في الحرب العالمية في ألمانيا. لقد رأينا حربا إعلامية حول "أخوّة الشعور والضفائر"، لا "أخوّة الشعوب" والعشائر.
في التاريخ العربي، كشف الشعر يعني العار، والدعوة إلى الحرب والثأر. لكن نساء "قسد" المقاتلات مكشوفات الشعر، ولا أعرف في التاريخ العربي حادثة حول الشعر والجديلة، سوى خبرٍ ليس له سندٌ قويٌّ، يقول إن امرأة قدّمت ضفيرتها لأبي قدامة الشامي صدقة حتى تكون زماما لفرسه في سبيل الله. وقد ذكرها ابن الجوزي في كتاب صفة الصفوة. لا أظن في الأمر سوءا؛ يقول العلم: إن جسم الإنسان يفنى كله تحت التراب إلا شعره، فهو أدوم مكثا من بقية الأعضاء التي يبليها الزمن.
كأنَّ ثمة "قوة سحرية" في الشعر؛ فالشعر يعني الشباب. وقد احتفل الأمريكيون بأول امرأةٍ سافرةٍ في كابول إبّان الاحتلال، والغرب يثور ثورة عظيمة لإغلاق طالبان -مثلا- محلات الحلاقة والتجميل، لكنه يسكت إثر فيضانات أو زلازل أو كوارث تقتل كثيرا من النساء والأطفال والشيوخ، فلا تزال امرأة طروادة ماثلة في الحروب.
الغرب لا ينجد إلا الحسناء السافرة، ويغار عليها أكثر من غيرة المعتصم على المستغيثة بصيحة وامعتصماه، ومن غير استغاثة.
القوة السحرية نراها في حكاية شمشون ودليلة؛ شمشون هو بطل الحكاية، وقوته في شعره. وقد قدّمت امرأةٌ ذؤابتيها صدقة في أيام الرشيد، وليس عندها غيرها لتكون زماما لفرس فارس في سبيل الله، قال منصور بن عمّار: "قد أتت هذه المرأة بما دلّ على خلوص دينها وصحة يقينها، وغضبها لربّها، وغيرتها على أهل ملّتها، وامتعاضها لما بلغها من انتهاك أعداء الله محارمه، واستخفافهم بحدود الإسلام (..) ولم تقصد بما فعلته الأمر الّذي حرِّم عليها، فيؤثمها، فقد جاء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه لعن الغارفة، وهي التي تجزُّ ناصيتها عند المصيبة، وإلى الله نرغب في أن يجعلنا ممّن يغضب له ويحامي عن دينه ويوالي ويعادي فيه، بتوفيقه".
إلا أن ذلك ليس كل الحكاية؛ فما الشعر إلا رمز في قصة شمشون. فقوته مصدرها الله، ومركزها عقيدته ودينه، وليس الشعر. الله هو واهب الشعر، وقد فقد قوته لنقضه العهد مع الله؛ فقد كان نذر ألّا يقرب الخمر، وألّا يمسّ ميتا، وألّا يقصّ شعرا. إطالة اللمة ثِقلٌ وعقوبة، والتوراة تجعل سبب فقدانه قوته الخارقة حبَّ امرأةٍ من الفلسطينيين، ودليلة فلسطينية. الشعر رمز العهد والميثاق.
الشعر والمشاعر:
والحكاية تقول: إن الخطر يأتي من المرأة، كما في حكاية آدم وحواء التوراتية؛ حواء سبب الخطيئة الأصلية وحليفة الشيطان، هذا في العهد القديم. أمّا في القرآن الكريم، فآدم هو سبب الزلّة، وليس من خطيئة متوارثة أسموها "الأصلية".
قصّ الشعر يعني الذلّ والإهانة، وكثير من سجون العالم ومدارسها تحلق شعور المساجين والتلاميذ، إمّا للنظافة والتبتّل والإخلاص للعلم، أو للإهانة. وفي البوذية يحلق الرهبان شعرهم. ومرض السرطان ينزع الشعر. اتُّخذ الحلق للإهانة والعقوبة، أو للتضحية كما في بعض الأديان. بل إن المسلمين في الحج يحلقون شعرهم، ويرضى الإسلام بالتقصير.
المدافعون عن دليلة يزعمون أنها لم تخنه، إنما أرتْه صورته الحقيقية. ثمة فيديو لامرأةٍ حسناء مثل دليلة تعمل جاسوسة إسرائيلية، استطاعت الاطّلاع على أسرار عربية حكومية من كثير من الساسة العرب لصالح إسرائيل باسم الحب.
الحكاية تجعل المعاني مرئية، والشَّعر فحولة غالبا لدى الرجال وتاج للنساء. في فيلم "الخائنة" العشيق طويل الشعر. الخارقون في الأساطير الغربية لهم نقاط ضعف؛ أخيل له نقطة ضعف في قدمه (على عكس الشعر في القمة)، ونقطة ضعف سوبرمان حجر "كريبتونايت"، وهرقل ضعفه في فورانه وغضبه حتى أنه قتل أسرته كلها. الأمريكي هو سليل هرقل في سَورة الغضب؛ يثور لأبسط شيء، ويطلق النار لأصغر الأسباب. ولنذكر أنَّ الصيام والحج فريضتان لتدريب المسلم على الضبط والصبر عن الشهوات.
عادت قوة شمشون بعد نمو شعره؛ والحقيقة أنها عادت بعد أن تاب وأصلح ووعى وفهم وثاب، وبعد أن عمي. وعمى النظر يصاحب قوة البصيرة في الحكايات. أحد أهم أسباب طغياننا وغرورنا هو أبصارنا في وسائل التواصل؛ لو عمينا عنها لأبصرنا دواخلنا. العمى يعني الحكمة في الحكايات.
لا شك أن مظلوم عبدي أعقل وأحكم من جمهوره الهائج؛ لعله يدرك أنه لا يمكن محاربة العرب والترك، بل والكرد أشقاؤه في الجوار العراقي الذين نصحوه وأحسنوا النصح. أغلب الظن أنه أسير منصبه ولقبه، غالبا ينشغل الشاب حسن الهيئة والشعر بشعره لا بعقله؛ ولذلك يحلق الجند شعرهم. شمشون طائش يفشي سرّه بسهولة، فيفقد قوته. الجمال للنساء، والقوة للرجال. أيها الرجل لا تفاخر بجمال شعرك، واحذر غواية النساء، هكذا تقول عبرة الحكاية.
جولة في الفن والأدب
في حكايات أستريكس الفرنسية للأطفال يشرب أستريكس مشروبا سحريا يعدّه الشيخ بانورامكس، فتصير قوته خارقة وينمو شعره نموا سريعا. وفي فيلم لمحمد هنيدي يغار رجل الأمن من هنيدي لأن له شعرا في صدره. الشعر رمز القوة، والفحولة، وفي فيلم روسي قديم اسمه لودميلا، ثمة ساحر قزم قوته في شعره، وشعره لحية طويلة يبلغ طولها عدة أمتار. أما في يوم تحلاق اللمم، وهو يوم من أيام العرب، أمر فيه الحارث بن عباد قومه بحلق شعور رؤوسهم (اللمم) ليميزوا بعضهم عن بعض، وأسفر عن هزيمة ساحقة لتغلب، منهيا سلسلة تفوقهم، ويُعد من أشهر أيام الفخر العربي، الاستغناء عن جمال الشعر استعدادا للموت. حلق الشعر يعني حلق الروح.
بعض المشاهير ستروا صلعتهم بالشعر كما فعل سمير غانم وياسر العظمة، سعيا وراء الزينة، وكانت العمامة العربية تستر الصلعة. الصلعان يواسون أنفسهم قائلين: "البقاء للأصلع".
وفي مسلسل "ضد أورتودوكس" تتزوج يهودية يهوديا في بيئة صارمة، كئيبة، تقيّة، فترفض هذه الحياة الصارمة وتطلب الطلاق، فتعاقَب بحلق شعرها، متمرّدة على زوجها، وتهيم على وجهها، وترمي بنفسها في حضن أول شاب. لم يُسِئ زوجها المحب لها سوى أنه تقيّ، كان يغشاها في الظلام، وهي تحب الفجور في المواقعة. شعر المرأة رمز أنوثتها وتاجها كما يقول بولس الرسول، لكن بولس يقول في رسالة كورنثوس الأولى: "وأمّا كل امرأة تصلّي أو تتنبّأ ورأسها غير مغطّى فتشين رأسها". فهو يأمر بتجنب الزينة في المعبد.
يمكن القول إن "قسد"، بسبب تمددها السريع واحتلالها ثلث سوريا -وهو الثلث الثري الغني- بغت وطغت. والجديلة رمز القوة، لكنها قوة بلا معبد، بلا دين، فالتنظيم حائر بين الماركسية والقومية، وهو يخفي القومية بكسوة أيديولوجية، ويسعى إلى طروادة سورية؛ جديلة المقاتلة هي محل هيلين، قسد عندها أو عند جمهورها ثقة مفرطة لا تعادل قوتها، وشعور بالاستثناء. ربما تتعلم قسد الآن أن تكون مثل من تعيش معهم لا فوقهم، كما تعلّم شمشون وجلجامش وهرقل.
في اللهجة السورية يُعبَّر عن النبذ والطرد والعزل بقولهم: "حَلَق له".
بعض الشيوخ ليس لهم من العلم إلا اللحية، واللحية شعر أيضا، وخدعة، ويدور جدال حول طول اللحية والكسوة في بعض البيئات الإسلامية.
أمر الجديلة كان تحشيدا، ودعوة للعطف على الجمال لا الحق، ودعوة لإقامة وطن بجديلة مقاتلة (مزعومة)، بالبكاء والمظلومية، ومعركة رمزية. الدمع غالبا سلاح المرأة، وقد جمع القوم بين السيف والدمعة، أسوة بإسرائيل صاحبة المظلومية وحائط المبكى، وصاحبة القوة النووية.
لقد كانت الجديلة سحرية حقا، تجمع بين الدعوة لتحرير المرأة وتحرير الأرض، أو تتخذ من تحرير المرأة وسيلة لتحرير الأرض، وتجمع أيضا بين؛ قوة شمشون ودهاء دليلة.. أو هكذا خيّل إليهم.
x.com/OmarImaromar
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قسد نساء سوريا سوريا اكراد نساء قسد مقالات مقالات مقالات سياسة صحافة صحافة سياسة سياسة اقتصاد سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
"عشرينية" تنتحل صفة طالبة.. والشكوك تكشف المستور
الرؤية- كريم الدسوقي
ما بدا أنه مجرد تسجيل عادي لطالبة جديدة داخل مدرسة ثانوية في نيويورك الأمريكية، تحول لاحقًا إلى قضية أثارت صدمة واسعة، بعدما تبين أن "المراهقة" التي حضرت الفصول الدراسية واندمجت مع الطلاب لأسابيع، ليست طالبة قاصرة كما ادعت؛ بل امرأة تبلغ من العمر 28 عامًا.
انتحلت المرأة شخصية فتاة تبلغ 16 عامًا، وتمكنت من الالتحاق بإحدى المدارس الثانوية؛ حيث واظبت على الحضور والمشاركة داخل البيئة المدرسية لعدة أسابيع، قبل انكشاف الحقيقة.
استخدمت المرأة الأمريكية وثائق مزورة ومعلومات غير صحيحة لإتمام إجراءات التسجيل، ما سمح لها بدخول المدرسة باعتبارها طالبة جديدة، ولم يثر وجودها الشكوك في البداية، خاصة أنها نجحت في الظهور بهيئة تتناسب مع العمر الذي ادعته.
وخلال تلك الفترة، حضرت الدروس بشكل طبيعي، واختلطت بالطلاب والموظفين، وتعامل الجميع معها على أنها مراهقة عادية جاءت لاستكمال تعليمها، قبل أن تبدأ مؤشرات الشك بالظهور لاحقًا.
وبعد مراجعة المعلومات والتحقق من خلفيتها، اكتشفت الجهات المعنية أن العمر الحقيقي للمرأة هو 28 عامًا، وليس 16 كما ورد في أوراق التسجيل، لتتحول الواقعة فورًا إلى مسألة أمنية.
المدرسة أبلغت السلطات المختصة، وبدأ التحقيق في كيفية نجاحها في تجاوز إجراءات التسجيل والدخول إلى مؤسسة تعليمية مخصصة للقُصَّر، فضلًا عن الدافع الحقيقي وراء هذه الخطوة الغريبة.
ولم يوضح التقرير النهائي سببًا حاسمًا وراء تصرُّف المرأة، ما فتح الباب أمام تكهنات واسعة، بين من رجَّح أنها أرادت العودة إلى أجواء الدراسة، ومن اعتبر أن وراء الأمر دوافع أكثر تعقيدًا.
وأعادت الحادثة النقاش حول أنظمة التحقُّق داخل المؤسسات التعليمية، ومدى قدرة المدارس على اكتشاف حالات التزوير، خاصة في المدن الكبرى التي تستقبل أعدادًا كبيرة من الطلاب سنويًا.