عربي21:
2026-06-02@17:50:26 GMT

صراع الإرادات: ما الذي حققته إيران؟

تاريخ النشر: 9th, February 2026 GMT

إن أهم المعارك ليست تلك التي تُخاضُ في الجبهات، حيث يكون الاحتكام للسلاح وحيث يكون قتلى وجرحى ولاجئون وانهدام مبان وانقطاع جسور وحرق مصانع وحقول وحيث يكون خراب عمران وشقاء إنسان، إنما المعارك الحقيقية هي التي تُدار في عوالم الأفكار والقيم، وهي التي تؤسس لمستقبل يرسم ملامحه المنتصرون لا الغالبون.

الغَلبة بما هي وضعيةُ تفوّق مادي عسكري، ليست انتصارا، إذ لا يكون انتصارٌ إلا حينَ يُسلمُ المغلوبُ بالهزيمة ويعلن استسلامَه ويكفّ عن المقاومة ويستجيب لشروط الغالب.



الشعوب المنتمية إلى حضارات عظيمة والمُشبَعة بقيم الحياة وبمعاني الشموخ والكرامة؛ لا تنظر لمعاركها باعتبارها منازلاتٍ حينية تتحدّد نتائجُها بموازين القوة المادية والخبرة القتالية، وإنما ينظرون إلى تلك المعارك باعتبارها تأسيسا دائما ومتجدّدا لمقوّمات العزة والكرامة، تتوارثها الأجيال وتستمدّ منها أصالة الانتماء ومهابة الكبرياء وإرادة الصمود، فلا تنهزم ولا تقبل بوضعية الإذلال حتى وإن جرت عليها "مغلوبية" ظرفية هي نتيجة قوانين الصراع واختلاف موازين قوى وتفاوت مهاراتِ قتال.

كم من شعوب خسرت حروبا ولكنها لم تخسر ذاتها ولم تعلن انهزامها ولم تنكسر إرادتها ولم تعترف لغالب بكونه على حق وكونها على باطل، وكم من شعوب غَلبت في معركة نتيجة تفوق في العتاد أو نجاح خطة حربية، ولكنها لم تستطع تحقيق شعور بالانتصار ولا هي حوّلت غَلَبتها تلك إلى ثقافة انتصارية تضمن لها الحضور في المستقبل والاستمرار في التاريخ.

في الوقت الذي كان خبراءُ الحروب بكل قنوات العالم يحللون موازين القوة العسكرية بين إيران وأمريكا، ويرسمون للمتابعين خرائط البر والبحر والجو، ويتسابقون في تحديد ساعة الصفر لانطلاق "الهجوم"، كان ثمة من يتابع معركة أخرى تُخاضُ في المفردات والمصطلحات والرموز والمواقيت والأمكنة، إنها معركة الارادات أو معركة "الدفع نحو الهاوية" يطفح بها الخطاب لدى كلٍّ من المتكلم الأمريكي والمتكلم الإيراني، وهل كانت الحروب إلا لهيب كلمات؟

كان الرئيس الأمريكي ترامب هو المتحدث دائما عن قوة دولته العسكرية وعن بوارجه وحاملة طائرات وعن صواريخ ومدمرات، يتكلم بنبرة المكابر المتعالي يُعطي مهلة وراء مهلة ويتوعد بصبّ حمم الحجيم وبتغيير نظام دولة مستقلة تريد ممارسة سيادتها وتنظيم علاقاتها بالطرائق التي تراها محققة لمصالحها، كان ترامب أشبه بمن ينفخ النار حول الحديد ويتفقده كل مرة إن كان قد لان وارتخى، حتى إذا ما تعب وخابت ظنونه زعم أنه يستجيب لدعوات العقلاء من الأصدقاء في المنطقة يخشون نتائج الحرب على استقرارها.

القادة الإيرانيون لم يرفّ لهم جفن ولم يُبدوا خوفا من سوء عاقبة، بل كانوا هادئين كما لو أنهم يتعاملون مع حالة نفسية وليس مع زعيم أقوى دولة في العالم اقتصاديا وعسكريا، يردّدون: "لا نقبل بحوار تحت التهديد"، "لا نقبل بحوار مشروط"، "مستعدون لحوار نِدّيّ ومستعدون للقتال"، "لا نبحث عن الأسلحة النووية لكن لا يحق لأحد أن يفرض علينا ماذا نفعل وماذا نملك".

ولعل أخطر جملة هي التي قالها الامام الخامنئي: "لا نريد الحرب ولكن إذا فُرضت علينا فسنخوضها ولن نموت وحدنا"، الدلالات الأمنية لهذه الجملة ليست بسيطة، بل إنها "مُرعبة"، خاصة وقد هدد قادةٌ عسكريون إيرانيون بأن صواريخ بلادهم ومُسيّراتها ستستهدف بكل قوة الكيان وكل بلد فيه قواعد العدو أو تنطلق منه هجمات عدائية.

العقل الأمريكي ينظر إلى المعركة بميزان المادة، يحسبها كمّياتٍ وأرقاما سواء في العتاد أو في الجنود، ولكن العقل الإيراني ينظر إلى المعركة بميزان العدالة وبقيم الحرية والكرامة وبعنفوان "الإنسان".

من المؤكد أن عقل ترامب لا يستوعب تلك المعاني، فثمة غشاوة سميكة تحجب عنه تلك القيم، إنها العجرفة والغرور والاستعلاء والأنانية، ولكن المؤكد أيضا أنه انتقل من حالة العنجهية إلى حالة الصدمة ثم إلى وضعية التساؤال: من أين يستمد هؤلاء القادة كل هذا الاطمئنان وهذه الثقة بالنفس؟

لأول مرة يتكلم ترامب عن الدين، ويعلن عن ثقته بكونه سيدخل الجنة لأنه حقق السلام في أكثر من مكان وأوقف حروبا.

لا يمكن الثقة بأي متعجرف مهما ادعى من رغبة في السلام ومن تدثّر بالدين ومن تجمّل بالأخلاق، فثمة فرق بين من وطّنوا أنفسهم على مبادئ إنسانية وقيم حضارية ويدافعون عن أنفسهم، وبين من ينظر إلى العالم على أنه سوق لممارسة التجارة وتحقيق الأرباح دون التزام معايير أخلاقية ودون اعتبار لحقوق الآخرين وسلامتهم وكرامتهم وسيادة أوطانهم.

ودون خوض في العسكريات، فلها أهلها، يمكننا القولُ بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومن خلال مرحلة "التسخين" للحرب هذه، قد نجحت في الانتصار لهويتها الحضارية ولمرجعيتها العقدية ولفلسفتها "الكربلائية" ولسياستها البراغماتية، بل لعلها تنتصر بمنع العدوان عليها مع الاحتفاظ بحقوقها النووية والصاروخية ودون قطع وشائجها مع شركائها في عقيدة المقاومة، وتلك الشروط الثلاثة التي يضعها ترامب والكيان لكفّ العدوان.

x.com/bahriarfaoui1

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء حربية إيران ترامب إيران امريكا حرب ترامب قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة اقتصاد سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

الرئيس الأمريكي: لا أحد يعلم إلى أين ستقود المفاوضات مع إيران

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استمرار المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، نافيًا صحة التقارير الإعلامية التي تحدثت عن توقف قنوات التواصل بين الجانبين خلال الأيام الماضية.

وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن "لا أحد يعلم إلى ماذا ستقود هذه المحادثات"، مشيرًا إلى أن المفاوضات لا تزال جارية وأن الإدارة الأمريكية تواصل جهودها الدبلوماسية للتوصل إلى تفاهمات بشأن القضايا محل الخلاف بين البلدين.

وأضاف ترامب أنه أبلغ الجانب الإيراني بأن الوقت قد حان للوصول إلى اتفاق، مؤكدًا أن استمرار الحوار يمثل فرصة لمعالجة الملفات العالقة وتجنب المزيد من التوترات في المنطقة.

كما نفى الرئيس الأمريكي صحة التقارير الإخبارية التي زعمت توقف الاتصالات بين واشنطن وطهران قبل أيام قليلة، واصفًا تلك المعلومات بأنها "كاذبة"، ومؤكدًا أن قنوات التواصل لا تزال مفتوحة وأن المناقشات مستمرة.

وتأتي تصريحات ترامب في وقت تحظى فيه المفاوضات الأمريكية الإيرانية باهتمام دولي واسع، نظرًا لأهميتها في معالجة القضايا المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني والأمن الإقليمي والعلاقات بين البلدين.

ويرى مراقبون أن تأكيد استمرار المحادثات يعكس رغبة الطرفين في الإبقاء على المسار الدبلوماسي مفتوحًا، رغم استمرار الخلافات بشأن عدد من الملفات الرئيسية التي شكلت محورًا للتوتر خلال السنوات الماضية.

وتترقب الأوساط السياسية والدبلوماسية نتائج هذه الاتصالات، وسط آمال بإحراز تقدم يسهم في خفض التوترات الإقليمية ويدعم جهود الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

في المقابل، لا تزال التوقعات بشأن مآلات المفاوضات غير واضحة، خاصة في ظل تعقيد الملفات المطروحة وتشابك المصالح الإقليمية والدولية المرتبطة بها، إلا أن استمرار الحوار يُنظر إليه باعتباره مؤشرًا إيجابيًا على بقاء الحلول الدبلوماسية مطروحة على الطاولة.

مقالات مشابهة

  • ترامب: المحادثات مع إيران لا تزال مستمرة
  • الرئيس الأمريكي: لا أحد يعلم إلى أين ستقود المفاوضات مع إيران
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • ترامب: المحادثات مع إيران مستمرة
  • لولا وجودي لكنت في السجن .. الإعلام الإسرائيلي : أزمة ترامب ونتنياهو تكشف صراع النفوذ خلف الكواليس
  • ترامب محاصر ولا يستطيع إنهاء الحرب ونتنياهو جزء من تعقيدات ملف إيران.. شاهد
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • ترامب: إيران ترغب حقا في إبرام اتفاق وسيكون جيدا لنا ولحلفائنا