مع اقتراب الذكرى الـ15 لثورة التغيير الشبابية الشعبية في اليمن، يعود السؤال من جديد: ما الذي حققته؟ أين تعثرت؟ وكيف ينظر اليمنيون اليوم إلى رموزها ومسارها بعد كل هذه السنوات؟

ما التباين؟

في حين يؤكد أنصار الثورة أنهم نجحوا في إنهاء حقبة الرئيس الراحل علي عبد الله صالح وطي صفحة التوريث، فإن خصومها يرون أنها كانت الشرارة الأولى لمسار طويل من الأزمات والتداعيات التي أصابت البلاد منذ فبراير/شباط 2011 وحتى اليوم.

ومع هذا التباين، تبرز الحاجة -وفق قراءة واقعية- إلى تقييم متأنٍ ومتجرد، يوازن بين الإنجازات والإخفاقات بعيدا عن نزعات الدفاع أو الهجوم، وهو ما يشير إليه الكاتب والباحث نبيل البكيري الذي يرى أن ثورة فبراير(شباط) تحتاج إلى "إعادة تقييم شجاع ومتجرد من العواطف والمواقف المسبقة"، معتبرا أن المطلوب اليوم نقاش هادئ وموضوعي لكل ما يُطرح حول تلك اللحظة المفصلية.

يؤكد ناشطون أن ثورة فبراير بحاجة إلى تقييم متأن ومتجرد، يوازن بين الإنجازات والإخفاقات (الأناضول- أرشيف)ما مكمن الإخفاق؟

يصف البكيري ثورة 11 فبراير بأنها "لحظة وطنية جسورة وعظيمة" لا ينبغي التعامل معها بعاطفة مفرطة، بل باعتبارها عملا بشريا قابلا للصواب والخطأ.

ويرى في حديثه للجزيرة نت أن إخفاقات الثورة لا تعود فقط إلى عجز الثوار، بل إلى "عقم الرؤية وغياب القراءة العميقة للتجارب، وعدم إدراك معادلات الواقع السياسي محليا وإقليميا، وضبابية تصور المستقبل".

ما المنجزات؟

ويرى ناشطون مؤيدون للثورة أن تقييمها ينبغي أن يتم على مرحلتين:
الأولى تمتد من 2011 وحتى سبتمبر/أيلول 2014، وهي -وفق الناشط طارق سرور، رئيس مجلس شباب الثورة في الحُديدة- مرحلة شهدت جملة من التحولات الإيجابية، أبرزها:

تنحية الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح. تشكيل حكومة الوفاق برئاسة محمد سالم باسندوة. إلغاء اتفاقية تأجير ميناء عدن، التي وصفها قطاع واسع بأنها مجحفة. إعلان

ويضيف سرور أن أهم ما نتج عن الثورة كان مؤتمر الحوار الوطني الذي شاركت فيه مختلف القوى السياسية والشبابية ومنظمات المجتمع المدني، وتمخضت عنه وثيقة الحوار الوطني التي تناولت جذور الأزمات اليمنية، إضافة إلى إنجاز مسودة الدستور الاتحادي.

ويؤكد أن اليمن كان قاب قوسين أو أدنى من الانتقال إلى "اليمن الجديد" الذي تطلع إليه شباب الثورة، ولم يكن يفصل البلاد عن ذلك سوى الاستفتاء على الدستور وإجراء انتخابات رئاسية حرة ونزيهة، لولا أن "كارثة الانقلاب" -حسب وصفه- أوقفت مسار التغيير.

يرى بعض أنصار فبراير أن ثورتهم تعرضت لمؤامرة (الأناضول- أرشيف)هل هناك مؤامرة؟

وكغيره من تيار الثورة الشبابية الشعبية اليمنية، يرى سرور أن ثورتهم تعرضت لمؤامرات ممنهجة محليا ودوليا لإفشالها وإفراغها من مضمونها، وأن هناك من استهدف مكتسباتها أو ما يعتبرونه منجزاتها.

ويذهب جزء من تيار الثورة إلى أن ثورة فبراير تعرضت لـ"ثورة مضادة" معتقدين أن خصوم الثورة -داخليا وخارجيا- عملوا على تقويض مكتسباتها، وأن التحالف بين الرئيس الأسبق صالح والحوثيين لإسقاط صنعاء كان استهدافا مباشرا لـ"ثوار فبراير".

ويشير هذا التيار إلى أن ما يسمونها مليشيات مدعومة خارجيا في المحافظات الجنوبية استهدفت ناشطي الثورة أيضا، في سياق صراع النفوذ والسيطرة على الموانئ والجزر، وهو ما أدى -برأيهم- إلى تعطيل مؤسسات الدولة، ومصادرة القرار السياسي الوطني، وانهيار الخدمات، وتصاعد خطاب الانفصال.

أنصار صالح يرون أن "ثورة فبراير" كانت نقطة انهيار الدولة اليمنية (غيتي- أرشيف)ما رواية أنصار صالح؟

في مقابل ذلك، يرى أنصار الرئيس الأسبق علي صالح أن "ثورة فبراير" كانت نقطة الانهيار الأساسية للدولة اليمنية. ويحمّل الناشط الإعلامي أحمد قائد الثورة وثوارها "المسؤولية المباشرة" عما لحق البلاد، قائلا إن خروجهم "ضد رئيس منتخب" فتح باب الأزمات، وكان بإمكانهم انتظار انتهاء فترته الدستورية.

ويضيف قائد للجزيرة نت أن "أصحاب فبراير" -حسب تعبيره- دعموا التمرد الحوثي في صعدة، وهو ما شجع الجماعة على التوسع نحو صنعاء.
وفي ما يتعلق بتحالف صالح مع الحوثيين لاحقا، يعترف قائد بأنه كان "تصرفا خطأ"، لكنه يعتبره نتيجة للفوضى التي تلت "ثورة فبراير"، ولضعف سلطة الرئيس حينئذ عبدربه منصور هادي وحكومة باسندوة، بحسب رأيه.

ويحمّل قائد قرار هيكلة الجيش مسؤولية تفكك المؤسسة العسكرية، ويرى أن انشقاق قائد الفرقة الأولى مدرعات حينها علي محسن الأحمر وتشكيل "جيش حماية الثورة" كان بداية انهيار منظومة الدولة.

تظل "ثورة فبراير" بين من يراها أملا انكسر، ومن يراها بذرة تغيير رغم التحديات (الفرنسية- أرشيف)هل انتهت أم ما زالت؟

ومن منظور مستقل، يرى الباحث السياسي مصطفى الجبزي أن ثورة فبراير "بهياكلها ورموزها وتشكيلاتها" تعرضت للتآكل مع الوقت، وأنها لم تعد قائمة في المشهد السياسي كما كانت.

ويقول للجزيرة نت إن التشكيلات العسكرية التي كانت محسوبة على الثورة، ومنها المنطقة العسكرية الأولى في حضرموت، "تداعَت وانتهت"، وإن اليمن اليوم يقف أمام "واقع جديد باهت" تتوزع فيه القوى السياسية بين العواصم، بعدما أضعفتها الانقسامات.

إعلان

ويشير الجبزي إلى أن الأحزاب الكبرى تفككت، فالمؤتمر الشعبي العام بات 3 كيانات، وحزب تجمع الإصلاح منقسم في قاعدته بين الداخل والخارج وفاقد جزءا كبيرا من مؤسساته. وجنوبا، حيث كان يسيطر الانتقالي إلى وقت قريب، انتهى الأمر إلى "مؤسسة عسكرية بصبغة سلفية"، وفق قوله.

ويضيف أن البلاد لم تصل بعد إلى دولة القانون والمؤسسات، وأن مؤشرات التنمية انهارت كليا، قائلا "كنا نطالب بإصلاح الدولة، فوجدنا أنفسنا نطالب بإعادة بنائها".

ما الأفق؟

وهكذا، تبدو "ثورة فبراير" اليوم كصفحة لم تُطوَ بعد من تاريخ اليمن، صفحة كُتبت بطموحات واسعة وارتطمت بواقع شديد التعقيد.

وبين من يدعو لتقييم الثورة بمسؤولية وواقعية وتجرد لمعالجة أخطائها وتجاوزها، وبين موقف متطرف منها ومن رموزها، يقف الشعب اليمني مثقلا بتداعيات نكبة الحرب التي نتجت عن الانقلاب على الشرعية في 2014، مسكونا بهموم الأمن والاستقرار المعيشي والخدمي، يترقب تشكيل الحكومة الجديدة بآمال عريضة وتفاؤل وقلق.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • تسجيل هزة ارضية في إب
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ست سنوات على اغتيال القعيطي.. أسئلة العدالة لا تزال بلا إجابة
  • تحولات الشهرة في العصر الرقمي
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • جريمة قتل ضحيتها 4 أشخاص تهز الجالية اليمنية في الولايات المتحدة الأمريكية
  • من المنهج.. «التعليم» تحدد مواصفات امتحانات الشهادة الإعدادية 2026
  • ثورة في أرسنال.. بطل الدوري الإنجليزي يعرض سبعة من لاعبيه للبيع
  • الحاجة إلى ثورة على روح الهزيمة
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش