من إيطاليا.. الأزهر يمد جسور التواصل لمسلمي أوروبا عبر سلسلة لقاءات دعوية
تاريخ النشر: 9th, February 2026 GMT
انطلقت في العاصمة الإيطالية وفي مدينة ميلانو، سلسلة من اللقاءات الفكرية والدعوية للجاليات المسلمة في إطار الدور العالمي الذي يقوم به الأزهر الشريف لترسيخ الخطاب الديني الرشيد تحت عنوان "الأزهر يجمعنا"، بهدف مد جسور التواصل بين الأزهر الشريف ومسلمي أوروبا.
وجاءت أولى هذه اللقاءات بمركز الفتح الإسلامي بمدينة لودي الإيطالية بحضور كل من الدكتور عبد المنعم فؤاد، المشرف العام على الأنشطة العلمية للرواق الأزهري، والدكتور هاني عودة، مدير عام الجامع الأزهر، والدكتور أسامة الحديدي، مدير عام مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية.
وفي كلمته، أكد الدكتور عبد المنعم فؤاد أن الإسلام جاء ليجمع المسلمين على كلمةٍ سواء، مهما اختلفت أجناسهم وأعراقهم، وهو ما يعبر عنه الخطاب القرآني في قوله تعالى: "إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ" وقد تجسد هذا المعنى بصورة عملية واضحة في مسجد رسول الله ﷺ، الذي جمع القلوب جميعًا على كلمة واحدة هي كلمة التوحيد؛ فكان يضم صهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وأبا ذر الغفاري، وعمر القرشي، وعمار بن ياسر رضي الله عنهم أجمعين، تختلف أجناسهم وتتنوع أصولهم، لكن قلوبهم اجتمعت على حب الله ورسوله.
وأشار إلى أن هذا النموذج الإسلامي في قبول التنوع نجده ماثلًا في الأزهر الشريف، الذي يحتضن أبناء العالم الإسلامي على اختلاف أوطانهم وأشكالهم وثقافاتهم، حيث يدرس في الأزهر نحو تسعين ألف طالب وافد من شتى بقاع الأرض داخل كلياته ومعاهده، ثم يعودون إلى بلدانهم رسلًا ينقلون ما تعلموه، وينشرون رسالة الأزهر الوسطية في العالم كله.
7 آلاف وجبة يوميا و37 درسا.. الجامع الأزهر يوضح خطته خلال رمضان
أئمة الهند وغانا يحضرون في دورة إعداد الداعية المعاصر بأكاديمية الأزهر
وأوضح الدكتور عبد المنعم فؤاد أن الأزهر الشريف يتبنى منهج الوسطية في كل شيء، التزاما بمنهج السماء، قال تعالى: "وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا"، لهذا استحقت الأمة الإسلامية أن تكون خير الأمم، مضيفًا أن واقع الأمة اليوم يشهد اختلاطا فكريا وتيارات متطرفة، ما يستلزم منهجا قادرًا على الاندماج في المجتمع من خلال الحوار البناء، كما دل القرآن الكريم في قوله تعالى: "وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ"، وهو نهج نبوي قائم على فتح باب الحوار دون إساءة أو إقصاء، اقتداء بسيرة الأنبياء عليهم السلام في مخاطبة المخالفين بالقول اللين والأدب الرفيع، كما في حوار موسى وهارون مع فرعون، ونوح وشعيب مع أقوامهم، رغم ما وجه إليهم من اتهامات، مؤكدًا أن أعظم ما تقدمه الأمة الإسلامية للعالم هو الأخلاق، فهي أثمن من كل الصناعات والتقنيات، وهي رسالة الإسلام التي بعث النبي ﷺ لإتمامها، لأن الإسلام وضع ضوابط وقيمًا تحفظ استقرار المجتمعات وأمنها وسلامها، وأن قوته نابعة من ذاته لا من عدده أو عدته، لذلك علينا الرجوع إلى شرع الله ومنهج النبي ﷺ لتحقيق الريادة الخلقية للأمة.
مدير الجامع الأزهر: نواجه الفكر المتطرف عبر منصات رقمية موجهة للمسلمين في المجتمعات الغربيةمن جانبه شدد الدكتور هاني عودة، مدير الجامع الأزهر، على أن الأزهر الشريف يعد اليوم حائط صد في مواجهة التيارات الفكرية المتطرفة والأفكار الهدامة التي تستهدف عقول المسلمين محليا وعالميًا، من خلال ما يقوم به من تصحيح للمفاهيم والأفكار التي تحاول هذه التيارات بثها في عقول الشباب، من خلال تأويل النصوص تأويلات غير صحيحة.
وحذر من خطورة الفئة التي تعرف "المتفيقهين" وخاصة في ظل عصر تهيمن عليه التكنولوجيا والرقمنة، حيث يطفو إلى السطح من يعلم ومن لا يعلم، مستخدمين عبارات براقة وتفسيرات قرآنية دون إدراك لعلوم الشريعة كمعرفة الناسخ والمنسوخ أو فقه مقاصد التشريع وتدرج الأحكام، وتزداد خطورة هؤلاء في المجتمعات الغربية على الشباب، لهذا السبب انفتح الأزهر على المجتمعات المختلفة من أجل أن يغلق الطريق أما هذه الفئة التي تحاول بث الأفكار الهدامة لتعزية خطاب الكراهية لأحداث انقسام بين المسلمين والمجتمعات التي يعيشون بها.
وخلال كملته استعرض مدير عام الجامع، التطور التي شهدته الأنشطة الدعوية بالجامع الأزهر ليكون الخطاب الدعوي مناسب للمسلمين على اختلاف ثقافاتهم، من خلال منصاته الموجهة للمسلمين في 69 دولة حول العالم لنشر القرآن الكريم وعلومه، فضلًا عن برامج متخصصة للطلاب الوافدين المقيمين على أرض مصر، في تخصصات الفقه والعقيدة واللغة وعلوم القرآن والحديث، معتبرا أن الأزهر الشريف على مدار تاريخه الذي يبلغ 1086 عامًا كان ولا يزال مصدر ثقة في تلقي العلوم على أيدي علمائه الأجلاء، وهو ما يجعل الإقبال على أنشطته يتزايد يوما بعد يوم.
من جهته، أشار الدكتور أسامة الحديدي، إلى الدور المحوري الذي اضطلع به الأزهر الشريف عبر تاريخه في خدمة العالم الإسلامي، وخاصة خلال الفترات التي تعرضت فيها الأمة لهجمات فكرية واضطرابات كبرى، فكان الأزهر هو الحاضنة العلمية لعلوم الإسلام، وهو دور ساهم في حفظ تراث الأمة، وهذا الدور لم ينقطع يومًا منذ أن تسلم الأزهر الشريف الراية المباركة وبدأ يقصده طلاب العلم والعلماء من شتى بقاع الأرض، والتاريخ مليء بالأسماء الكبار من العلماء الأجلاء الذين قصدوا الأزهر الشريف خلال رحلتهم العلمية، كابن حجر العسقلاني، والعز بن عبد السلام، ومحمد الخضر حسين، ولا يزال إلى يومنا هذا يحتضن ما يقرب من تسعين ألف طالب وافد من أكثر من مائة وعشرين دولة، ينهلون من علومه في معاهده وكلياته.
وبين مدير مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، أن السر في بقاء الأزهر منارة علمية شامخة، أنه يقوم على منهج يحقق التوازن بين النص الشرعي وفهم مقاصده، ويحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وهذا المنهج يجمع بين النقل والعقل، والدليل والمنهجية، مع مراعاة أحوال المجتمع، وهو ما يجعل علوم الأزهر متكاملة لا يمكن فصل بعضها عن بعض.
وأشار إلى أن الأزهر الشريف يوفد نحو ألفي مبعوث إلى قرابة تسعين دولة لنشر هذا المنهج الرشيد، كما مكن هذا المنهج الوسطي خريجوه من تحقيق إسهامات كبيرة عندما تولوا مناصب دينية وعلمية في بلدانهم، محذرًا المسلمين في الغرب من طلب الفتوى من غير المتخصصين، لأن فتواهم تكون غير منضبطة لعدم علمهم بأدوات الفهم والاستنباط، مع عدم مراعاتهم للواقع مع عدم قدرتهم على فهم الدليل في ضوء مقاصد الشريعة وكلها أمور يجب توافرها في من يتصدر للفتوى، لهذا يعمل الأزهر على إعداد الدعاة والمفتين بما يحقق مقاصد الشريعة ويراعي واقع الناس ليعيش الناس في المجتمع؛ بعيدا عن الغلو والتشدد.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الرواق الأزهري الأزهر الأزهر يجمعنا مسلمي أوروبا أن الأزهر الشریف الجامع الأزهر من خلال
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.