تتسارع حركة الملاحة في القطب الشمالي مع ذوبان الجليد، ما يفاقم انبعاثات الكربون الأسود ويصطدم بدعوات بيئية لفرض وقود أنظف وسط حسابات جيوسياسية متزايدة.

مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية وتسارع ذوبان الجليد البحري في المحيط المتجمد الشمالي، تشهد المنطقة طفرة في حركة السفن التي باتت تسلك مسارات كانت متجمدة وغير قابلة للإبحار في السابق.

وقد أدى تزايد حركة الملاحة في المحيط المتجمد الشمالي، التي حظيت باهتمام أكبر مع دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب باتجاه استحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند، إلى ثمن بيئي باهظ يتمثل في الكربون الأسود، أو السخام، المنبعث من السفن والذي يزيد من وتيرة ذوبان الجليد. وتدعو عدة دول، خلال اجتماعات تعقد هذا الأسبوع مع هيئات تنظيم الملاحة الدولية، إلى إلزام السفن في القطب الشمالي باستخدام وقود أنظف يقلل التلوث. فإن الأنهار الجليدية وطبقات الثلج والجليد المغطاة بالسخام المنبعث من السفن تفقد جزءا كبيرا من قدرتها على عكس أشعة الشمس، فتُمتَص الحرارة بدلا من ذلك، ما يسهم في جعل القطب الشمالي أسرع منطقة احترارا على سطح الأرض. ويؤثر ذوبان الجليد البحري في القطب الشمالي بدوره في أنماط الطقس حول العالم. وتقول سيان برايور، كبيرة المستشارين في "تحالف القطب الشمالي النظيف"، وهو ائتلاف من منظمات غير ربحية معنية بالمنطقة والملاحة البحرية: "نجد أنفسنا في حلقة مفرغة من الاحترار المتزايد باستمرار. نحن بحاجة إلى تنظيم الانبعاثات، ولا سيما الكربون الأسود، فكلاهما غير خاضع لأي تنظيم في القطب الشمالي".

Related خلافًا للتوقعات العالمية.. دراسة تحذّر من انخفاض مستوى البحر حول غرينلاند

وفي ديسمبر، اقترحت فرنسا وألمانيا وجزر سليمان والدنمارك أن تلزم المنظمة البحرية الدولية السفن التي تبحر في مياه القطب الشمالي باستخدام "الوقود القطبي"، وهو وقود أخف ويطلق تلوثا كربونيا أقل من أنواع وقود السفن السائدة المعروفة باسم الوقود المتبقي. ويتضمن المقترح خطوات يتعين على الشركات اتخاذها للامتثال له، ويحدد نطاقه الجغرافي ليشمل جميع السفن التي تبحر شمال خط العرض 60. وكان منتظرا عرض المقترح هذا الأسبوع على لجنة الوقاية من التلوث والتصدي له التابعة للمنظمة البحرية الدولية، وربما على لجنة أخرى في أبريل. أما الحظر المفروض منذ 2024 على استخدام نوع من الوقود المتبقي يُعرف باسم زيت الوقود الثقيل في القطب الشمالي، فلم يكن له حتى الآن سوى تأثير محدود، بسبب الثغرات جزئيا.

مخاوف التلوث من الملاحة تطغى عليها الحسابات الجيوسياسية

تجري الجهود الرامية إلى خفض انبعاثات الكربون الأسود، الذي أظهرت الدراسات أن تأثيره في الاحترار يفوق تأثير ثاني أكسيد الكربون بألف وستمئة مرة على مدى عشرين عاما، في وقت تتصادم فيه المصالح دوليا وبين الدول المطلة على القطب الشمالي نفسها. ففي الأشهر الأخيرة، أثارت تصريحات ترامب المتكررة عن ضرورة "امتلاك" غرينلاند لتعزيز أمن الولايات المتحدة سلسلة من القضايا، من سيادة غرينلاند وصولا إلى مستقبل حلف شمال الأطلسي. أما التلوث والقضايا البيئية الأخرى في القطب الشمالي فانتقلت إلى مرتبة ثانوية. وإضافة إلى ذلك، عارض ترامب، الذي وصف التغير المناخي بأنه "خدعة"، السياسات العالمية الرامية إلى مكافحته، إذ كان من المتوقع العام الماضي أن تعتمد المنظمة البحرية الدولية لوائح جديدة تفرض رسوما على انبعاثات الكربون من قطاع الشحن، وهي خطوة قال مؤيدوها إنها كانت ستدفع الشركات إلى استخدام وقود أنظف والتحول إلى الأساطيل الكهربائية حيثما أمكن. لكن ترامب تدخّل وضغط بقوة على الدول للتصويت بالرفض، ونتيجة لذلك، جرى تأجيل الإجراء لعام واحد، وبات مستقبله، في أحسن الأحوال، غامضا، ما يجعل من الصعب تصور إحراز المنظمة البحرية الدولية تقدما سريعا في المقترح الحالي للحد من الكربون الأسود في القطب الشمالي.

Related البطاريق تقدم موسم التكاثر: لماذا يقلق العلماء؟

وحتى داخل دول القطب الشمالي نفسها، الأكثر تأثرا بالكربون الأسود وغيره من ملوثات الملاحة، تبرز توترات داخلية حول مثل هذه اللوائح. وتُعد آيسلندا مثالا واضحا على ذلك؛ فمع أن البلاد تُعد رائدة عالميا في التقنيات الخضراء مثل احتجاز الكربون واستخدام الطاقة الحرارية في التدفئة، يقول نشطاء الحفاظ على البيئة إن تقدمها أبطأ بكثير في تنظيم التلوث في بحارها، وذلك لأن قطاع الصيد، وهو من أهم قطاعاتها الاقتصادية، يتمتع بنفوذ كبير. ويقول آرني فينسون، رئيس مجلس إدارة "جمعية حماية الطبيعة في آيسلندا": "هذه الصناعة راضية عن الأرباح، متذمرة من الضرائب، وغير منخرطة في قضايا مثل المناخ أو التنوع البيولوجي". ويضيف فينسون أن تكاليف استخدام وقود أنظف أو تحويل الأساطيل إلى الكهرباء كانت بدورها سببا في مقاومة التغيير. ويتابع: "أعتقد أن الحكومة بدأت تستيقظ، لكنها ما زالت تنتظر حتى تقول صناعة الصيد نعم". ولم تتخذ البلاد بعد موقفا من مقترح الوقود القطبي المطروح. وقالت وزارة البيئة والطاقة والمناخ في آيسلندا، في بيان، إن المقترح "إيجابي من حيث هدفه ومضمونه الأساسي"، لكنها شددت على الحاجة إلى مزيد من الدراسة، مضيفة أن آيسلندا تؤيد اتخاذ تدابير أكثر صرامة للتصدي لانبعاثات قطاع الشحن وتقليل الكربون الأسود.

ارتفاع حركة السفن في القطب الشمالي وانبعاثات الكربون الأسود معا

وتزايد تلوث السخام في القطب الشمالي مع تكثيف سفن الشحن وقوارب الصيد، بل وحتى بعض سفن الرحلات السياحية، إبحارها في المياه التي تربط أقصى شمال آيسلندا وغرينلاند وكندا وروسيا والنرويج وفنلندا والسويد والولايات المتحدة. وبين عامي 2013 و2023، ارتفع عدد السفن التي دخلت المياه الواقعة شمال خط العرض 60 بنسبة 37 في المئة، بحسب مجلس القطب الشمالي، وهو منتدى حكومي دولي يضم ثماني دول لها أراض في المنطقة. وخلال الفترة نفسها، زادت المسافة الإجمالية التي قطعتها السفن في القطب الشمالي بنسبة 111 في المئة. كما ارتفعت انبعاثات الكربون الأسود نفسها؛ ففي عام 2019، أطلقت السفن الواقعة شمال خط العرض 60 ما يقدَّر بـ 2.696 طن من الكربون الأسود، مقارنة بـ 3.310 طن في عام 2024، وفقا لدراسة أعدّتها "جمعية أبحاث الطاقة والبيئة"، التي خلصت إلى أن قوارب الصيد هي أكبر مصدر لهذه الانبعاثات.

Related تغيّر المناخ يضرب مدينة البندقية: كائنات خطرة باتت تتواجد في البحرية؟

وأظهرت الدراسة أيضا أن الحظر المفروض في 2024 على زيت الوقود الثقيل لن يؤدي إلا إلى خفض طفيف في الكربون الأسود، إذ تسمح الإعفاءات والاستثناءات لبعض السفن بمواصلة استخدامه حتى عام 2029. وترى المنظمات البيئية والدول المعنية أن تنظيم نوع الوقود المستخدم في السفن هو السبيل الواقعي الوحيد لخفض الكربون الأسود، إذ يكاد يكون من المستحيل إقناع الدول بالحد من حركة الملاحة نفسها، نظرا لجاذبية الصيد واستغلال الموارد وتقليص مسافات الشحن؛ فبإمكان السفن أن توفّر أياما من الرحلة في بعض المسارات بين آسيا وأوروبا بالإبحار عبر القطب الشمالي. ومع ذلك، فإن المسار المعروف باسم "الممر البحري الشمالي" لا يكون صالحا للإبحار سوى بضعة أشهر من العام، وحتى في تلك الفترة يتعيّن على السفن أن ترافقها كاسحات جليد. وقد دفعت هذه المخاطر، إلى جانب المخاوف من التلوث في القطب الشمالي، بعض الشركات إلى التعهد بالابتعاد عن المسار، على الأقل في الوقت الراهن. وكتب سورين توفت، الرئيس التنفيذي لشركة "الملاحة البحرية المتوسطية"، وهي أكبر شركة لشحن الحاويات في العالم، في منشور على "لينكدإن" الشهر الماضي: "النقاش الدائر حول القطب الشمالي يزداد سخونة، والملاحة التجارية جزء من هذا النقاش. وموقفنا في "إم إس سي" واضح: نحن لا نستخدم "الممر البحري الشمالي" ولن نستخدمه".

انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة

المصدر

المصدر: euronews

كلمات دلالية: إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل إيران غرينلاند إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل إيران غرينلاند القطب الشمالي فنلندا دونالد ترامب مصادر الطاقة الأحفورية تلوث الشحن البحري إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل بنيامين نتنياهو الشتاء النزاع الإيراني الإسرائيلي إيلون ماسك النفط حكومة السفن فی القطب الشمالی البحریة الدولیة ذوبان الجلید السفن التی

إقرأ أيضاً:

راغب علامة يفتح الصندوق الأسود في “منا وفينا”

يترقّب الجمهور العربي واحدة من أبرز الحلقات الحوارية هذا الموسم، مع حلول السوبرستار راغب علامة ضيفاً على برنامج “منا وفينا” الذي تقدّمه الإعلامية هبة حيدري عبر شاشة ومنصة “المشهد”، في لقاء استثنائي يجمع بين الصراحة والعمق الإنساني والكشف عن محطات مفصلية من حياته ومسيرته الفنية.

وأثار البرومو الخاص بالحلقة موجة واسعة من التفاعل على مختلف منصات التواصل الاجتماعي فور إطلاقه، حيث وصفه المتابعون بـ”اللقاء المنتظر”، نظراً لما يتضمّنه من تصريحات مباشرة وجريئة، ولأنه يأتي بعد فترة طويلة من الابتعاد النسبي لراغب علامة عن الحوارات الإعلامية المطوّلة.

ادعيلي أنا تعبانة أوي.. التيك توكر موكا يكشف كواليس الساعات الأخيرة في حياة سهام جلالصبري فواز يبحث عن أصل المصريين في ثاني حلقات برنامج إيه بقى؟

وخلال الحلقة، يفتح راغب علامة قلبه للجمهور ويتحدّث بصراحة عن محطات النجاح والتحديات التي رافقته على امتداد مشواره الفني، كما يتناول مفهوم النضج وتقدّم العمر من منظور مختلف، كاشفاً عن أسرار الاستمرارية والحفاظ على المكانة الجماهيرية في عالم الفن لعقود متتالية.

اللقاء لا يقتصر على الجانب الفني فحسب، بل يمتد إلى محاور إنسانية وشخصية عميقة، يشارك خلالها علامة رؤيته للحياة والشهرة والعلاقات، في حوار يتوقع أن يحمل العديد من العناوين التي ستشغل الرأي العام الفني والإعلامي.

من جهتها، برزت هبة حيدري في البرومو بحضورها الواثق وأسلوبها الحواري المتزن، حيث بدت متمكنة من إدارة حوار مع واحد من أبرز نجوم العالم العربي. وقد نجحت في تقديم نموذج حواري يجمع بين الجرأة والاحترام، وبين الوصول إلى التفاصيل الإنسانية والحفاظ على إيقاع مهني راقٍ.

حلقة تعد بالكثير من المفاجآت والكشف عن جوانب غير معروفة من حياة السوبرستار، ما يجعلها واحدة من أكثر الحلقات المرتقبة، والتي تُعرض السبت المقبل عبر شاشة ومنصة المشهد.

طباعة شارك راغب علامة هبة حيدري الفنان راغب علامة

مقالات مشابهة

  • راغب علامة يفتح الصندوق الأسود في “منا وفينا”
  • ناسا تكشف عن خططها لإنشاء أول قاعدة لها على سطح القمر
  • بمناسبة اليوم العالمي للبيئة.. بحث آفاق تخزين الكربون عبر المانجروف بالبحر الأحمر
  • برنامج الأغذية العالمي: النزوح في لبنان يفاقم انعدام الأمن الغذائي
  • غارات إسرائيلية استهدفت البرج الشمالي.. وسقوط جرحى
  • وزير الدفاع الأمريكي يستبعد ضابطات وأقليات من ترقيات البحرية ويثير جدلاً واسعاً
  • وزيرة التنمية تفتتح وحدة التدخل المبكر في لواء المزار الشمالي
  • أوكرانيا تضع الملاحة البحرية الدولية في البحر الأسود تحت التهديد
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • قراصنة يستولون على ناقلة نفط قبالة الساحل الشمالي الشرقي للصومال