كيف يخفي الهدوء الظاهري تشققات اقتصادية عميقة؟
تاريخ النشر: 10th, February 2026 GMT
على الرغم من أن الاقتصاد العالمي أبدى مرونة لافتة في مواجهة حرب الرسوم الجمركية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتحديات أخرى قاسية، فإن تشققات بدأت تظهر في الأسس التي يقوم عليها. ويكشف تحديث أكتوبر 2025 لمؤشر «تيغر» الصادر عن معهد بروكينغز وصحيفة فايننشال تايمز، الذي يتتبع مسارات التعافي الاقتصادي العالمي، عن مشهد يبدو مستقرا من بعض الزوايا، ومضطربا من زوايا أخرى؛ إذ تتراجع ثقة الأسر والشركات تحت وطأة عدم اليقين بشأن سياسات التجارة، والاضطرابات السياسية في دول كثيرة، والتقلبات الجيوسياسية.
فالاقتصادات المتقدمة ترزح تحت ديون متصاعدة، وشيخوخة سكانية، وانسداد سياسي، في حين تواجه الاقتصادات الناشئة ضغوطا متزايدة رغم استفادتها الجزئية من ضعف الدولار، الذي خفف من كلفة التمويل. كما أن رسوم ترامب الجمركية، والنزعة الحمائية التي أطلقتها، تُحدث تموجات في أسواق العمل وتضعف الطلب الاستهلاكي في أنحاء العالم، فتعمّق نقاط الضعف الهيكلية في الاقتصادات المعتمدة على التجارة. وفي المقابل، تواصل الأسواق المالية التقدم، بعد أن تجاوزت صدمتها الأولى من سياسات واشنطن التجارية المتقلبة، إذ تسجل مؤشرات الأسهم في مختلف أنحاء العالم مستويات قياسية، حتى مع تراجع آفاق النمو.
وفي الولايات المتحدة، دعمت أسعار الأسهم موجة التفاؤل بشأن المكاسب المحتملة للذكاء الاصطناعي. غير أن التوسع الاقتصادي الأمريكي بدأ يفقد زخمه، مع ما تسببه السياسات الاقتصادية المتقلبة لإدارة ترامب، وإجراءات إنفاذ قوانين الهجرة القاسية، وتقليص الإنفاق الاجتماعي، من آثار سلبية على النمو والتوظيف. وبرغم أن احتمال دخول الاقتصاد الأمريكي في ركود ما يزال منخفضا، فإن المؤشرات الإجمالية لسوق العمل، التي كانت تخفي في السابق ضعفا في قطاع التصنيع، باتت أقل متانة مما كانت عليه قبل أشهر. ولا يزال التضخم تحت السيطرة حتى الآن، غير أن ذلك سيتغير عندما تعجز الشركات عن امتصاص كلفة الرسوم الجمركية وتضطر إلى تحميلها للمستهلكين. كما أن هامش المناورة لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يتقلص في ظل ارتفاع التضخم، وتراجع قوة سوق العمل، والضغوط السياسية العلنية لخفض أسعار الفائدة.
وفي منطقة اليورو، تتعثر الاقتصادات الأساسية، مع مواجهة ألمانيا احتمال عام ثالث على التوالي من الانكماش. فالاقتصاد الألماني يعاني فقدان القدرة التنافسية في التصنيع ونقص المهارات، فيما لم تفلح عودة الإنتاج الصناعي في وقف تراجع الوظائف أو تحفيز الإنفاق الخاص. وفي الوقت نفسه، تقف فرنسا على حافة أزمة مالية بسبب الإفراط في الإنفاق العام، بينما تعرقل الاضطرابات السياسية تنفيذ الإصلاحات الضرورية.
ومع ذلك، هناك بعض النقاط المضيئة. فدول جنوب أوروبا، ولا سيما إيطاليا وإسبانيا واليونان، واصلت تحسين أوضاعها المالية والاستفادة من أداء قوي في قطاع الخدمات ونمو الأجور. وفي أماكن أخرى، سجّل النمو في المملكة المتحدة حالة جمود، في وقت تكافح فيه حكومة حزب العمال المثقلة بالأعباء لمعالجة ارتفاع تكاليف المعيشة وضغوط الخدمات العامة، ما أضعف الثقة. وفي اليابان، دفعت زيادة التضخم إلى تحول في السياسة النقدية نحو التشدد، رغم أخطار تباطؤ الطلب العالمي وعدم اليقين الذي تخلقه الرسوم الجمركية لاقتصادها القائم على التصدير. أما كوريا الجنوبية، فهي تواجه بالفعل ضعف الطلب المحلي، وقد تتضرر صادراتها قريبا إذا فُرضت رسوم مرتفعة على السيارات والرقائق الإلكترونية.
وحافظ الاقتصاد الصيني على نمو إجمالي مستقر، غير أن هذا التوسع بات أكثر اختلالا. فقد أدى ضعف شهية الاستهلاك لدى الأسر والمنافسة الشرسة بين الشركات، المعروفة بظاهرة «الانغماس الداخلي»، إلى ضغوط انكماشية مستمرة، حتى مع استمرار نمو الصادرات إلى أسواق غير أمريكية بوتيرة سريعة. وبرغم أن حملة الحكومة الصينية للحد من «الانغماس الداخلي» تهدف إلى كبح المنافسة المدمرة لأرباح الشركات، فإنها لم تترافق مع حوافز أو إصلاحات تعزز الطلب الاستهلاكي. وارتفعت أسواق الأسهم الصينية بقوة، مدفوعة بطفرة في الذكاء الاصطناعي وإجراءات حكومية لتشجيع المستثمرين الأفراد على دخول السوق، غير أن سوق الإسكان لا تزال تتفكك وتضغط على ثقة القطاع الخاص.
ويواصل الاقتصاد الهندي تحقيق نمو قوي بفضل قاعدة استهلاكية حضرية متماسكة ومستويات مرتفعة من الاستثمار الصناعي. وقد أتاح تراجع التضخم وانضباط السياسة المالية مجالا لتيسير نقدي عند الحاجة لدعم النمو. غير أن تحدي صناعة الوظائف للشباب في قوة العمل المتنامية ازداد حدة بعد الاضطرابات المفاجئة وغير المتوقعة في العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والهند، ما قد يكون قد أضعف جاذبية الهند لدى المستثمرين الأجانب.
وفي الوقت نفسه، أضعفت النفقات العسكرية المتصاعدة وتراجع أسعار الطاقة آفاق النمو في روسيا، بعد سنوات نجحت فيها في الصمود أمام العقوبات الغربية. أما اقتصادات أمريكا اللاتينية الناشئة، فما زالت تكافح معدلات نمو منخفضة وعجوزات كبيرة في الحساب الجاري. فالاقتصاد البرازيلي يتباطأ بفعل تراجع الاستهلاك والاستثمار، في حين أدت صادرات مرنة وتضخم أقل حدة إلى دعم توسع متواضع في المكسيك، غير أن ضعف الاستثمار وعدم اليقين السياسي والتعرض لمخاطر الرسوم الأمريكية قلّصت زخم النمو.
وخلاصة القول إن النمو الاقتصادي، رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية وحالة عدم اليقين الهائلة، ظل مستقرا بشكل غير متوقّع في معظم أنحاء العالم. غير أن تباطؤ النمو، ولو بشكل معتدل، سيزيد من صعوبة تجاهل المشكلات الهيكلية التي كانت تتراكم تحت السطح. وفي الوقت الراهن، يوحي التباين بين آفاق النمو وأداء أسواق الأسهم بصورة أكثر هدوءا، ربما مدعومة بالإمكانات التحويلية للذكاء الاصطناعي وبأمل انحسار عدم اليقين التجاري، حتى لو استقرت الحواجز الجمركية عند مستويات أعلى مما كانت عليه قبل عهد ترامب.
وينبغي لصنّاع السياسات استغلال هذه الفترة من الهدوء النسبي لدفع الإصلاحات والسياسات المنضبطة قدما، بما يعزز قدرة اقتصاداتهم على الصمود في وجه تقلبات أكبر يولدها تفكك النظام الدولي القائم على القواعد.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: غیر أن
إقرأ أيضاً:
حيلة المناشف وقميص ميسي.. تفاصيل العملية التي أطاحت بشبكة الـ 32 مليون دولار
صادرت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية أكثر من 445 ألف قطعة مقلدة مرتبطة بكأس العالم 2026، بينها قمصان كرة قدم، خلال عمليات أمنية نُفذت في أنحاء البلاد بالتزامن مع البطولة، فيما قدرت الخسائر التي تكبدتها الصناعة بسبب هذه التجارة غير المشروعة بنحو 32 مليون دولار.
وقبيل المباراة النهائية التي أقيمت على ملعب "ميتلايف" في نيوجيرسي، أطلقت السلطات الأميركية عملية حملت اسم "صافرة النهاية"، استهدفت بيع وتوزيع المنتجات المقلدة بصورة غير قانونية.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2الفيفا يبرئ الجزائر والنمسا في تقرير الـ 104 مبارياتlist 2 of 2لامين جمال وهالاند يتصدران قائمة أغلى لاعبي العالم بعد مونديال 2026end of listوكان قميص النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي الأكثر حضورًا بين المضبوطات.
وقال فرانك روسو، مدير العمليات الميدانية في مكتب الجمارك وحماية الحدود الأميركي بنيويورك، في تصريحات لصحيفة "ذا أتلتيك": "إنه ميسي. لقد شاهدنا الكثير من قمصان ميسي، خصوصًا مع المستوى الرائع الذي قدمه. نضبط قمصان مختلف اللاعبين، لكن الأكثر شعبية هم الأكثر حضورًا".
وفي الأكشاك المؤقتة المنتشرة قرب المناطق السياحية المحيطة بميدان "تايمز سكوير"، كانت قمصان الأرجنتين تُباع مقابل 30 إلى 40 دولارًا، مقارنة بنحو 110 دولارات للنسخ الرسمية من شركة أديداس. ومع تجمع المشجعين الأرجنتينيين في المنطقة قبل النهائي وبعد خسارة منتخب بلادهم، كان قميص ميسي رقم 10 الأكثر رواجًا.
وأقر العديد من المشجعين، عندما سألتهم الصحيفة عن قمصانهم، بأنها نسخ مقلدة منخفضة السعر، اشتروها داخل الولايات المتحدة أو عبر الإنترنت.
وفي نيويورك وحدها، أسفرت عمليات ضبط 2000 طرد وتفتيش 1400 رحلة جوية وشحنة بضائع عن مصادرة 65 ألف قطعة.
وفي المدن الأمريكية الـ11 المستضيفة لمباريات البطولة، نفذت جهات إنفاذ قانون أخرى، بينها المركز الوطني لتنسيق حقوق الملكية الفكرية، مداهمات استهدفت الأكشاك المحيطة بالملاعب ومراكز المدن، ضمن عملية حملت اسم "اللاعب الجماعي".
إعلانوأسفرت العمليات عن ضبط كميات كبيرة، من بينها 16 ألف قطعة في ميامي و12 ألفًا في هيوستن، إضافة إلى 16 ألف قطعة أخرى في تورونتو الكندية، إحدى المدن المستضيفة للبطولة.
وقال روسو: "كما يحدث مع سوبر بول، نشهد دائمًا زيادة هائلة في عدد هذه الشحنات ليس فقط قبل المباراة النهائية، بل حتى بعد نهايتها".
حيلة "المناشف"وفي إحدى الشحنات التي أثارت انتباه المحققين، أظهرت بيانات الحمولة أن محتوياتها لا تتجاوز المناشف، لكن عملية التفتيش كشفت عن حقيقة مختلفة تمامًا، إذ عثر المحققون على أكثر من 2000 قطعة من المنتجات المقلدة، بينها قمصان كرة قدم مرتبطة بالبطولة.
وتكشف هذه الواقعة عن الأساليب التي تلجأ إليها شبكات تهريب المنتجات المقلدة لإخفاء طبيعة بضائعها وتضليل عمليات التفتيش الجمركي، من خلال تسجيل محتويات الشحنات على أنها سلع عادية لا تثير الشبهات.
وتزداد صعوبة التصدي لهذه التجارة بالنظر إلى حجم تدفق هذه المنتجات إلى السوق الأميركية، إذ تشير البيانات إلى أن ما بين 60 و70% من السلع المقلدة التي تصل إلى الولايات المتحدة عبر الشحن الجوي والبحري مصدرها الصين وهونغ كونغ، اللتان تُعدان من أبرز مراكز تصنيع قمصان كرة القدم المقلدة في العالم.
وتستغل هذه الشبكات الطلب الكبير على قمصان المنتخبات والنجوم، خصوصًا خلال البطولات الكبرى، لطرح نسخ أرخص من القمصان الرسمية، مستفيدة من فارق الأسعار لجذب المشجعين، قبل إدخال هذه المنتجات إلى الأسواق عبر شحنات قد تُسجل أحيانًا تحت أوصاف لا تعكس محتوياتها الحقيقية.
وأكدت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية أن هدفها لا يقتصر على حماية حقوق الملكية الفكرية، بل يشمل أيضًا حماية الأمن الاقتصادي ومنع وصول عائدات هذه التجارة إلى "أيدي المنظمات الإجرامية" أو الجهات المستفيدة من العمل القسري.
وأقر روسو بصعوبة إقناع المشجعين الذين يرون أن أسعار القمصان الرسمية مرتفعة، قائلاً إن السلطات بحاجة إلى بذل جهد أكبر لتوعية الجمهور بالمخاطر، ومنها إمكانية استخدام عائدات تجارة المنتجات المقلدة في تمويل أنشطة تتراوح بين الإرهاب وغسل الأموال وغيرها من الجرائم.