واصل وفد الأزهر الشريف لليوم الثالث على التوالي، لقاءاته الفكرية مع الجاليات المسلمة في إيطاليا من مركز "سندوناتو" بمدينة ميلانو الإيطالية، ضمن سلسلة لقاءات تحت عنوان "الأزهر يجمعنا"، في إطار دوره العالمي لترسيخ الخطاب الديني الرشيد ومد جسور التواصل مع مسلمي أوروبا.

ضم وفد الأزهر كلا من الدكتور عبد المنعم فؤاد، المشرف العام على الأنشطة العلمية للرواق الأزهري، والدكتور هاني عودة، مدير عام الجامع الأزهر، والدكتور أسامة الحديدي، مدير مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية.

وفي كلمته، أكد الدكتور عبد المنعم فؤاد أن الإسلام أقام ميزان التفاضل بين الناس على أساس العمل والتقوى، لا على العرق أو اللون أو الانتماء، قال النبي ﷺ: "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى"، وهذا المبدأ يمثل إحدى الركائز للدين الإسلامي الذي يقوم على احترام الكرامة الإنسانية، وترسيخ قيم المساواة والتعايش، ونبذ كل أشكال التمييز والعنصرية.

وقال: “وانطلاقًا من هذا الفهم، نجد الخطاب الإسلامي يعزز من ثقافة قبول الآخر، بما يسهم في بناء مجتمعات متماسكة، خاصة في البيئات متعددة الثقافات كالمجتمعات الأوربية، وهذا المبدأ يحصن المسلمين من الأفكار التي تتخذ من الاختلاف ذريعة للفرقة أو الصدام”.
 

حكماء المسلمين: أي إجراءات أو تغييرات من الاحتلال في الأراضي الفلسطينية باطلةوفد "جامعة مركز الثقافة السنية" يبدأ دورة في أكاديمية الأزهر للتدريب

وأضاف المشرف العام على الأنشطة العلمية للرواق الأزهري أن الدور الريادي للمسلمين في كل مكان وزمان يتمثل في تصدير الأخلاق الحسنة والصفات النبيلة التي جسدها الرسول الكريم ﷺ، مشدداً على أن المسلم في بلاد الغرب هو سفير لدينه من خلال خلقه الرفيع وسلوكه الإيجابي، ما يعكس صورة مشرقة عن الإسلام.

وأوضح أن رسالة "الأزهر يجمعنا" ليست مجرد شعار، بل هي دعوة عملية لتعزيز المحبة والتآخي والتعاون الإنساني، وتغليب القيم المشتركة التي تجمع بين البشر بغض النظر عن اختلافاتهم الثقافية والدينية، لتكون نموذجاً حيًا للتعايش السلمي والإسهام في بناء مجتمع عالمي أكثر عدلاً وسلامًا.

من جانبه، أوضح الدكتور هاني عودة أن الصحابة الكرام نقلوا عن النبي ﷺ القرآن والسنة، واجتهدوا في فهم النصوص، مستندين إلى الأدوات العلمية لفهم الدليل، فتوصلوا إلى الإجماع والقياس، وأسسوا الأركان اللازمة لذلك، ومع توسع رقعة الإسلام واختلاط الثقافات واللغات، أصبح من الضروري تأصيل العلوم الشرعية، فظهرت مؤلفات في العقيدة والفقه والحديث والتفسير واللغة العربية، بما يخدم فهم النصوص وتطبيقها، وهذا هو الأساس الذي شكل المنهج الذي يقوم عليه الأزهر الشريف، في تعليم العلوم الشرعية والعربية لطلابه على يد علمائه الثقات، وهو ما يجعل خريجي الأزهر قادرين على نقل القيم الإسلامية إلى مجتمعاتهم، بما يعكس رسالة الإسلام السمحة ويحصن المسلمين من الانحراف الفكري أو التطرف.

وأكد الدكتور هاني عودة أن رسالة الإسلام السمحة تجمع بين العلم والعمل والأخلاق، وهو ما أسهم في ظهور ثقافة الاختلاف والتسامح والانفتاح على الآخر، وهذه الرؤية تتجسد بوضوح في الأسس التي قامت عليها أكاديمية الأزهر العالمية لتأهيل الأئمة والدعاة، من خلال إعداد أجيال من العلماء والدعاة القادرين على نقل القيم الإنسانية الإسلامية إلى كل مكان، ليكونوا نموذجًا حيًا في التعايش السلمي، وإرساء دعائم العدالة والمساواة، وتعزيز الحوار بين الثقافات والأديان، ونشر قيم الوسطية التي تحمي المجتمعات من التطرف والانحراف، كما تؤكد هذه الجهود للعالم أن رسالة الإسلام رسالة سلام ورحمة وخير للبشرية جمعاء، وأن الأزهر سيظل منارة للعلم والاعتدال والتواصل الحضاري بين الشعوب.

كما أوضح الدكتور أسامة الحديدي أن رسالة الأزهر لا تقتصر على التعليم فحسب، بل تمتد لتشمل ضبط الخطاب الديني وحماية المجتمع من الأفكار المتطرفة والمغلوطة، وقد تجسدت هذه الرؤية عمليا من خلال مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، الذي يعتمد في منهجه على التوازن بين الأدلة الشرعية الصحيحة، وفهم السياقات المختلفة للمستفتيين، مع الالتزام بالقيم، بما يسهم في تقديم فتوى موثوقة، بما يتوافق مع مبادئ الشريعة السمحة، ويعزز الوسطية والاعتدال في المجتمع. 

وبين الدكتور أسامة الحديدي أن الأزهر الشريف يقدم خدمة الفتاوى باستخدام أدوات علمية حديثة تتناسب مع متطلبات العصر، ويتيح للمسلمين في مختلف أنحاء العالم الوصول إلى مرجعية شرعية موثوقة بسرعة وسهولة، خاصة في ظل انتشار الفتاوى المتعددة والآراء من غير المتخصصين الذين طوعوا النصوص الدينية لأهوائهم الشخصية، مشددًا على أن الفتوى المنضبطة تمثل أداة لإصلاح الفرد والمجتمع على حد سواء، لأنها توجه المسلم نحو تطبيق الحكم الشرعي الصحيح في كل شيء في حياته.

طباعة شارك وفد الأزهر الجامع الأزهر الرواق الأزهري إيطاليا

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: وفد الأزهر الجامع الأزهر الرواق الأزهري إيطاليا وفد الأزهر أن رسالة

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • وزير الأوقاف: حرية الاعتقاد مبدأ راسخ في الإسلام
  • الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة
  • خالد الجندي: النبي علّمنا الرحمة حتى مع المسيء.. و”العنف الأسري” ليس من هدي الإسلام
  • توقعات بتصدر باكستان قائمة أكبر الدولة المسلمة بحلول 2030.. ماذا عن الدول العربية في القائمة؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟