آلاء حسانين: الغربة لم تكسرنى.. بل منحتنى صوتى
تاريخ النشر: 10th, February 2026 GMT
في كل بلد وجد ً بيتا ومنفي
أكتب من المنفي ً لأصنع وطنا لايصادر.ُ لم ي ّشجعني أحد... والكتابة كانت مسألة حياة او مات
المبدعون المهاجرون ليسوا عابرين للأمكنة فقط، بل هم حملة ذاكرة تتحرك، وأرواح تعيد تشكيل ذاتها كلما لامست أرضاً جديدة. يشبهون الطير المسافر الذى لا يفقد اتجاهه مهما ابتعد، لأن البوصلة الحقيقية مزروعة فى داخله.
«أدباء فى المهجر» مساحة للاحتفاء بأصوات كتبت من المنفى دون أن تفقد جذورها، وأبدعت فى الهامش لتصنع مركزها الخاص. إنها شهادات على أن الإبداع، حين يهاجر، لا يضيع… بل يتكاثر، ويجد لنفسه سماءً أوسع للتحليق.
آلاء حسانين الشاعرة والكاتبة المصرية؛ ولدت فى القاهرة ونشأت فى السعودية وتعيش اليوم فى فرنسا، هى تجربة حياة امتدت بين ثقافات وأماكن متعددة، لتصنع من الغربة والانتقال مادة خصبة لإبداعها الشعرى والقصصى. منذ ميلادها، رسمت لنفسها حضوراً أدبياً متفرداً، يمزج بين العمق الإنسانى والدقة اللغوية، بين الشعر والقصص القصيرة والصحافة الثقافية، لتصبح صوتاً يعكس الحساسية والفكر والتأمل فى تفاصيل الحياة اليومية والمصائر الإنسانية. فى أعمالها مثل «يخرج مرتجفاً من أعماقه» و«العهد الجديد كلياً»، نجد رحلة الإنسان بين الغربة والحنين، بين الهوية والانتماء، حيث يتحول الألم الشخصى إلى تجربة فنية عامة يلتقطها القارئ ويعيشها. كان فوزها بجائزة اليونسكو للشعر فى باريس وهى فى التاسعة عشرة من عمرها، بمثابة اعتراف عالمى بنضج صوتها الشعرى مبكراً، وبقدرتها على تقديم الشعر ليس مجرد كلمات، بل نافذة على العالم من خلال رؤية ثقافية وإنسانية عميقة.
هذا الحوار يسعى لاستكشاف تجربة الغربة فى حياة الكاتبة آلاء حسانين، وكيف انعكست على كتاباتها، وكيف تصنع من الشعر والقصص القصيرة مرآة للهوية والانتماء، وتجربة ثقافية وإنسانية مشتركة تصل إلى القارئ فى كل مكان.
ما الذى أحضرته آلاء حسانين فى حقيبتها من الوطن الأم إلى الوطن البديل؟
وضعت فى حقيبتى كل الدفاتر التى كتبت فيها الشعر خلال حياتى. تركت كل شىء، و اصطحبت فقط دفاترى هذه، وبعض الملابس، ونسخة من القرآن والإنجيل وكتاب الأمير الصغير.
من شجعك على الاستمرار؟ وهل واجهت صعوبات فى البدايات؟
لأكون صادقة، لم يشجعنى أحد، بل فى مرحلة من حياتى كنت أكتب لى «سراً»، أحياناً بعدما يذهب الجميع. وأتذكر مرة فى طفولتى وقع دفتر الشعر فى يد أحد الأقرباء، وبدأوا بقراءة ما كتبته بصوت مرتفع وبسخرية منى ومنه، كنت قد كتبت عن أستاذة تسلطت علىَّ لفترة؛ فوصفتها بالبقرة، كان النص مضحكاً وطفولياً، لكنهم صنعوا منه موضوعاً للسخرية لوقت طويل. مرة أخرى، ورغم أنى خبأت الدفتر جيداً هذه المرة، غير أنى وجدته ممزقاً، ولم أعرف من فعل ذلك، أحزننى ذلك كثيراً وقتها، وحتى الآن.
على كل، حتى عندما بدأت أنشر ما أكتبه بعد ذلك على الإنترنت، رافقت هذه الخطوة العديد من الانتقادات، ربما لأننى كنت أكتب بجرأة لم يتقبلها محيطى فى ذلك الوقت، لكنى لم أهتم، كان الأمر مسألة حياة أو موت بالنسبة لى، أردت أن يصبح صوتى عالياً، حيث كانت الكتابة هى المساحة الوحيدة الحرة فى حياتى فى ذلك الوقت، وأحياناً كنت أشعر بأننى لن أنجو، لذلك أردت أن أترك شيئاً خلفى. عموماً، تغير كل شىء الآن، المساحة الصغيرة والحرة فى حياتى التى خلقتها بسبب الشعر، توسعت وتمددت حتى صارت كوناً واسعاً وكاملاً، أحياناً لا أصدق كيف اختلفت الأمور.
ما الكتب أو الكتَّاب الذين أثروا فى تكوين آلاء حسانين الأدبى؟
تأثرت أولاً بالقرآن، قرأته طوال الوقت خلال طفولتى وأتممت حفظه فى عمر التاسعة. لقد كون لغتى ووجدانى وعالمى الروحى فيما بعد، وعندما اتسعت الحياة قليلاً، وصارت هناك نافذة على العالم الخارجى.. بدأت أقرأ الأدب، وتأثرت بالعديدين، ربما بعضهم لو قرأته الآن مرة أخرى، لن أحبه. لكن فى مرحلة من حياتى، كنت أقرأ بنهم شديد، أحياناً كتابين يومياً. وهذا مضحك، لأننى لم أعد أستطيع أن أنهى كتاباً منذ زمن طويل، صرت أمل بسرعة، وأحياناً أفضل الخروج فقط والسير أو الذهاب إلى السينما أو لحفلة أو مقابلة الأصدقاء. فبعد سنوات من العيش برفقة الكتب فى غرفتى الصغيرة فى السعودية، قررت فى مرحلة ما الخروج للحياة والانغماس فيها، وكرهت الكتب وهجرتها طويلاً، لأننى أردت أن أحصل على تجربتى الخاصة، بدلاً من التأثر بتجارب الآخرين. الآن أحاول العودة للقراءة تدريجياً، لكن كتب كثيرة أتركها بعد قراءة خمسين أو مائة صفحة. وصرت أفضل قراءة المقالات أو الاستماع للكتب الصوتية.
وعندما كنت فى غرفتك الصغيرة فى السعودية؛ ماذا كنت تقرأين؟
قرأت ماركيز وآذر نفيسى وفروغ فرخزاد وميلان كونديرا وإريك فروم وإدوارد سعيد وبول أوستر وقسطنطين كفافيس وسليم بركات وبيسوا وهيرمان هيسة، وغيرهم. أما بالنسبة للشعر، فلم يكن يعجبنى شيء بسهولة، أحببت كثيراً محمود درويش وحسين البرغوثى ووديع سعادة وسوزان عليوان ورياض الصالح فى مرحلة ما، لكن معظم الوقت، احتجت أن أكتب شعرى الخاص.
لو عاد بك الزمن، ماذا كنت ستقولين لنفسك فى أول الطريق؟
لو عاد بى الزمن، لا أعتقد بأننى سأقول شيئاً، فأنا وقتها لم أكن أسمع لأحد على كل حال. كنت أسمع فقط نفسى، وحدسى، وأخطائى، وتجربتى.. وأكثر ما كرهته هو التوجيه أو النصيحة. كانت رغبتى بالحرية وبالحياة التى أطمح بخلقها أكبر من أى شىء وأحد. شىء ما فى داخلى وجهنى، ووثقت فيه. ولو عاد بى الزمن، سأقف هناك فقط على بعد، أنظر إلى تلك الصغيرة تقوم بكل تلك الخطوات الكبيرة، وأبتسم بفخر وحنان.
ماذا تمثل لك مصر..السعودية.. فرنسا؟
لا أعرف حقاً، من الصعب الحديث باختصار عن كل ذلك. لكن أشعر أننى عشت حيوات كثيرة مختلفة ومتناقضة، ذهبت فى رحلات عديدة داخل العالم وداخل نفسى. وفى كل بلد وجدت بيتاً ووجدت منفى. فى كل بلد وجدت أصدقاء وعائلات ورسل ورسائل. وأحب فكرة أننى أخلق حياة فى كل مكان أذهب إليه، وأنى أجد طريقى دوماً، وأنى أحمل كل هذه الحيوات والثقافات المختلفة فى داخلى، وأسبح بينهم بانسجام كبير.
كيف ومتى كانت تجربتك الأولى فى النشر؟
أول تجربة لى فى النشر كانت عن طريق المدونات، كتبت ونشرت لسنوات فقط على السوشيال ميديا، وعرفنى الناس وأحبوا ما كتبته وتفاعلوا معه، ثم راسلتنى الصحف والمجلات بعد ذلك ونشروا قصائدى، ثم نشرت ورقياً بعد ذلك. لكنى بدأت بدون وسيط، ولم أحتج إليه، فأنا أنتمى لتيار النشر البديل.
كفتاة عربية تعيش وحدها فى أوروبا كيف كانت التحديات؟
أوه، حسناً، لقد كتبت كتاباً كاملاً عن هذه الرحلة، تتبعت فيه ما عشته خلال أول عامين فى الهجرة. الكتاب بعنوان «زقاق ضيق يذكرنى بالمطر»، منشورعن دار «وزيز» بالقاهرة عام ٢٠٢٥ كتبت فيه عن الوحدة والأصدقاء، وعن البيت والمنفى، وعن الأجنحة والسحب والطريق الواسع والسير الطويل. كتبت أيضاً عن التعافى والفقد والانتقال من ذات إلى أخرى، عن الظلمة والنور. نعم، كتبت بنهم شديد، ثم أقلعت بعد ذلك، أو هكذا أحب أن أعتقد. أعنى؛ مازلت أنتكس وأكتب بعض الشعر أحياناً، لكننى أحاول الاقلاع وأعمل عليه. أتباهى دوماً بأننى شاعر سابق، وأقول هذا بفخر، وأحياناً بأسى.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: فى مرحلة بعد ذلک
إقرأ أيضاً:
روبيو: إيران تناقش ملفات نووية كانت ترفض التطرق إليها سابقًا
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن إيران بدأت مناقشة جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها في السابق، في إشارة إلى ما وصفه بتحولات محدودة في موقف طهران خلال النقاشات الجارية بشأن البرنامج النووي.
وأوضح روبيو، في تصريحات صحفية، أن هذه التطورات تعكس درجة من الانفتاح النسبي على بحث قضايا أكثر حساسية في الملف النووي، مقارنة بالمراحل السابقة التي كانت تتسم بتعثر المفاوضات ورفض مناقشة بعض النقاط الخلافية.
وأكد وزير الخارجية الأمريكي أن واشنطن تتابع هذه التطورات عن كثب، مشددًا في الوقت نفسه على أن أي اتفاق محتمل يجب أن يضمن منع إيران من امتلاك سلاح نووي بشكل كامل، إلى جانب وضع آليات رقابة صارمة وشفافة على أنشطتها النووية.
وأشار إلى أن الموقف الأمريكي لا يزال ثابتًا تجاه ضرورة احتواء أي تصعيد نووي محتمل، والعمل مع الشركاء الدوليين لضمان التزام طهران بالمعايير الدولية الخاصة بالأنشطة النووية السلمية.
وتأتي هذه التصريحات في ظل استمرار الجهود الدبلوماسية لإعادة إحياء مسارات التفاوض بشأن البرنامج النووي الإيراني، وسط تباين في وجهات النظر بين الأطراف المعنية حول شروط الاتفاق وآليات التنفيذ والرقابة.
ويرى مراقبون أن أي تغيير في موقف إيران بشأن مناقشة بعض الجوانب الحساسة في برنامجها النووي قد يشكل مؤشرًا على إمكانية تحقيق تقدم محدود في المسار التفاوضي، رغم استمرار التحديات السياسية والفنية المعقدة التي تعرقل الوصول إلى اتفاق شامل.
كما تشير التقديرات إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيدًا من الاتصالات غير المباشرة أو المشاورات الفنية بين الأطراف المعنية، في محاولة لتقريب وجهات النظر وتقليل حدة الخلافات القائمة حول الملف النووي.
وفي المقابل، لا تزال هناك شكوك واسعة داخل الأوساط السياسية الدولية بشأن مدى التزام الأطراف بالتفاهمات المحتملة، خاصة في ظل التجارب السابقة التي شهدت تعثرًا أو انهيارًا في مسارات التفاوض.
وتبقى تطورات الملف النووي الإيراني من أبرز القضايا الأمنية والدبلوماسية على الساحة الدولية، نظرًا لتأثيرها المباشر على الاستقرار الإقليمي والعلاقات بين القوى الكبرى في العالم.