"العمالة الهاربة".. أضرار على الاقتصاد وإخلال بتوازن سوق العمل وخسائر فادحة لأصحاب الأعمال
تاريخ النشر: 11th, February 2026 GMT
◄ الهنائي: أصحاب "الصغيرة والمتوسطة" يشعرون بعدم العدالة بسبب القرارات العمالية
◄ قانون العمل لا يوفر حماية كافية لصاحب العمل ولا يضمن له تعويضًا عن الخسائر
◄ المحروقي: نواجه تحديات تتعلق بإلزامية توظيف المواطنين رغم محدودية الدخل
◄ بعض القوانين تميل إلى مصلحة العامل على حساب صاحب العمل
الرؤية- ناصر العبري
أجمع عدد من أصحاب الأعمال والمختصين على أن تزايد أعداد العمالة الأجنبية الهاربة يتسبب في خسائر اقتصادية فادحة، وأضرار بليغة على صاحب العمل، داعين إلى أهمية تعديل التشريعات بما يضمن حقوق صاحب العمل بالتوازي مع حقوق العامل.
ويشتكي أصحاب الأعمال من تكبدهم تكاليف مالية كبيرة لاستقدام العمال الأجانب، إلى جانب تكلفة تذكرة السفر عند التقدم ببلاغ هروب عامل، ما يعني خسائر مضاعفة، وانهيار المنظومة الإنتاجية.
وقال الكاتب في الشؤون المحلية إسماعيل بن شهاب البلوشي إن ملف العمالة الوافدة في سلطنة عُمان لم يعد مجرد تنظيم إداري أو قرار عابر؛ بل أصبح مسألة تمسّ استقرار المزارع والتاجر وصاحب العزبة والمشروع الصغير، لافتًا إلى أن اتخاذ قرارين في وقت واحد، مثل: منع فئات معينة من العمالة، والسماح بالاستبدال أو الاستقالة في أي وقت، كان بمثابة ضربتين في الرأس لقطاع يعتمد اعتمادًا مباشرًا على الاستقرار البشري في العمل. وأضاف البلوشي: "نحن دولة عريقة تحترم حقوق الإنسان، وهذا مبدأ لا نقاش فيه، لكن حماية الحقوق لا تعني إغفال خصوصية الجغرافيا العُمانية وتركيبتها السكانية والاقتصادية؛ حيث إن طبيعة العمل في المزارع والعزب والرعي والتجارة الريفية تختلف عن المدن الصناعية الكبرى، وتحتاج إلى استقرار في الأيدي العاملة، لا إلى حركة مستمرة تربك الإنتاج وتضاعف الخسائر". وأضاف البلوشي أن هناك من باع مواشيه، ومن أغلق مزرعته، ومن أثقلته القروض؛ لأنه لم يستطع إدارة مشروعه بعد فقدان عماله أو عدم قدرته على تعويضهم. وشدد على أن الخسارة هنا ليست فردية فحسب؛ بل تمس الأمن الغذائي والحراك الاقتصادي المحلي. وأكد أن المطلوب ليس التراجع عن حماية الحقوق؛ بل إعادة التوازن، وتنفيذ زيارات ميدانية مكثفة، والاستماع مباشرة من المتضررين، والحرص على الفهم الدقيق للفروق بين القطاعات الإنتاجية.
وأوضح أن تنظيم العمالة يجب أن يُراعي مصلحة الوطن والمواطن معًا، وأن يفرق بين الاستغلال الحقيقي وبين الحاجة الفعلية، مشيرًا إلى أن القرارات الكبرى تحتاج قراءة واقعية للواقع، لا رؤية مكتبية وحسب. وقال: "حين تجتمع السرعة مع الحساسية في ملف بهذا الحجم، فإن الثمن قد يكون أكبر مما نتوقع".
وقال إبراهيم بن حمد بن سليمان الهنائي نائب رئيس غرفة الظاهرة إن السنوات الأخيرة شهدت تصاعدًا في شكاوى أصحاب العمل في سلطنة عُمان بشأن هروب العمال وما يترتب عليه من أضرار مالية ومعنوية جسيمة يتحملها صاحب العمل وحده دون حماية قانونية كافية توازن بين الحقوق والواجبات. وأضاف أن صاحب العمل هو المتكبد الأول والأخير لخسائر هروب العامل؛ فهو الذي يدفع رسوم الاستقدام ويتحمل تكاليف التأشيرة والإقامة والتأمين والسكن أحيانًا، إضافة إلى التدريب والالتزامات التعاقدية ومع ذلك عند هروب العامل تتعطل الأعمال وتتراكم الخسائر ويجد صاحب العمل نفسه أمام مسؤوليات قانونية ومالية لا ذنب له فيها.
وتابع القول: "في المقابل يتحرك العامل الهارب بحرية ويعمل بطرق غير نظامية مستفيدا من ضعف الرقابة وتعدد الفرص وعند اتخاذ قرار المغادرة يسلم نفسه للجهات المختصة لتتم إجراءات ترحيله بسرعة وخلال فترة قصيرة وبعد عامين قد يعود إلى السلطنة للعمل مرة أخرى وكأن شيئًا لم يكن دون أن يتحمل أي تبعات حقيقية لما تسببه من أضرار".
وأضاف الهنائي أن هذا الواقع خلق شعورًا بعدم العدالة لدى أصحاب العمل خاصة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تتأثر بشكل مباشر وقد يؤدي هروب عامل واحد إلى إرباك مشروع كامل أو توقفه نهائيا، وهو ما ينعكس سلبًا على الاقتصاد الوطني وسوق العمل والاستقرار الوظيفي. وذكر أن القانون الحالي ورغم ما يتضمنه من تنظيم، لا يوفر حماية كافية لصاحب العمل في حالات الهروب ولا يضمن له تعويضًا عادلًا عن الخسائر، ولا يضع رادعًا فعّالًا يمنع تكرار الظاهرة؛ الأمر الذي يستدعي مراجعة شاملة للتشريعات ذات العلاقة.
وقال إن المطلوب اليوم هو تحقيق توازن حقيقي بين حقوق العامل وحقوق صاحب العمل من خلال تشديد العقوبات على العامل الهارب، وإلزامه بتحمل جزء من تبعات ما تسبب فيه ومنع عودته للعمل، إلّا بعد تسوية وضعه القانوني والمالي، إضافة إلى تسريع إجراءات تسجيل البلاغات، وتفعيل الرقابة على سوق العمل غير النظامي. وحث الهنائي على ضرورة إشراك أصحاب العمل في صياغة أي تعديلات قانونية في المستقبل، والحرص على الاستماع إلى تجاربهم الواقعية؛ باعتبارهم الشريك الأساسي في التنمية، وأنهم الأقدر على تشخيص الخلل واقتراح الحلول العملية. وأضاف أن حماية صاحب العمل ليست انتقاصًا من حقوق العامل؛ بل ضمان لاستدامة سوق العمل وتحقيق العدالة وحفظ الحقوق للجميع، معتبرًا أن غير ذلك ستبقى ظاهرة هروب العمال عبئًا ثقيلًا يدفع ثمنه الاقتصاد والمجتمع وأصحاب الأعمال على حد سواء.
فيما قال أحمد بن ثابت المحروقي صاحب شركة متخصصة في المقاولات والبناء إن قطاع المقاولات يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالعمالة الوافدة، مشيرًا إلى أن بعض الأنظمة والقوانين الحالية تميل في كثير من الأحيان إلى مصلحة العامل على حساب صاحب العمل. وأوضح المحروقي أن من أبرز هذه التحديات هروب العمالة الوافدة؛ حيث يتحمل صاحب العمل كامل المسؤولية القانونية والمالية؛ بما في ذلك بلاغات الهروب والرسوم الحكومية، وحتى تكاليف تذكرة السفر، في حين لا يُلزم العامل بأي تبعات تُذكَر، وهو ما يُشكِّل عبئًا إضافيًا على أصحاب المؤسسات. وأضاف: "نعاني من استقدام عمالة غير مؤهلة؛ حيث يضطر صاحب العمل إلى تدريب العامل من الصفر، وتحمُّل تكاليف تأهيله، وبعد أن يكتسب الخبرة وينتهي عقده، ينتقل بسهولة إلى شركة أخرى، أو يعمل لحسابه الخاص كمستثمر؛ مما يزيد من معاناة أصحاب الأعمال، ويؤدي إلى نقص الأيدي العاملة وارتفاع تكلفتها، فضلًا عن صعوبة إيجاد بدائل مناسبة". وأشار المحروقي إلى أن رواد الأعمال وأصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة يواجهون تحديات مضاعفة، لا سيما فيما يتعلق ببعض الأنظمة التي لا تُراعي أوضاع هذه المنشآت؛ مثل إلزامها بتوظيف المواطنين رغم محدودية دخلها، وعدم قدرتها المالية على استيعاب تلك الالتزامات.
وأكد أن هذه السياسات قد تدفع العديد من أصحاب المشاريع الصغيرة إلى إغلاق مؤسساتهم والاتجاه إلى البحث عن وظيفة، وهو ما يسهم في زيادة أعداد الباحثين عن عمل بدلًا من دعم بيئة ريادة الأعمال. واختتم المحروقي حديثه بالتأكيد على أهمية إعادة النظر في بعض الأنظمة والتشريعات وتقديم مزيد من التسهيلات والإعفاءات للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بما يساعدها على الاستمرار والنمو ويعزز دورها المستقبلي في دعم الاقتصاد الوطني وتوفير فرص العمل.
من جهته، قال سليم بن مطر البلوشي (رائد أعمال) إن مشكلة هروب العمال تُعد من القضايا التي تؤرق العديد من أصحاب الأعمال؛ لما تسببه من خسائر مالية ومعنوية كبيرة؛ إذ إن صاحب العمل يتحمل تكاليف الاستقدام، والإجراءات القانونية، إضافة إلى التدريب، وفي النهاية يجد نفسه متضررًا دون وجود حماية قانونية كافية تعوضه عن هذه الخسائر. ويرى البلوشي أن قانون العمل الحالي والتشريعات ذات الصلة، ورغم حرصها على حماية حقوق العمال، إلّا أنها لا تُحقق التوازن المطلوب بين العامل وصاحب العمل؛ حيث يغفل في بعض جوانبه حقوق صاحب العمل الذي يلتزم بجميع الشروط القانونية. وشدد على أهمية إعادة النظر في بعض مواد القانون، بحيث تضمن حقوق جميع الأطراف وتحد من ظاهرة الهروب.
وأوضح أن تعديل القوانين سيسهم في استقرار سوق العمل، ويشجع أصحاب الأعمال على الاستثمار بثقة أكبر؛ مما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني. وفي الوقت نفسه، يجب أن تراعي هذه التعديلات حقوق العمال الإنسانية، لضمان بيئة عمل عادلة ومستقرة للجميع. ويرى البلوشي ضرورة عدم السماح للعامل بالانتقال إلى آخر، إلّا بعد الحصول على "إخلاء طرف" من صاحب العمل، موضحًا أنه في كثير من الأوقات يكون العامل مطالبًا بالتزامات مالية تجاه جهة العمل.
وقال عبيد بن محمد بن حمد اليعقوبي (رائد أعمال) إن من أبرز جوانب الضرر الذي يقاس عليه هروب العمال أن العامل له الحقوق والامتيازات الكاملة مهما كانت وظيفته، وعلى العكس تمامًا صاحب العمل مُلزم بدفع تذكرة عودته لوطنه. وأضاف اليعقوبي أن قانون العمل الحالي لا يحفظ حق صاحب العمل، داعيًا إلى ضرورة إلزام العامل بالحصول على موافقة صاحب العمل للانتقال إلى عمل آخر.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
كلمات دلالية: الصغیرة والمتوسطة أصحاب الأعمال صاحب العمل سوق العمل العمل فی إلى أن
إقرأ أيضاً:
الأمم المتحدة: أضرار جسيمة تلحق بسلاسل الإمداد الإنسانية بسبب حرب إيران
حذّرت الأمم المتحدة الثلاثاء، من أن سلاسل الإمداد الإنسانية العالمية التي تعطّلت بسبب الحرب بالشرق الأوسط لن تتعافى قبل العام 2027، حتى في حال توقّف النزاع فوراً.
وبعد نحو 100 يوم على بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط (فبراير) الماضي، يبدو أن الصراع الممتدّ تجاوز بتداعياته منطقة الشرق الأوسط، وفق ما صرّح به مسؤول النقل والخدمات اللوجستية العالمية في منظمة يونيسف جان سيدريك ميوس.
وأوضح ميوس أن "تعطّل سلاسل الإمداد الإنسانية العالمية يؤثّر على الأطفال في جميع أنحاء العالم، في ظلّ الازدحام في طرق الإمداد وارتفاع التكاليف".
وأخفق الجانبان الأمريكي والإيراني إلى الآن في التوصّل إلى اتفاق ينهي الحرب بينهما ويعيد فتح مضيق هرمز الذي يمرّ عبره في أوقات السلم نحو خُمس النفط الخام والغاز الطبيعي المسال في العالم.
من سلاسل الإمداد إلى الطيران.. حرب إيران تخنق الاقتصاد العالمي - موقع 24دخل الصراع مع إيران مرحلة جديدة أكثر تعقيداً وخطورة، حيث يرزح في حالة شلل خانقة بين الحرب والسلام، في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز، وتصاعد احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
وقال المسؤول الأممي متحدثاً من العاصمة الصومالية مقديشو إن "ما يبدأ على شكل اضطراب في مسارات الشحن نحو الشرق الأوسط، ولا سيما عبر مضيق هرمز، يتحوّل سريعاً إلى أزمة إنسانية".
وأضاف أن "التأخير المستمر وارتفاع تكاليف التشغيل، في ظل أزمة التموويل العالمية"، بدآ يفرضان بالفعل "خيارات صعبة للغاية" على "يونيسف".
وأشار إلى أن كل دولار إضافي يُنفق على النقل يعني تقليص الأموال المخصصة لمساعدة الأطفال.
كذلك، لفت ميوس إلى أن سعة الشحن الجوّي تراجعت في أنحاء الشرق الأوسط، فيما علّقت بعض شركات الطيران رحلاتها إلى عدد من الوجهات في أفريقيا، وذلك في ظلّ تمدّد أزمة الازدحام في الموانئ إلى أنحاء من القارة.
وبيّن أن تكاليف الشحن الجوي للقاحات من الهند إلى نيجيريا وجمهورية الكونغو الديموقراطية ارتفعت بنسبة تراوح بين 50% و70%، مؤكداً أن هناك "تداعيات متسلسلة واسعة" على سلاسل الإمداد الإنسانية.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد قال الاثنين، إن المحادثات مع إيران تتقدّم بوتيرة "سريعة"، على رغم تهديد طهران بالإبقاء على مضيق هرمز مغلقاً.
لكن ميوس شدّد على أنه حتى في حال التوصّل إلى اتفاق وإعادة فتح المضيق، فإن "الوضع لن يتحسّن قبل نهاية العام" بالنسبة إلى سلاسل إمدادات "يونيسف".