عضو مؤسس لهيئة كبار العلماء.. سيرة الفقيه العلامة أحمد علي طه ريان
تاريخ النشر: 11th, February 2026 GMT
كشفت هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف عبر صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، عن سيرة العلامةُ الفقيهُ الأصوليُّ شيخُ السَّادةِ المالكيَّةِ الأستاذُ الدُّكتور أحمد علي طه ريان، الذي اشتهر بين الجميع بصفاتِ التَّقوى والورعِ، ولُطفِ الطَّبعِ، وسخاءِ النَّفسِ، والتَّواضُعِ، وعفَّةِ اللِّسانِ.
وُلِدَ الأستاذُ الدُّكتور أحمد علي طه ريان، في قريةِ الرياينة، التابعة لمدينة الغربي قمولا، التابعة لمركز القرنة، بمحافظة الأقصر، بصعيد مصر الطاهر.
نَشَأَ ريان في بيتِ علمٍ وصلاحٍ وطيبِ أصلٍ؛ فكانَ والدُه مشهورًا بالورعِ والأمانةِ والكرمِ، وكانَ يريدُ أنْ يرى ابنه شيخَ عمودٍ بالجامعِ الأزهرِ الشَّريفِ، فاهتمَّ بتحفيظِه القرآنَ حتَّى أتمَّه كاملًا في الحاديةَ عشرةَ منْ عُمُرِه على الشَّيخِ أحمد أبو الحاج يوسف، كما تربَّى فضيلتُه على المعاني الصُّوفيَّةِ والإيمانيَّةِ الرَّاقيةِ في مجالسِ الشَّيخِ أحمد الطيب، وهو جَدُّ فضيلةِ الإمامِ الأكبرِ الأستاذِ الدُّكتور أحمد الطيب شيخِ الأزهرِ الشَّريفِ.
وفي الثَّالثةَ عشرةَ منْ عُمُرِه التحقَ بمعهدِ بلصفورة الدِّينيِّ الأزهريِّ في جرجا، وحصلَ على شهادةِ الابتدائيَّةِ الأزهريةِ عامَ 1956م، ليلتحقَ بمعهدِ قنا الدِّيني الثَّانويِّ وحصلَ على الثَّانويَّةِ عامَ 1961م.
يشدُّ الشَّيخِ أحمد طه ريان الرِّحالَ إلى القاهرةِ طالبًا العلمَ منْ كُلِّيَّةِ الشَّريعةِ والقانونِ، ليحصلَ على الإجازةِ العاليةِ (اللِّيسانس)، ثمَّ يُواصلُ اجتهادَه فيُحرزُ درجةَ التَّخصُّصِ (الماجستير) في الفقهِ المُقارَنِ عامَ 1968م، وبعدَها بسنتين يُعيَّنُ مُعيدًا بقِسمِ الفقهِ المُقارَنِ، وفي عامِ 1973م يحصلُ فضيلتُه على العالِمِيَّةِ (الدُّكتوراه) معَ مرتبةِ الشَّرفِ الأولى، فيُعيَّنُ مُدرِّسًا بالقِسمِ، وفي عامِ 1976م يُعارُ فضيلتُه إلى الجامعةِ الإسلاميَّةِ بالمدينةِ المُنوَّرةِ فيقضي هناكَ خمسَ سنواتٍ.
وعندَما عادَ استمرَّ في اجتهادِه العلميِّ حتَّى حصلَ على درجةِ الأستاذيَّةِ في التَّفسيرِ وعلومِ القرآنِ عامَ 1985م، يُسافرُ بعدَها إلى المملكةِ العربيَّةِ السُّعوديَّةِ لكنْ في هذه المرَّةِ إلى كُلِّيَّةِ الشَّريعةِ والدِّراساتِ الإسلاميَّةِ بجامعةِ أمِّ القُرَى، ويقضِي فيها سِتَّ سنواتٍ، ثمَّ يذهبُ إلى جامعةِ الأحقافِ بحضرموتَ في اليمنِ عامَ 1991م، حيثُ تولَّى عمادةَ كُلِّيَّةِ الشَّريعةِ والقانونِ والدِّراساتِ الإسلاميَّةِ هناكَ، بالإضافةِ إلى منصبِ نائبِ رئيسِ الجامعةِ لمدَّةِ عامَيْنِ، ثمَّ يذهبُ إلى دبي؛ ليشغلَ منصبَ وكيلِ كُلِّيَّةِ الإمامِ مالكٍ للشَّريعةِ والقانونِ.
وقدْ كانَتْ لفضيلتِه جهودٌ دعويَّةٌ كبيرةٌ خارجَ مِصرَ؛ فقدْ قامَ فضيلتُه بزياراتٍ عِلميَّةٍ ودعويَّةٍ لبلدانٍ كثيرةٍ، منْها: تونس، والأردن، وبنجلاديش، وباكستان، وأوزبكستان، وبريطانيا، كما زارَ أيضًا الولاياتِ المُتَّحدةَ الأمريكيَّةَ عدَّةَ مرَّاتٍ؛ لإقامةِ دوراتٍ شرعيَّةٍ في المراكزِ الإسلاميَّةِ لسبعِ ولاياتٍ أمريكيَّةٍ، وللاشتراكِ في تأسيسِ مَجْمَعٍ فقهيٍّ كبيرٍ، هو «مَجْمَعُ فقهاءِ الشَّريعةِ بأمريكا الشَّماليَّةِ»، كما شارَكَ في أعمالِ مَجْمَعِ فُقهاءِ الشَّريعةِ الَّذي عُقدَ في العاصمةِ الدنماركيَّةِ «كوبنهاجن» لأوَّلِ مرَّةٍ بعدَ تأسيسِه، فضلًا عن دورِه في إنشاءِ مكاتِبَ لتحفيظِ القرآنِ الكريمِ.
وتقديرًا لمكانةِ الأستاذِ الدُّكتور أحمد طه ريان اختارَه الإمامُ الأكبرُ الأستاذُ الدُّكتور أحمد الطيب شيخُ الأزهرِ الشَّريفِ؛ ليكونَ واحدًا مِنَ الأعضاءِ المُؤسِّسين لهيئةِ كبارِ العُلماءِ بعدَ عودتِها مرَّةً أُخرَى، وذلك بناءً على قرارِ رئيسِ الجمهوريَّةِ رَقْمِ (24) الصَّادرِ في السَّابعِ والعشرين منْ شعبانَ سنةَ 1433هـ، المُوافِقِ السَّابعَ عَشَرَ منْ يوليو 2012م، وقدْ كانَ لفضيلتِه جهدٌ مشكورٌ في كلِّ البياناتِ الَّتي أصدرَتْها هيئةُ كبارِ العُلماءِ، وكذلك في الموضوعاتِ الفقهيَّةِ الَّتي تناولَتْها الهيئةُ بالبحثِ والدِّراسةِ، كما تقدَّمَ للهيئةِ بمُقترحاتٍ مُتميِّزةٍ، تمَّ تنفيذُ كثيرٍ منْها.
هذا، وقدْ أثرَى الأستاذِ الدُّكتور أحمد طه ريان المكتبةَ الفقهيَّةَ والإسلاميَّةَ بكثيرٍ مِنَ المُؤلَّفاتِ العِلميَّةِ القيِّمةِ، ومنْها: «المُسكِراتُ في الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ: آثارُها وعلاجُها»، «المُخدِّراتُ بينَ الطِّبِّ والفقهِ»، «تعدُّدُ الزَّوجاتِ ومعيارُ العدلِ بينَهنَّ في الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ»، «سُنَنُ الفِطرةِ بينَ المُحدِّثين والفُقهاءِ»، «ملامحُ منْ حياةِ الفقيهِ المُحدِّثِ الإمامِ مالكِ بنِ أنسٍ». «ضوابطُ الاجتهادِ والفتوى»، «هكذا تُهدَمُ معالمُ الإسلامِ» وهو نقضٌ لكتابِ «الاجتهادُ حقٌّ أمْ واجبٌ» لحسين أحمد أمين، «رُخصةُ الفِطرِ في صيامِ رمضانَ»، بحثٌ مُطوَّلٌ «المُعادلةُ بينَ المُساواةِ والقوامةِ بينَ الرِّجالِ والنِّساءِ» نُشِرَ في مجلَّةِ الأمنِ والقانونِ الَّتي تُصدرُها كُلِّيَّةُ شرطةِ دبي، «بحثُ الذَّبائحِ في الحجِّ: مصادرُها ومصارفُها» نُشِرَ في مجلَّةِ الجامعةِ الإسلاميَّةِ بالمدينةِ المُنوَّرةِ، «تذكرةُ الأحبابِ في بيانِ فتنةِ المالِ»، «المدخلُ الوجيزُ في التَّعريفِ بمذهبِ إمامِ أهلِ الفقهِ والحديثِ مالكِ بنِ أنسٍ»، «فُقهاءُ المذهبِ المالكيِّ»، «الحِكَمُ الأدبيَّةُ مما حفلَتْ به النِّهاياتُ الذَّهبيَّةُ لكُتُبِ المالكيَّةِ».
وقد تَرَكَ الأستاذُ الدُّكتور أحمد علي طه ريان تراثًا فقهيًّا صوتيًّا ضخمًا لدى إذاعةِ القرآنِ الكريمِ عبرَ برنامجِها الرَّائدِ «بريدُ الإسلامِ».
تنعية الدكتور الطيب للأستاذ أحمد علي طه ريان
وقدْ نعاهُ الإمامُ الأكبرُ الأستاذُ الدُّكتور أحمد الطيب شيخُ الأزهرِ الشَّريفِ قائلًا: «رَحِمَ اللهُ أخي العزيزَ، وزميلي الفاضلَ، ورفيقَ رحلةِ التَّعلُّمِ والدِّراسةِ، فضيلةَ الشَّيخِ أحمد طه ريان، الَّذي عاشَ عالمًا جليلًا سمحًا كريمًا مِعطاءً؛ فقدْ كانَ في دفاعِه عنِ الشَّريعةِ يَصدَعُ بما يُؤمِنُ به، ولا يخشَى في قولِ الحقِّ لومةَ لائمٍ»، رَحِمَه اللهُ رحمةً واسعةً، وأنزلَه منازلَ الأبرارِ.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: أحمد الطیب فضیلت ه
إقرأ أيضاً:
أحمد جبارة مسرحي يمني يحمل رسالة لخدمة الأجيال
صنعاء "د.ب.أ": رغم الظروف القاسية التي تعاني منها بلاده، يحرص الفنان والمخرج المسرحي اليمني أحمد علي جبارة 61 عاما على صنع البسمة وزراعة الأمل في محيطه، كرسالة سامية تأبى الانكسار أو الخفوت.
حكاية المسرح والعمل الفني لم تكن مجرد شغف اختاره جبارة في مرحلة لاحقة من حياته، وإنما سيرة لافتة بدأت معه منذ حوالي نصف قرن عندما كان يقف في ساحات المدرسة حاملا شارة الكشافة، ليبدأ منها رحلة ثرية مستمرة حتى اليوم في بلد يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية بالعالم.
ولد أحمد علي جبارة في مدينة تعز جنوب غربي اليمن عام 1965، وكانت بدايته الأولى من مدرسة الثلايا الأساسية، حيث التحق وهو في عمر التاسعة بالحركة الكشفية.
في هذه المدينة العريقة التي توصف حاليا بأنها عاصمة الثقافة اليمنية، كانت البدايات الحقيقية لاكتشاف موهبة جبارة، فقد شارك في فرق الإنشاد والمسرح الكشفي، وبرز صوته المميز في الفعاليات المدرسية والوطنية.
في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ) يتحدث جبارة بأنه في تلك الفترة- مطلع السبعينيات - لم تكن الكشافة مجرد نشاط مدرسي، وإنما بمثابة مدرسة متكاملة لبناء الشخصية، إذ تعلم من خلالها قيم الانضباط والعمل الجماعي والثقة بالنفس والقدرة على التعبير والمواجهة والإبداع.
مازال جبارة يتذكر كيف تأثر في بدايات مشواره المسرحي والكشفي بعدد من القادة الكشفيين والمدرسين العرب، خصوصا المعلمين المصريين والسودانيين الذين نقلوا خبراتهم إلى اليمن في مجالات الكشافة والمسرح والرياضة، وأسهموا في تشكيل الوعي الفني والثقافي خلال السبعينيات والثمانينيات.
في عام 1980، وهو في الـ 15 من عمره انتقل جبارة إلى العاصمة صنعاء، والتحق بفريق المسرح العسكري الذي كان محطة مهمة في مسيرته الفنية.
وهناك تلقى تدريبات متخصصة على يد عدد من المسرحيين والمخرجين، بينهم الفنانان الفلسطينيان يوسف لبد وحسين الأسمر، إلى جانب نخبة من الأكاديميين والفنانين اليمنيين والعرب.
ومثلت تلك الحقبة نقطة تحول لجبارة من مرحلة الموهبة والهواية إلى مسار التكوين الاحترافي، حيث تعمق في فنون الإخراج والتمثيل المسرحي.
وفي عام 1984 كان من بين الأعضاء المؤسسين لفرقة المسرح الوطني في تعز، التي تأسست بإشراف الخبير المسرحي المصري إميل جرجس، ليواصل بناء تجربته الفنية في المدينة التي احتضنت بداياته.
بعد إتمامه مرحلة الثانوية العامة، حصل أحمد جبارة على منحة لدراسة المسرح في الكويت نهاية عقد الثمانينيات، فالتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، قبل أن تتغير ظروف الدراسة بسبب حرب الخليج عام 1990، لينتقل إلى العراق ويواصل تعليمه في أكاديمية الفنون الجميلة بجامعة بغداد.
هناك تخصص في المسرح، وفي عام 1993 حصل على درجة بكالوريوس تمثيل وإخراج مسرحي، وعاد إلى وطنه حاملا معه تجربة أكاديمية انعكست لاحقا على أعماله ومشاريعه الفنية والتربوية في اليمن.
بعد عودته إلى اليمن، التحق موظفا بوزارة التربية والتعليم، وهناك بدأ مرحلة جديدة من حياته تمثلت في تحويل المسرح المدرسي إلى مشروع لاكتشاف المواهب وصناعة جيل جديد من المبدعين.
وفي عام 1995 أسس أول مهرجان للمسرح المدرسي في تعز بمشاركة نحو 15 مدرسة، بدعم من قيادة مكتب التربية والتعليم، ليصبح لاحقا مهرجانا مركزيا يتوسع عاما بعد عام.
المسرح وسيلة تربوية
لم يكن جبارة يقتنع فقط بمجرد إقامة عروض مسرحية ترفيهية، وإنما يرى في المسرح وسيلة تربوية لبناء شخصية الطالب وتعزيز ثقته بنفسه وقدرته على الحوار والتفكير والإبداع.
كما أسس فرقا مسرحية مدرسية على فترات متفرقة في تعز، ودرب العديد من الطلاب الذين أصبحوا لاحقا ناشطين في المجال الثقافي والفني.
وإلى جانب ذلك، امتدت تجربة جبارة إلى خارج تعز، حيث شارك في تدريب معلمي المسرح المدرسي في صنعاء، كما كان ضمن المدربين والمشرفين على مهرجانات المسرح المدرسي المركزية على مستوى اليمن.
وشارك في هذه التجارب إلى جانب عدد من المسرحيين اليمنيين، بينهم المخرج المسرحي الراحل فريد الظاهري (عام 2007) والكاتب والناقد المسرحي عبدربه الهيثمي الذي توفي في فبراير 2026.
إنجازات وحضور عربي ومحلي
ومن أبرز محطات تجربة الفنان جبارة الفوز بجائزة أفضل عرض مسرحي متكامل في المهرجان الثالث للمسرح اليمني في العاصمة صنعاء، عام 1995.
وبعدها بعشر سنوات، فاز بجائزتي أفضل إخراج مسرحي وأفضل تصميم ملابس في المهرجان الثالث للمسرح المدرسي لدول مجلس التعاون الخليجي واليمن، وذلك في المملكة العربية السعودية عام 2005.
يفيد جبارة أيضا بأن تجربته المسرحية امتدت إلى المسرح الجامعي، حيث شارك مع جامعة تعز في عدد من الأعمال المسرحية، من بينها مسرحية "لا تصالح" المأخوذة عن قصيدة الشاعر الراحل أمل دنقل (توفي عام 1983)، والتي جرى تحويلها إلى لوحة مسرحية، وشاركت بها جامعة تعز في مهرجان الجامعات العربية بجامعة جنوب الوادي في مصر عام 2002، وحصلت على المركز الأول.
ورغم ظروف الحرب التي أثرت على القطاع المسرحي والفني بشكل كبير، واصل جبارة نشاطه وشغفه ونجح في الفوز بجائزة أفضل عمل مسرحي متكامل عن مسرحية (ميس) في مهرجان المسرح اليمني بمدينة عدن، عام 2018، وكذلك الفوز بجائزة أفضل مخرج مسرحي عن مسرحية (الخلاص) في مهرجان المسرح اليمني بحضرموت عام 2020.