شهادات عليا.. فماذا بعد؟
تاريخ النشر: 11th, February 2026 GMT
د. ذياب بن سالم العبري
حين نحتفل بحصول شاب أو شابة على شهادةٍ عليا، فإننا- في العمق- لا نحتفل بورقةٍ مؤطرة؛ بل نحتفل بوعدٍ جديد: وعدٍ بالمعرفة المسؤولة، وبقدرةٍ أعلى على التحليل، وبطاقةٍ يمكن أن تتحول إلى أثرٍ ملموس في المجتمع والاقتصاد. لكن السؤال الذي يجب أن يُقال بصوتٍ واضح: ماذا بعد الشهادة؟ وأين يذهب كل هذا الجهد إذا لم يُترجم إلى قيمةٍ تُرى وتُقاس؟
إنّ درجات الدراسات العليا ليست محطةً أكاديمية فحسب، بل مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون امتيازًا وظيفيًا.
ومن هنا، فإن الخلل لا يكمن في ازدياد أعداد الحاصلين على المؤهلات العليا؛ بل في بقاء جزءٍ من هذه المؤهلات “صامتًا” داخل الأدراج أو السِّير الذاتية، لا داخل المختبرات، ولا السياسات، ولا المشاريع، ولا المنصات المعرفية. إننا نحتاج إلى انتقالٍ واعٍ من “ثقافة التراكم” إلى “ثقافة الأثر”، ومن “الكمّ” إلى “الكيف”، ومن “الوجاهة” إلى "الإجادة".
وفي المقابل، بدأت بعض الظواهر تُقلق المشهد الأكاديمي: عناوين كبيرة بلا إسهامٍ حقيقي، أبحاث تُستنسخ من بيئاتٍ أخرى دون صلةٍ بسياقنا، ورسائل تُكتب لتلبية شرطٍ وظيفي لا لتأسيس معرفةٍ جديدة. وهذه الممارسات – مهما بدت فردية – تُضعف الثقة العامة، وتُفرغ البحث العلمي من معناه، وتحوّل الجامعات إلى منصاتٍ لإنتاج الشهادات بدل إنتاج الحلول.
هنا تأتي أهمية التحول الوطني الذي تقوده رؤية "عُمان 2040"؛ رؤيةٌ وضعت التعليم والبحث العلمي والابتكار في قلب التنافسية الاقتصادية وبناء الإنسان. والرسالة واضحة: المستقبل لن تُمسكه الدول التي تُكثر من الشهادات، بل التي تُحسن توظيفها. ولن يربح السباق من يكتب أكثر، بل من يُحوّل المعرفة إلى منتج، والبحث إلى سياسة، والابتكار إلى شركة، أو تقنية، أو خدمة عامة تُحسّن حياة الناس.
ولكي يتحقق هذا التحول، فنحن بحاجة إلى منظومةٍ متكاملة تُعيد تعريف العلاقة بين الدراسات العليا وسوق العمل والاقتصاد. منظومة تبدأ من الجامعات بتحديد أولويات بحثية مرتبطة بتحدياتنا الحقيقية (المياه، الطاقة، الصحة، التعليم، جودة الخدمات، والاستدامة)، ولا تنتهي عند المؤسسات بإتاحة المجال لحملة المؤهلات العليا للمشاركة في مراكز التفكير وصناعة القرار، وتكليفهم بملفاتٍ نوعية لا شكلية، وتقييم أثر إسهامهم لا مجرد حضورهم.
كما إن تحويل البحوث إلى فرصٍ اقتصادية لا يتحقق بالشعارات، بل بأدواتٍ واضحة: حاضنات ومسرّعات، مكاتب نقل تقنية، مسارات لحماية الملكية الفكرية، وشراكات بحثية مع القطاع الخاص، وتمويلٍ يربط الدعم بالمخرجات القابلة للتطبيق. إنّ البحث الذي لا يجد طريقه إلى المجتمع أو السوق غالبًا ما يظل “منجزًا ناقصًا”، حتى لو كان مكتوبًا بإتقان.
ومن جانبٍ آخر، تقع على عاتق حملة المؤهلات العليا مسؤولية لا تقل أهمية: أن يخرجوا من دائرة “البحث لأجل الدرجة” إلى “البحث لأجل الفكرة”، وأن يتعاملوا مع علمهم بوصفه مشروعًا طويل الأمد، يتجدد بالتعلم المستمر، وبالانخراط في فرق العمل، وبالإسهام في نشر الوعي العلمي، وبالجرأة على طرح المبادرات لا انتظار التكليف.
إنّ عُمان اليوم لا تحتاج مزيدًا من الألقاب بقدر ما تحتاج مزيدًا من العقول التي تُنجز: عقول تُحسّن القرار، وتبتكر الحلول، وتختصر الوقت والتكلفة، وتضيف للاقتصاد قيمةً من داخل المعرفة. فالمؤهل العالي حين يُستثمر كما ينبغي يصبح رافعةً وطنية، وحين يُترك بلا توجيهٍ وأثر يتحول إلى فرصةٍ مهدرة.
وفي ختام القول.. إنَّ الدراسات العليا ليست نهاية الطريق؛ بل بدايته. هي بداية سؤالٍ أكبر عن دور صاحبها، وعن نصيبه من مسؤولية النهضة، وعن قدرته على تحويل العلم إلى منفعة. فهل نريد من الشهادة أن تكون عنوانًا اجتماعيًا… أم نريدها أن تكون أداةً لصناعة المستقبل؟
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الاتحاد الأوروبي يغرم غوغل مليار دولار لانتهاك قانون الأسواق الرقمية
فرضت المفوضية الأوروبية غرامتين على شركة غوغل بقيمة إجمالية بلغت 890 مليون يورو (نحو مليار دولار)، بعد إدانتها بانتهاك قانون الأسواق الرقمية، من خلال منح خدماتها أفضلية في نتائج البحث وفرض قيود على مطوري التطبيقات داخل متجر "غوغل بلاي".
وأوضحت المفوضية، في بيان الخميس، أنها فرضت غرامة بقيمة 460 مليون يورو (523.5 مليون دولار) بسبب تفضيل غوغل لخدماتها، مثل التسوق والفنادق والنقل والرياضة، على حساب الخدمات المنافسة في نتائج البحث، إضافة إلى غرامة أخرى بقيمة 430 مليون يورو (489.4 مليون دولار) بسبب القيود التي تمنع مطوري التطبيقات من توجيه المستخدمين إلى خيارات شراء أرخص خارج متجر "غوغل بلاي".
اقرأ أيضا list of 3 itemslist 1 of 3موسم الأرباح يختبر عوائد الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعيlist 2 of 3ألفابت تقلص الفجوة مع إنفيديا وتقترب من لقب الأكبر عالمياlist 3 of 3رئيس غوغل وألفابت يكتسح قائمة أعلى الأجور في وادي السيليكونend of listوأكدت أن قانون الأسواق الرقمية يلزم الشركات المصنفة بوصفها "حراس بوابة" بعدم منح خدماتها معاملة تفضيلية في ترتيب نتائج البحث، كما يفرض عليها السماح للمطورين بإبلاغ المستخدمين بقنوات شراء بديلة دون رسوم أو قيود غير مبررة.
وأشارت المفوضية إلى أن غوغل عرضت خدماتها في أعلى نتائج البحث مع مزايا بصرية وأدوات تصفية لا تتوفر للخدمات المنافسة، كما رأت أن الرسوم التي فرضتها الشركة على الأنشطة المرتبطة بتوجيه المستخدمين خارج متجر التطبيقات، إلى جانب مدة فرض تلك الرسوم، تجاوزت الحدود التي يسمح بها القانون.
ومنحت المفوضية غوغل مهلة 60 يوما للامتثال للقرار، محذرة من أنها قد تفرض غرامات إضافية تصل إلى 5% من إجمالي إيرادات الشركة السنوية العالمية إذا لم تلتزم بالقواعد.
وفي الوقت نفسه، أقرت المفوضية بأن غوغل بدأت اختبار تعديلات على طريقة عرض خدماتها في نتائج البحث، كما أدخلت تغييرات على قواعد متجر التطبيقات، معتبرة أن هذه الخطوات تمثل تقدما نحو الامتثال لمتطلبات القانون.
إعلانمن جانبه، انتقد رئيس الشؤون العالمية في شركة ألفابت، كينت ووكر، القرار، معتبرا أن تطبيق قانون الأسواق الرقمية "يضر بالمنتجات التي يستخدمها الأوروبيون يوميا".
وقال إن غوغل اضطرت إلى إزالة بعض مزايا البحث الفوري، مثل عرض الأسعار الفورية والتوافر المباشر للفنادق والرحلات الجوية والمطاعم، فضلا عن تقليص بعض إجراءات الحماية في متجر "غوغل بلاي"، مؤكدا أن الشركة تدرس القرار وإمكانية الطعن عليه.
في المقابل، دافعت مفوضة المنافسة في الاتحاد الأوروبي تيريزا ريبيرا عن القرار، مؤكدة أن "أفضل المنتجات يجب أن تنجح لأنها الأفضل، لا لأنها مملوكة للشركة التي تدير محرك البحث".
كما قالت مفوضة التكنولوجيا هينا فيركونن إن الإجراءات تهدف إلى ضمان "منافسة عادلة وتكافؤ الفرص" في الأسواق الرقمية.
وتعد هذه أول غرامات تفرض على غوغل بموجب قانون الأسواق الرقمية، لكنها الخامسة والسادسة التي تواجهها الشركة في أوروبا بسبب ممارسات مناهضة للمنافسة، بحسب رويترز.
وانخفض سهم الشركة الأم "ألفابت" بنحو 4% في تعاملات ما قبل افتتاح السوق، إلا أن محللين أرجعوا هذا التراجع بالدرجة الأولى إلى رد فعل المستثمرين تجاه حجم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي الذي كشفت عنه الشركة في نتائجها المالية الأخيرة.