المسافة المتحركة بين التجارة المستترة و"المستهترة"
تاريخ النشر: 11th, February 2026 GMT
حمود بن علي الطوقي
لفت انتباهي تساؤلٌ طرحه أحد رواد الأعمال من مُحافظة الوسطى وهو يتحدَّث عن تحديات العمل الحُر في الجلسة الحوارية ضمن ملتقى "معًا نتقدم"، بإدارة معالي الدكتور محاد باعوين وزير العمل وحضور سعادة حليمة الزرعية رئيسة هيئة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (ريادة) حين استخدم في تساؤله عبارة "التجارة المستهترة"؛ بدلًا من التجارة المُستترة.
وبينما كنَّا نتابع النقاش، كان بجانبي سعادة الدكتور خليفة البرواني رئيس المركز الوطني للإحصاء والمعلومات. همستُ له: هل الأدق أن نقول "تجارة مستهترة" أم “تجارة مستترة”؟ ومن هذا الهمس تولّدت فكرة المقال: نعم، “التجارة المستترة” هو المصطلح الأدق في توصيف الظاهرة من زاوية الإخفاء والالتفاف، لكن عبارة “التجارة المستهترة” قد تكون الأقرب لوصف الأثر حين تتحول الممارسة إلى سلوك يستهين بقواعد السوق وبمبدأ تكافؤ الفرص. هكذا كان رد سعادة الأخ الدكتور خليفة البراوني.
واللافت من خلال هذه الجلسة الحوارية أن رواد الأعمال لم يذهبوا بعيدًا في التنظير، بل تحدثوا بوضوح عن لبّ المشكلة: بأن أكبر التحديات التي تواجه العمل الحر وريادة الأعمال اليوم هي المنافسة غير العادلة التي تخلقها التجارة المستترة. ففي الوقت الذي يتحمل فيه رائد الأعمال الملتزم كلفة التسجيل والرسوم والإيجارات والمحاسبة والالتزام بالاشتراطات، يجد أمامه منافسًا يعمل بغطاءٍ لا يعكس الواقع، أو بتكاليف أقل لأنه لا يحمل ما يحمله الملتزم من أعباء. هنا لا تكون المنافسة بين "فكرتين" أو "خدمتين"؛ بل بين مسارين: مسارٍ شفاف يدفع ثمن الالتزام، ومسارٍ رمادي يُحقق مكاسب سريعة على حساب النظام.
ومن أخطر ما تتركه هذه الظاهرة أنها لا تُضعف مشروعًا بعينه فحسب، بل تُربك بيئة الأعمال كلها؛ حيث تشوه سوق العمل، وتخلق إحباطًا عند أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، الجادة وتدفع بعض الشباب للأسف إما للانسحاب من السوق مبكرًا، أو للانزلاق إلى حلول مختصرة لا تخدم استدامة الاقتصاد ولا جودة الخدمات. ومع الوقت، يصبح السؤال مؤلمًا: كيف نطلب من الشباب الإقدام على العمل الحر، بينما السوق يرسل إشارات معاكسة مفادها أنَّ الالتزام مكلف، وأن التحايل أسرع ربحًا؟
ولا يمكن فصل ذلك عن ملف العمالة غير المنضبطة في بعض القطاعات؛ فكلما اتسع نطاق التستر اتسعت معه فرص التشغيل خارج الإطار الصحيح، وتداخلت الحلقات بشكل يضغط على السوق ويزيد من تشوهاته. والنتيجة النهائية واحدة: رائد أعمال ملتزم يخسر جزءًا من فرصته ليس لأنه أقل كفاءة، بل لأنَّ الملعب غير متوازن.
خلاصة القول.. قد نختلف في التسمية، لكننا نتفق على الحقيقة التي قالها رواد الأعمال بصوتٍ عالٍ: التجارة المستترة تُفرز منافسة غير عادلة، والمنافسة غير العادلة تُحاصر العمل الحُر. وإذا أردنا لريادة الأعمال أن تكون خيارًا وطنيًا جادًا لا مجرد شعار، فعلينا أن نُعلي من قيمة السوق المنضبط، وأن نُشجع الالتزام لا الالتفاف، وأن نُعيد ميزان العدالة إلى المكان الذي منه تبدأ كل تنمية اقتصادية سليمة. وفي هذا المعنى تحديدًا، تصبح العبارة الأقرب للتوصيف: هي تجارة مستترة في الشكل… لكنها قد تتحول إلى تجارة مستهترة في الأثر.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي تمهد الطريق أمام اعتماد اتفاق الرسوم الجمركية مع الولايات المتحدة
اقترب اتفاق الرسوم الجمركية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من مرحلته النهائية بعد أن دعمت لجنة التجارة الدولية في البرلمان الأوروبي اليوم التشريعات اللازمة لتنفيذ الالتزامات التجارية المتفق عليها بين الجانبين ضمن اتفاق "تيرنبيري" المبرم عام 2025.
يهدف الاتفاق إلى إلغاء معظم الرسوم الجمركية الأوروبية المتبقية على الواردات الأميركية، بما يشمل السلع الصناعية وعدداً من المنتجات الزراعية والمأكولات البحرية، في خطوة تهدف إلى تجنب تصعيد تجاري جديد بين بروكسل وواشنطن وتعزيز استقرار العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي.
وبموجب التشريعات التي قدمت في البرلمان الأوروبي، سيتم منح المنتجات الصناعية الأميركية إعفاءً شبه كامل من الرسوم الجمركية الأوروبية، مع توسيع النفاذ التفضيلي لبعض المنتجات الزراعية والمأكولات البحرية الأمريكية إلى السوق الأوروبية.
وتشمل الحزمة أيضاً تمديد تعليق الرسوم الجمركية على واردات الكركند (اللوبستر) الأميركي، بما في ذلك المنتجات المصنعة منه.
يأتي هذا التطور استكمالاً للاتفاق السياسي الذي توصل إليه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في يوليو 2025 بمدينة تيرنبيري الاسكتلندية، والذي تم تفصيله لاحقاً في بيان مشترك صدر في أغسطس من العام نفسه بهدف توفير بيئة تجارية أكثر استقراراً للشركات والمستهلكين على جانبي الأطلسي.
أخبار ذات صلةوفي المقابل، وافقت الولايات المتحدة على تثبيت سقف الرسوم الجمركية عند 15% على معظم الصادرات الأوروبية، بما في ذلك السيارات وأشباه الموصلات والمنتجات الدوائية والأخشاب، ما أسهم في احتواء مخاطر اندلاع مواجهة تجارية أوسع.
ورغم تخفيض الرسوم، حرص الاتحاد الأوروبي على تضمين آليات حماية تسمح لـلمفوضية الاوروبية بتعليق الامتيازات الممنوحة للولايات المتحدة إذا تبين أن زيادة الواردات الأميركية تلحق ضرراً خطيراً بالمنتجين الأوروبيين، أو إذا أخلت واشنطن بالتزاماتها الواردة في الاتفاق.
ويحتفظ الاتحاد الأوروبي أيضاً بحق إعادة النظر في بعض التنازلات التجارية المتعلقة بمنتجات الصلب والألمنيوم بحلول نهاية عام 2026 إذا استمرت الولايات المتحدة في فرض رسوم تتجاوز السقف المتفق عليه على هذه المنتجات.
ومن المنتظر أن يخضع الاتفاق للتصويت النهائي في الجلسة العامة للبرلمان الأوروبي خلال يونيو 2026، قبل استكمال إجراءات الاعتماد الرسمية مع مجلس الاتحاد الأوروبي، تمهيداً لدخوله حيز التنفيذ بعد نشره في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي.
ويرى مراقبون أن الاتفاق يمثل خطوة مهمة نحو استقرار العلاقات التجارية بين أكبر اقتصادين غربيين، في وقت تسعى فيه بروكسل وواشنطن إلى تجنب موجة جديدة من الرسوم الانتقامية التي قد تؤثر على قطاعات الصناعة والزراعة والتصدير في الجانبين.
المصدر: وام