حمود بن علي الطوقي

 

لفت انتباهي تساؤلٌ طرحه أحد رواد الأعمال من مُحافظة الوسطى وهو يتحدَّث عن تحديات العمل الحُر في الجلسة الحوارية ضمن ملتقى "معًا نتقدم"، بإدارة معالي الدكتور محاد باعوين وزير العمل وحضور سعادة حليمة الزرعية رئيسة هيئة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (ريادة) حين استخدم في تساؤله عبارة "التجارة المستهترة"؛ بدلًا من التجارة المُستترة.

وبينما كنَّا نتابع النقاش، كان بجانبي سعادة الدكتور خليفة البرواني رئيس المركز الوطني للإحصاء والمعلومات. همستُ له: هل الأدق أن نقول "تجارة مستهترة" أم “تجارة مستترة”؟ ومن هذا الهمس تولّدت فكرة المقال: نعم، “التجارة المستترة” هو المصطلح الأدق في توصيف الظاهرة من زاوية الإخفاء والالتفاف، لكن عبارة “التجارة المستهترة” قد تكون الأقرب لوصف الأثر حين تتحول الممارسة إلى سلوك يستهين بقواعد السوق وبمبدأ تكافؤ الفرص. هكذا كان رد سعادة الأخ الدكتور خليفة البراوني.

واللافت من خلال هذه الجلسة الحوارية أن رواد الأعمال لم يذهبوا بعيدًا في التنظير، بل تحدثوا بوضوح عن لبّ المشكلة: بأن أكبر التحديات التي تواجه العمل الحر وريادة الأعمال اليوم هي المنافسة غير العادلة التي تخلقها التجارة المستترة. ففي الوقت الذي يتحمل فيه رائد الأعمال الملتزم كلفة التسجيل والرسوم والإيجارات والمحاسبة والالتزام بالاشتراطات، يجد أمامه منافسًا يعمل بغطاءٍ لا يعكس الواقع، أو بتكاليف أقل لأنه لا يحمل ما يحمله الملتزم من أعباء. هنا لا تكون المنافسة بين "فكرتين" أو "خدمتين"؛ بل بين مسارين: مسارٍ شفاف يدفع ثمن الالتزام، ومسارٍ رمادي يُحقق مكاسب سريعة على حساب النظام.

ومن أخطر ما تتركه هذه الظاهرة أنها لا تُضعف مشروعًا بعينه فحسب، بل تُربك بيئة الأعمال كلها؛ حيث تشوه سوق العمل، وتخلق إحباطًا عند أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، الجادة وتدفع بعض الشباب للأسف إما للانسحاب من السوق مبكرًا، أو للانزلاق إلى حلول مختصرة لا تخدم استدامة الاقتصاد ولا جودة الخدمات. ومع الوقت، يصبح السؤال مؤلمًا: كيف نطلب من الشباب الإقدام على العمل الحر، بينما السوق يرسل إشارات معاكسة مفادها أنَّ الالتزام مكلف، وأن التحايل أسرع ربحًا؟

ولا يمكن فصل ذلك عن ملف العمالة غير المنضبطة في بعض القطاعات؛ فكلما اتسع نطاق التستر اتسعت معه فرص التشغيل خارج الإطار الصحيح، وتداخلت الحلقات بشكل يضغط على السوق ويزيد من تشوهاته. والنتيجة النهائية واحدة: رائد أعمال ملتزم يخسر جزءًا من فرصته ليس لأنه أقل كفاءة، بل لأنَّ الملعب غير متوازن.

خلاصة القول.. قد نختلف في التسمية، لكننا نتفق على الحقيقة التي قالها رواد الأعمال بصوتٍ عالٍ: التجارة المستترة تُفرز منافسة غير عادلة، والمنافسة غير العادلة تُحاصر العمل الحُر. وإذا أردنا لريادة الأعمال أن تكون خيارًا وطنيًا جادًا لا مجرد شعار، فعلينا أن نُعلي من قيمة السوق المنضبط، وأن نُشجع الالتزام لا الالتفاف، وأن نُعيد ميزان العدالة إلى المكان الذي منه تبدأ كل تنمية اقتصادية سليمة. وفي هذا المعنى تحديدًا، تصبح العبارة الأقرب للتوصيف: هي تجارة مستترة في الشكل… لكنها قد تتحول إلى تجارة مستهترة في الأثر.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

التعاون الخليجي: تهديدات الحوثيين للملاحة تستوجب تحركًا دوليًا حاسمًا

دعا مجلس التعاون لدول الخليج العربية المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم إزاء التهديدات التي تطلقها ميليشيا الحوثي للملاحة الدولية في البحر الأحمر، محذرًا من أن استمرار هذه التهديدات يمثل خطرًا مباشرًا على أمن الممرات البحرية وحركة التجارة العالمية، فيما حمّل إيران مسؤولية تقويض جهود الاستقرار في المنطقة.

وأكد الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، جاسم البديوي، خلال جلسة أمام مجلس الأمن الدولي، أن تهديدات ميليشيا الحوثي بإغلاق مضيق باب المندب واستهداف الملاحة البحرية تقوض أمن البحر الأحمر وتهدد حرية الملاحة الدولية، داعيًا المجتمع الدولي إلى تبني موقف حازم لردع هذه التهديدات والحفاظ على أمن الممرات البحرية.

وأدان البديوي بأشد العبارات التصريحات العدائية الصادرة عن ميليشيا الحوثي ضد المملكة العربية السعودية، معتبرًا أن هذه التهديدات تمثل تصعيدًا خطيرًا ينعكس سلبًا على أمن المنطقة واستقرارها.

وشدد الأمين العام لمجلس التعاون على أن السلوك الإيراني يواصل تقويض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار، مطالبًا مجلس الأمن الدولي بوضع حد لما وصفه بالاعتداءات الإيرانية المتكررة، والتي قال إنها تشكل انتهاكًا واضحًا لمبادئ القانون الدولي.

وأشار إلى أن استهداف إيران للممرات البحرية وعرقلة عبور السفن يهددان أمن الطاقة العالمي، مؤكدًا أن أي اعتداء على طرق الملاحة الدولية ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية.

وأضاف البديوي أن الممارسات الإيرانية، بما في ذلك التحركات في مضيق هرمز، ألقت بظلالها على حركة التجارة العالمية، محذرًا من أن استمرار التصعيد سيؤدي إلى تداعيات خطيرة على أمن الملاحة وسلامة المدنيين، فضلًا عن زيادة حالة التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.

وجدد الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي دعوته إلى تحرك دولي أكثر فاعلية لمواجهة التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية، مؤكدًا أن حماية حرية الملاحة وضمان انسيابية التجارة الدولية تمثلان مسؤولية جماعية تستوجب موقفًا دوليًا موحدًا وحازمًا.

مقالات مشابهة

  • سعر الدولار في السوق الرسمية الآن
  • بكين وواشنطن تدرسان خفضًا متبادلًا للرسوم
  • “امبية”: تشديد الرقابة على الواردات ضرورة لحماية السوق والمستهلك والقطاع الزراعي
  • سعر GMC كانيون في السوق السعودي .. بتصميم بيك أب
  • مصر.. الذهب يعوض جزءاً من خسائره رغم ضغوط الأسواق العالمية.. ما تعليق الخبراء؟
  • "فولكس فاغن" تراهن على السوق الصينية بتقنيات القيادة الذاتية
  • تركيا تستهدف حجم تجارة مع سوريا بقيمة 10 مليارات دولار
  • ليفربول يُكبد تجار "السوق السوداء" خسائر بـ1.6 مليون دولار
  • التعاون الخليجي: تهديدات الحوثيين للملاحة تستوجب تحركًا دوليًا حاسمًا
  • انطلاق الحملة التوعوية والإرشادية الكبرى لرفع مستوى الوعي المروري بالبحر الأحمر