من الشعر الصهيوني إلى السيطرة على غزة والضفة
تاريخ النشر: 11th, February 2026 GMT
في 2 فبراير 2026، أعادت إسرائيل تشغيل معبر رفح بشكل محدود، لكن ذلك جاء مع إنشاء ممر "ريجافيم" على بُعد خمسة كيلومترات من المعبر، وهو واقع أمني يعكس نمط السيطرة الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية وحركة العابرين.
يحمل الاسم نفسه، "ريجافيم"، جمع "ريجيف"، دلالات صهيونية عميقة، فكلمة "ريجيف" المفردة تعني كتلة من التراب أو الطين، وتشير إلى قطعة صغيرة من الأرض، وجاءت في قصيدة "دونم هنا ودونم هناك" لشاعر صهيوني هو يهوشواع فريدمان، التي تمجد الاستحواذ الصهيوني التدريجي على الأرض الفلسطينية، واعتمد الصندوق "القومي" اليهودي، الذي تأسس في المؤتمر اليهودي الصهيوني الخامس عام 1901، هذه القصيدة كمصاحبة للتبرعات لأجل الحصول على الأراضي الفلسطينية، ويقول فيها:
"دونم هنا ودونم هناك/ حفرة وراء حفرة / هكذا تُفدى أرض الشعب/ من الشمال إلى النقب.
ليست قصيدة فريدمان مجرد نص شعري، بل خارطة أيديولوجية للمشروع الصهيوني، ويعكس تكرار عبارة "دونم هنا ودونم هناك، حفرة وراء حفرة" يعكس مفهوم الاستيطان التدريجي، حيث تتحول كل قطعة أرض إلى هدف سياسي وثقافي، ما يجعل السيطرة على الأرض الفلسطينية واجبًا يهوديًا صهيونيا جماعيًا.
استُخدمت كلمة "ريجافيم" لاحقًا لتسمية حركة يمينية متطرفة تأسست عام 2006م، تهدف إلى تعزيز السيطرة على الأراضي في الضفة الغربية ومنع الوجود الفلسطيني، ووضع "أجندة" صهيونية لدولة إسرائيل، ومن بين مؤسسي الجمعية عضو الكنيست وزير المالية الإسرائيلي الحالي، بتسلئيل سموطريتش، المعروف بتطرفه السياسي ودعمه الواسع لتوسيع الاستيطان.
تمثل الحركة امتدادًا عمليًا للشعار الشعري، حيث كل قطعة أرض يتم الاستيلاء عليها تمثل نجاحًا في المشروع الصهيوني، وفي قطاع غزة، أصبح اسم "ريجافيم" ملموسًا على الأرض من خلال الممر الجديد قرب معبر رفح، هذا الممر يُدار من قبل الجيش الإسرائيلي وميليشيا "أبو شباب" العميلة المتعاونة مع جيش إسرائيل، ويشمل تفتيشًا دقيقًا للأمتعة، واستخدامًا لأجهزة التعرف على الوجه، ومسحًا إلكتروني، ويتعرض الفلسطينيون لاحتجاز طويل واستجوابات مهينة، وتُسلب منهم متعلقاتهم الشخصية، بما فيها حتى ألعاب الأطفال، ويفرض الممر قيودًا صارمة على الحركة، بحيث لا يُسمح إلا بمرور مجموعات صغيرة، غالبًا أقل من عشرين شخصًا لكل دفعة، مع إبقاء معبر كرم أبو سالم تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، بهذه الطريقة، في إطار التحرك للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، تتحقق السيطرة الإسرائيلية على الأرض والبشر معًا، لتصبح كل حركة، كل أمتعة، وكل مساحة خاضعة للرقابة، ما يعكس المنطق نفسه الذي جسده الشعر الصهيوني قبل عقود.
رغم تبرير إسرائيل رسميًا لإعادة تشغيل معبر رفح بأنها خطوة أمنية ضرورية في مرحلة ما بعد الحرب، فإن إعادة فتح المعبر جاءت محدودة الأثر على حركة الفلسطينيين، فقد فرضت إسرائيل آلية لتشغيل المعبر، تضمنت تقليص أعداد المرضى المسموح بعودتهم بعد انتهاء علاجهم في الخارج ومرافقيهم، وإجبار المغادرين على المرور أولًا عبر معبر كرم أبو سالم الخاضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، قبل وصولهم إلى معبر رفح حيث يتواجد المراقبون الدوليون، ونتيجة لهذه القيود، بقيت حركة العبور ضعيفة للغاية، إذ منذ إعادة فتح المعبر وحتى الثامن من فبراير عادت أربع دفعات فقط إلى القطاع، وبأعداد قليلة تتراوح بين 12 و40 شخصًا لكل دفعة، مع استمرار إغلاق المعبر أمام البضائع والشحن التجاري، ما أبقى الأثر الاقتصادي والإنساني محدودًا، ويقع حاجز التفتيش على طريق صلاح الدين بالقرب من منطقة البيوك شمال شرقي رفح، وعلى بُعد نحو خمسة كيلومترات من الجانب الفلسطيني من المعبر، ومن ثم يقع على ما يعرف بممر "موراج"، الذي أعلن عنه بنيامين نتنياهو في 2 أبريل 2025، ويمتد بين مدينتي رفح وخان يونس بهدف فصل الأولى عن باقي القطاع، ووصفه نتنياهو بأنه "فيلادلفيا الثاني"، مشيرًا إلى أنه يُشكل محورًا أمنيًا جديدًا يربط بين منطقتين تخضعان للسيطرة الإسرائيلية، ممر فيلادلفيا على الحدود مع مصر، وممر نتساريم الذي يفصل شمال غزة عن بقية القطاع.
من الشعر إلى الأرض، ومن الرمز إلى الواقع، تتضح استمرارية مشروع السيطرة على الأرض الفلسطينية في الفكر الصهيوني والسياسة الإسرائيلية، وضعت قصيدة فريدمان الأيديولوجيا، وظهرت حركة ريجافيم لتطبقها في الضفة الغربية، ودشن جيش إسرائيل ممر ريجافيم قرب رفح ليترجمها إلى واقع يومي يحدد حياة الفلسطينيين وحرية تحركهم، لتضع هذه التطورات الفلسطينيين في مواجهة سيطرة شاملة على الأرض والإنسان، حيث يصبح كل "دونم" قطعة من معركة أوسع بين الرمز التاريخي والسلطة الإسرائيلية العسكرية.
، كاتب وشاعر، صحفي حر، أكاديمي، مُحاضر الأدب العبري الحديث والدراسات الإسرائيلية، كلية الآداب، جامعة المنصورة، مصر
https://www.facebook.com/MoHendam
https://x.com/MoHendam
[email protected]
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: أعادت إسرائيل المعبر السیطرة على على الأرض معبر رفح
إقرأ أيضاً:
مقاومة الجدار والاستيطان: الاحتلال يستولي على أراضٍ بحجة الاستملاك في بيت لحم
رام الله - صفا
قالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، يوم الثلاثاء، إن سلطات الاحتلال الإسرائيلي أصدرت أمرا عسكريا جديدا بالاستيلاء على 300 دونم من أراضي المواطنين في منطقة جبل الفريديس (الهيروديون) الواقعة على أراضي عرب التعامرة شرقي محافظة بيت لحم، تحت مسمى "الاستملاك لأغراض عامة" و"تطوير الموقع الأثري".
وأكد رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الوزير مؤيد شعبان أن الأمر الجديد يشكل ثالث أوامر الاستملاك التي تُصدرها سلطات الاحتلال منذ بداية عام 2026، في إطار سياسة متسارعة تهدف إلى فرض السيطرة القانونية والإدارية على الأراضي الفلسطينية، وتحويلها لخدمة المشاريع الاستيطانية الاستعمارية، من خلال تجيير منظومة الأوامر العسكرية الرامية إلى نزع ملكية الأراضي.
وأوضح أن هذا الأمر يعد سادس أوامر الاستملاك التي تستهدف مواقع أثرية وتراثية فلسطينية في جملة الأعوام القليلة الماضية أبرزها: موقع أخليوس في محافظة أريحا، ودير سمعان ودير قلعة في محافظة سلفيت، وموقع سبسطية في محافظة نابلس، والنبي صاموئيل مؤخرا شمالي القدس، في مؤشر واضح على تصاعد استخدام الاحتلال للرواية الأثرية والتاريخية أداة للاستيلاء على الأرض وتعزيز مشاريع الضم وفرض الوقائع الاستعمارية على الأرض الفلسطينية المحتلة.
وأضاف أن الموقع المستهدف بالأمر الحالي سبق أن أعلنت سلطات الاحتلال عام 2024 ما مجموعه 171 دونما من الأراضي المحيطة بالموقع "أراضي دولة"، قبل أن تعود اليوم لتوسيع نطاق سيطرتها من خلال استملاك على الموقع ذاته مضيفة إليها أكثر من 130 دونما، ليصبح مجموع الاستيلاء الإجمالي 300 دونم تشمل المنطقة ذاتها وأراضي أخرى محيطة بها، ما يكشف عن خطة متدرجة وممنهجة تهدف إلى إحكام السيطرة على كامل الحيز الجغرافي للموقع ومحيطه، من خلال استدعاء المسميات المختلفة للاستيلاء.
وشدد على أن سياسة الاستملاك التي تنفذها سلطات الاحتلال في الضفة الغربية تمثل إحدى أخطر الأدوات المستخدمة لفرض الضم الفعلي للأراضي الفلسطينية، خاصة أنها تستند إلى تشريعات وإجراءات أحادية الجانب يفرضها الاحتلال على الأرض المحتلة، في مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
وبيّن أن استهداف المواقع الأثرية والتراثية الفلسطينية لا يقتصر على السيطرة على الأرض فحسب، بل يندرج في إطار محاولة إعادة تشكيل المشهد التاريخي والثقافي الفلسطيني، وربط هذه المواقع بالمشروع الاستيطاني الاستعماري، بما يساهم في عزلها عن محيطها الفلسطيني وتحويلها إلى مراكز جذب سياحي واستيطاني تخدم الرواية الإسرائيلية.
وأكد شعبان أن هذا القرار يأتي في سياق أوسع من الإجراءات التي تنفذها حكومة الاحتلال بهدف تعزيز سيطرتها على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، وفرض وقائع جغرافية وقانونية جديدة تمهد لمزيد من مشاريع الضم والتوسع الاستيطاني على حساب حقوق الشعب الفلسطيني وأراضيه ومقدراته.