في عالم المال والسياسة والاستخبارات، تبرز شخصية روبرت ماكسويل كواحدة من أكثر الشخصيات غموضا وإثارة للجدل في القرن العشرين.

رجل الأعمال البريطاني من أصل تشيكي، جمع ثروة هائلة من الإعلام والنشر، واقتحم عالم السياسة، ليصير اسما بارزا في شبكة نفوذ واسعة تمتد على ضفتي الأطلسي، لكنها تشير دائما إلى إسرائيل، التي وصف بأنه "أحد أبطالها" ورجل من رجال استخباراتها الخارجية الموساد، بحسب شهادات ضباط سابقين.

وربما تمثل قصة ماكسويل مفتاحا لفهم هذه الشبكات التي تتقاطع فيها السياسة والاستخبارات بالفضائح الجنسية، حيث تبرز ابنته غيلين ماكسويل كمحور لشبكة جيفري إبستين في الولايات المتحدة.

ولد روبرت ماكسويل عام 1923، باسم يان لودفيك هوخ في تشيكوسلوفاكيا -إحدى دول الاتحاد السوفياتي سابقا- وهو واحد من 9 أبناء لوالدين يهوديين.

وقد هاجر إلى بريطانيا التي شهدت رحلة صعوده المذهل حيث أصبح مالكا لصحيفة "ميرور" وشركة "بيرغامون" للنشر العلمي، لينافس روبرت مردوخ في الإعلام الدولي. ولم يكن التنافس بينهما مجرد صراع تجاري على الصحف والأسواق، بل كان معركة نفوذ على المستوى العالمي.

حاول ماكسويل شراء صحف أمريكية بارزة مثل "نيويورك ديلي نيوز"، لتوسيع سيطرته الإعلامية وصولا إلى قلب السياسة الدولية، موازيا أو متفوقا على غريمه الأسترالي مردوخ. ومع كل عملية شراء وكل صراع على العناوين الرئيسة، امتدت المنافسة إلى أروقة السلطة.

فقد استخدم كلاهما مؤسساته الإعلامية للتأثير على صناع القرار وكسب دعم اللوبيات الإسرائيلية والأمريكية، ما جعل الإعلام أداة إستراتيجية للتأثير على القرار السياسي والاقتصادي الدولي.

ماكسويل (يسار) يصافح مردوخ خلال التصويت على عروضهما لشراء صحيفة "نيوز أوف ذا ورلد" (غيتي)علاقاته بإسرائيل والاستخبارات

حياة ماكسويل المهنية والسياسية كانت متشابكة مع إسرائيل، إذ زار تل أبيب والتقى رئيس الوزراء آنذاك إسحاق شامير، معلنا استثمارات ضخمة في الاقتصاد الإسرائيلي، حيث أصبح أحد كبار المستثمرين في شركات التقنية والأدوية.

إعلان

أعاد ماكسويل اكتشاف "يهوديته" بعد تأثره بزيارته الأولى لتل أبيب ولقائه شخصيات سياسية ورجال أعمال، مما دفعه لتكثيف استثماراته ومشاريعه الخيرية في إسرائيل.

ولم تكن هذه "العودة إلى الجذور" مجرد مسألة شخصية، بل ارتبطت بشكل مباشر بتوسيع نفوذه المالي والسياسي، لتظهر شبكة معقدة من المصالح طبعت حضوره وتأثيره في بريطانيا والعالم.

وامتدت نشاطات ماكسويل إلى ما وراء الإعلام والسياسة، لتشمل أبعادا استخباراتية وتجارية حساسة، إذ تشير تقارير إلى تورطه في تجارة السلاح عبر أسماء مرتبطة بالموساد مثل نك ديفيز وآري بن ميناشي.

لكن فضيحة مالية هي التي أنهت هذه المسيرة، عندما تم الكشف عن اختلاس ماكسويل مبالغ بالملايين من صناديق التقاعد المخصصة لموظفي شركاته من أجل سداد ديونه المتراكمة.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1991، عثر على جثة ماكسويل طافية قرب يخته "ليدي غيلين"، في حادثة أثارت جدلا واسعا وتساؤلات حول ما إذا كان قد انتحر بسبب أزماته المالية، أم قتل بسبب نشاطاته في الاستخبارات وتجارة السلاح.

ورغم هذا الجدل وهذه السمعة الملطخة في بريطانيا والعالم، فقد أقامت له إسرائيل جنازة على جبل الزيتون المخصص لـ"أبطال" الدولة، بحضور شخصيات إسرائيلية وأجنبية.

ماكسويل يتحدث إلى الصحفيين أثناء توجهه إلى اجتماع قادة نقابة صحيفة "نيويورك ديلي نيوز" (رويترز)خطر السلطة

كتاب جون بريستون "السقوط: لغز روبرت ماكسويل" يشير إلى أن جهازا استخباراتيا ربما أرسل عملاء إلى يخته، بعدما هدد بفضح معلومات سرية، وهو ما يعزز فرضية اغتياله.

استخدم ماكسويل -بشخصيته المتسلطة وصوته الجهوري- نفوذه الإعلامي بشكل إستراتيجي لدعم سياسات محددة، أبرزها دعم التيارات اليمينية في أمريكا وإسرائيل، رغم أنه كان يظهر أمام الرأي العام البريطاني كداعم لسياسات اليسار العمالي.

وليس بعيدا عن اهتمامات ابنته -المسجونة في الولايات المتحدة حاليا بسبب دورها في شبكة إبستين- تشعبت علاقات ماكسويل النسائية بشكل مثير للشبهات، وأبرزها ارتباطه بمساعدته أندريا مارتن (25 عاما)، التي كانت مرتبطة بمسؤول الشؤون الخارجية في صحيفة "ديلي ميرور" نك ديفيز، الذي اتهم بالعمل لصالح الموساد.

ماكسويل (يسار) إلى جانب أندريا مارتن (مجلة دوجور)إرث عائلة ماكسويل

تجسد حياة ماكسويل وابنته غيلين قصة الجانب المخفي لحياة النخب، لكن في حقلين مختلفين، فالوالد كان إعلاميا وسياسيا، وعضوا في حزب العمال البريطاني، وصاحب تأثير على الرأي العام ودوائر السياسة والمال عالميا، أما غيلين، فقد انغمست في فضائح جنسية، أبرزها توفير فتيات قاصرات لشبكة إبستين، بما في ذلك تورط الأمير البريطاني أندرو، لتصبح محاكمتها في الولايات المتحدة نموذجا معاصرا لما يمكن أن يؤدي إليه تأثير السلطة والثروة.

اليوم، يظل كل من ماكسويل وإبستين محور دراسة لفهم كيفية تلاعب القوى الكبرى بالمال والسياسة والجنس لتحقيق أهداف بعيدة عن أعين العامة، فغموض وفاة ماكسويل، وفضائح غيلين، وعلاقات إبستين المعقدة بإسرائيل وأجهزة استخبارات دولية، كلها تجعل من هذه القضية نموذجا لتشابكات المال والجاسوسية والفضائح الأخلاقية التي هزت العالم الحديث.

إعلان

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!

لم تكن نظريات الإعلام في يوم من الأيام مجرد بوتقة لإفراغ بعض الآراء في هذا المجال، ولكنها حتمًا كانت ضرورية في تنظيم ما تمر به المعلومة الأولى كسلعة أساسية لهذه المنظومة منذ الكشف عنها وحتى وصولها للجمهور، فنظرية كنظرية الأجندة أو ترتيب الأولويات، وما مرت به من تطور في بعض الأوقات وهجومٍ في وقتٍ آخر، كان وجودها ضرورة في تحديد أولويات الجمهور والوقوف على احتياجاته الأصلية من منطلق واقعه الحقيقي لا من واقع توجهات المؤسسات الإعلامية واهتماماتها الخاصة.

لم يستدعِ طرح هذا النوع من النقاش سوى ما نعيشه من تجاهل إعلاميٍّ تامٍّ لواقع الناس الحقيقي، واللهث الدائم خلف تفاهات لا تستهدف سوى تحقيق أرباح لحظية، وهنا على سبيل المثال لا الحصر، حينما نتحدث عن الأمن القومي للأوطان، تتجه الأذهان غالبًا إلى الحدود والسلاح والاقتصاد، غير أن هناك موردًا لا يقل أهمية عن ذلك كله، بل ربما يتقدم عليها جميعًا، وهو الماء؛ ذلك العنصر الذي جعله الله تعالى أساس الحياة وشرط استمرارها، فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.

والماء كقضية، هي في حد ذاتها على رأس أولويات الجمهور، بدءًا من فقه التعامل معها، والإحساس بقيمتها وأهميتها، وانتهاءً بالوعي التام بما يحيط بها.

إن المتابع للمشهد الإعلامي يلحظ أن كثيرًا من القضايا تحظى بمساحات واسعة من التغطية والنقاش، بينما لا تزال قضية المياه أقل حضورًا مما تستحق، رغم أنها تمس حياة كل مواطن بصورة مباشرة، وتتصل بالأمن الغذائي والصحي والاقتصادي والبيئي للدولة، وهنا لا أتحدث فقط عن مخاطر المياه في حد ذاتها، أكثر من سؤال أود طرحه على القائم بالاتصال، وهو: أين دورك في توعية المواطن بقيمة ما لا يمكنه الاستغناء عنه، وبفقه ترشيد استهلاكه؟ وماذا لو استيقظ المواطن على تحديات يُضطر خلالها إلى الالتزام باستخدام قدر لا يمكن أن يزيد عنه في اليوم والليلة من المياه؟

لقد أصبحت المياه في القرن الحادي والعشرين أحد أهم محددات التنمية والاستقرار، ولذا فإن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن العالم يواجه ضغوطًا متزايدة على الموارد المائية نتيجة النمو السكاني والتغيرات المناخية والتوسع العمراني. وفي ظل هذه التحديات، يصبح الوعي المجتمعي أحد أهم أدوات حماية هذا المورد الحيوي، فماذا قدَّم الإعلام؟!

وإذ كانت أول معلومة تصدر لطلاب الإعلام بأن المهمة الأساسية للإعلام هي التثقيف والتنوير، وأنه دور يفوق المهمة الوحيدة من نقل الخبر والمعلومة دون الإحاطة بأبعادها، فهنا يأتي الدور المحوري للإعلام؛ وهو أن مهمته تمتد إلى بناء الوعي وتشكيل السلوك وصناعة الأولويات المجتمعية، ومن ثمَّ فإن الإعلام مُطالب بأن يجعل قضية المياه قضية يومية حاضرة في أجندته، من خلال البرامج الحوارية والتقارير الميدانية والحملات التوعوية والمحتوى الرقمي الموجَّه لمختلف الفئات العمرية.

إن التوعية بقضايا المياه لا تعني فقط الحديث عن ندرتها أو التحديات المرتبطة بها، بل تشمل أيضًا نشر ثقافة الترشيد، وتصحيح السلوكيات الخاطئة في الاستهلاك، وإبراز الجهود الوطنية في إدارة الموارد المائية، وتعريف المواطنين بالعلاقة الوثيقة بين كل قطرة ماء وبين أمنهم الغذائي ومستقبل أبنائهم، بل وحياتهم أنفسهم.

كما ينبغي الإشارة أيضًا إلى أن المحافظة على المياه ليس مجرد سلوك حضاري، بل هي واجب ديني وأخلاقي، فقد أرست الشريعة الإسلامية منظومة متكاملة تحثُّ على عدم الإسراف في الموارد كافة، وجعلت الاعتدال منهجًا عامًا للحياة، قال تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، وقد بلغ من عناية الإسلام بالماء أن النبي ﷺ نهى عن الإسراف فيه حتى في حال الوفرة، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ مرّ بسعد وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السرف؟» فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم وإن كنت على نهر جار».

وهذا التوجيه النبوي يؤكد أن قيمة الماء لا ترتبط بمدى توفره فقط، وإنما بكونه نعمة يجب صيانتها وحسن الانتفاع بها. ومن هنا فإن ترشيد استهلاك المياه ليس استجابة لاعتبارات اقتصادية أو بيئية فحسب، بل هو التزام ديني يعكس وعي الإنسان بمسؤوليته تجاه النعمة التي أنعم الله بها عليه.

إن المرحلة الراهنة تتطلب شراكة حقيقية بين المؤسسات الإعلامية والدينية والتعليمية والمجتمعية من أجل ترسيخ ثقافة الحفاظ على المياه، وتحويلها من مجرد رسائل موسمية إلى ثقافة يومية وسلوك مجتمعي مستدام.

ثم إن خلاصة القول لا بد وأن يعلم القائمون على المنظومة الإعلامية أن المعركة الحقيقية ليست فقط في توفير المياه، وإنما في بناء وعي يحافظ عليها، وأنتم لا شك خط الدفاع الأول في هذه المعركة، بكم تقوم الحياة، وفي غيابكم وتجاهلكم تكثر المخاطر والتحديات.

طباعة شارك محمد ورداني قطرة المياه المياه

مقالات مشابهة

  • سيامات كهنوتية وتكريمات إكليريكية خلال احتفالات عيد العنصرة ويوم الروح القدس
  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
  • الصندوق الأحمر يشعل أزمة في لندن .. كيف تحولت هدية ستارمر لترامب إلى ملحمة سياسية وأشعلت غضب صديق إبستين؟
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • محطة محمول تشعل خلافًا عائليًا بالبحيرة.. وإصابة أب مسن
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • السفير البريطاني يشيد بحجم إنجازات ومشروعات الجهاز الوطني للتنمية
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش