د. عثمان أبوزيد يكتب: حرب الكرامة في التعليم التقني
تاريخ النشر: 12th, February 2026 GMT
عاد موضوع التعليم التقني إلى دائرة الاهتمام مع توجيه السيد رئيس الوزراء د. كامل إدريس بإنشاء عشرين مدرسة صناعية فنية، وتأكيده أن هذا النوع من التعليم يساعد في إعادة الاعمار والبناء ودفع عجلة التنمية بالبلاد.
والتركيز هنا على التعليم التقني وليس التقاني، ولكي أفهم الفرق بين التقني والتقاني سألت الأستاذ عبد المحمود عثمان منصور الأمين العام السابق للمجلس القومي للتعليم التقني والتقاني، فكان جوابه أن التعليم التقني يقصد به المرحلة الثانوية، أما التعليم التقاني فيُقصد به جميع مستويات العملية التعليمية التي تشمل دراسة المسار المتدرج من البكالوريوس التقاني حتى الدراسات العليا.
والحقيقة أن مؤسسات هذا النوع من التعليم حملت أسماء مثل؛ الصناعي والفني والمهني والمدارس المصلحية، والسبب فيما يبدو اختلاف المنابع التي أخذنا منها. فالمدارس التي كانت تؤهل للمعهد الفني بدأت بنظام بريطاني، ثم دخلت المعاهد المهنية التي تؤهل للكلية المهنية وفق نظام أمريكي، وكان لهذا الأخير مردود إيجابي من حيث المناهج الدراسية ونوعية الخريج كما يقول الأستاذ عبد المحمود.
ومن بعد جاء دعاة الاشتراكية ليوقفوا التعليم الأمريكي جملة واحدة ويتجهوا صوب النظام الروسي.
ويتساءل المرء: لماذا لم نتجه لتصميم نموذج سوداني يأخذ حسنات النظم المختلفة مع مراعاة البيئة السودانية؟ لكن أليس هذا هو جوهر المعضلة الوطنية التي تواجهنا في كل مجال.
الواقع أننا بعد الحرب ومع إعادة الإعمار تواجهنا مشكلة عملية. حدثني أحد الأصدقاء رجع إلى الخرطوم لصيانة منزله المتأثر بالحرب، فوجد وفرة كبيرة في الأيدي العاملة، مع ندرة ملحوظة في العمال المهرة.
المسألة أشمل من ذلك بالطبع، فنحن بحاجة إلى مقابلة احتياجات الطفرة التي تحصل عادة بعد الحروب الكبرى، ويكون عندنا خيال يستوعب متطلبات النهضة المنتظرة في هذه البلاد. وأن على أولياء أمور التلاميذ أن يسعوا إلى تأهيل أبنائهم في (مدارس الإتقان) أي المعاهد الفنية والصناعية فالمستقبل هناك.
في السنوات الأخيرة بدأت كفة التقني Technical ترجح من حيث الدخل والمستوى الاجتماعي، حتى صار قريبًا من مستوى التقاني Technological فالحاجة ماسة إلى أصحاب المهارات العملية والمهام الفنية والحرفية، وهي حاجة لا تقل بأي حال عن خريجي الهندسة الذي يفهمون المبادئ العلمية وتطوير العمليات والحلول المبتكرة والإدارة.
حدثنا الدكتور عبد القادر أحمد إسماعيل في بعض تسجيلاته نقلا عن شقيقه البروفيسور حامد اسماعيل ـ رحمه الله ـ عميد كلية الهندسة ومدير كرسي اليونسكو للمياه وصاحب نظريات في الهندسة أنه قال له ذات مرة: “هسع أنا بقدر أعمل التربيزة اللي بنشرب فيها الشاي دي؟ ما دي دايرة ذكاء مختلف، يعني دايرة نجار ينجرها”.
ودعني أنقل هنا قصة قرأتها في مقال لكاتب أمريكي بعنوان: مدارس المستقبل، يقول: أذكر أننا وضعنا بعض الحواسيب في فصل دراسي بمدرسة ابتدائية في حي فقير بنيويورك، وكان كل شيء في تلك المدرسة مهشمًا، ولكن كان هناك صف دراسي واحد ذو شكل لائق وهو غرفة الحواسيب التي لم يكن وضعها جيدا بسبب أنها كانت مغلقة، بل لأنها كانت مخصصة للصغار الذين حافظوا عليها.
وصل فريق من الباحثين إلى المدرسة، ثم توجهوا إلى غرفة الحواسيب حيث وجدوا تلميذا اسمه كارلوس هو الذي يعتني بالغرفة ويرتبها. قال فريق الباحثين للتلميذ كارلوس: هل يمكنك أن توضح لنا ما الذي تقوم به في هذه الحواسيب؟ فقال كارلوس: بكل تأكيد، وكان سعيدا وهو يشرح للكبار ويريهم ما سيفعله، وبدأ الطباعة واستخدام برنامج في الحاسوب.
بعد ذلك قابل فريق الباحثين مدير المدرسة وقالوا له إن كارلوس كان رائعًا في أدائه وأنه عندما تواجهه صعوبة يفتح دليل الاستخدام والتشغيل ليتعرف على كيفية الاستخدام.
قال مدير المدرسة: لا شك أن هناك خطأ ما، لأن كارلوس لا يستطيع القراءة، فهو يتلقى تعليم الأطفال المعاقين، ولم ينجح في كل مواد القراءة. عندئذ اتجه الجميع إلى غرفة الحواسيب وسألوا كارلوس: هل تستطيع القراءة؟ قال: كلا، لا أستطيع، فقالوا له: ولكن ما الذي كنت تفعله للإجابة عن ذلك في غرفة الحاسوب، فأجاب كارلوس: لم تكن تلك قراءة، بل كانت استخدامًا للحاسوب والحصول على الأوامر والتعليمات، ولكنهم (أي المدرسة) صرفوا لي كتبًا غبية تحكي قصص الديوك والكلاب، وأنا لا أحب قراءتها. (انتهت قصة كارلوس).
ظل هناك تمييز غير إيجابي للمدارس الصناعة في التعليم عندنا. أذكر أنني عندما جلست لامتحان الدخول للمدارس الوسطى وكانوا يقبلون فقط أربعين طالبًا؛ اشتركنا نحن ثلاثة طلاب في الترتيب الأربعين، وكان قرار لجنة القبول أن يُقبل أكبرنا سنًا في المدرسة الصناعية، والأقل منه عمرًا في معهد تدريب المعلمين، وأصغرهم يقبل في المدرسة الأكاديمية، وكنت صاحب الحظ السعيد حيث تلقاني الجميع بالتهنئة.
وأذكر أن كثيرًا ممن قُبلوا في المدارس الصناعية، كانوا يسجلون أيضًا في المساق الأكاديمي ويمتحنون من منازلهم للدخول إلى الجامعة.
وأسوق في الجزء الأخير من هذا المقال إشارات لنقاشات مستفيضة جرت في (المنتدى الفكري)، وهو (قروب واتساب) لبعض أبناء وبنات السودان، تناولوا موضوع التعليم التقني، وانتهوا إلى صياغة وثيقة ختامية شاملة، قالوا فيها:
لم يكن هذا المنتدى مجرد ترف فكري، بل كان “خندقاً معرفياً” لإعادة صياغة مستقبل الإنتاج في السودان. سادت المداولات روح من “الصدق الوطني القاسي”، حيث جرى تشريح أزمات الماضي التي جعلت من “الشهادة الأكاديمية” غاية في حد ذاتها، بينما ظل الاقتصاد ينزف لغياب السواعد الماهرة. لقد تبلور إجماع وطني بين المشاركين على أن “الورشة هي برلمان النهضة الحقيقي”، وأن الانتقال من عقلية “الموظف” إلى عقلية “الصانع” هو السبيل الوحيد لاستعادة السيادة الوطنية وبناء اقتصاد مقاوم للأزمات.
وهناك الكثير مما يلفت الانتباه في توصيات المنتدى، ومنها على سبيل المثال:
ـ التركيز على تحويل الفني من “منفذ” إلى “مبتكر” يمتلك مهارات التفكير التصميمي.
ـ ابتكار مفهوم “الرهن المعرفي” كبديل للرهن العقاري، لتمكين الفني من الحصول على تمويل بضمان سجل جدارته ورخصته المهنية.
ـ إدماج تقنيات “التعدين الحضري”؛ أي تدوير ركام الحرب وتحويله إلى موارد لبناء المستقبل.
ـ جعل الطاقة البديلة (الشمسية) عصب الورشة السودانية لضمان استقلالية الإنتاج عن الشبكات المتهالكة.
ـ العمل على كسر “الوصمة الاجتماعية” بجعل المهارة اليدوية رمزاً للوجاهة الوطنية والنجاح الاقتصادي.
ـ إيقاف النزيف المهني (عقدة المهندس): تسرب الكوادر الوسيطة نحو الوظائف المكتبية بحثاً عن “اللقب الاجتماعي”، مما أحدث فجوة كبرى في المواقع الإنتاجية.
ـ الفجوة السلوكية: تراجع قيم “الإتقان والانضباط” لدى بعض العمالة المحلية مقارنة بالوافدة، مما خلق أزمة ثقة لدى أصحاب العمل.
ـ الاستفادة من الكتلة البشرية المهاجرة: وجود آلاف الخبراء السودانيين في الخارج المستعدين لنقل الخبرة عبر منصات “التوأمة الافتراضية”.
ـ المسار التشغيلي: إطلاق برنامج “المعهد المنتج” لتمويل مراكز التدريب ذاتياً عبر عقود صيانة مع مؤسسات الدولة والقطاع الخاص.
ـ المسار الإعلامي: تنفيذ حملة “الهوية المنتجة” لإعادة صياغة السلم القيمي، وجعل “الأسطى المبتكر” هو النموذج الملهم في المناهج والدراما.
ونرجو ختامًا ألا تضيع هذه المخرجات المفيدة، والتوصيات السديدة، ولتصل إلى متخذي القرار، ولتتحول إلى مبادرات مجتمعية، وأعمال إعلامية وتثقيفية، وإلى برامج دراسية وسمنارات وورش عمل.
د. عثمان أبوزيد
إنضم لقناة النيلين على واتسابPromotion Content
أعشاب ونباتات رجيم وأنظمة غذائية لحوم وأسماك
2026/02/11 فيسبوك X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة إسحق أحمد فضل الله يكتب: (الطبقة الثانية من البصلة)2026/02/11 إبراهيم شقلاوي يكتب: خرائط الدم والخيانة2026/02/11 خالد سلك …. هل حقًّا الطيب صالح أديبه ؟!2026/02/11 التكينة القاعدة غلط .. التكينة القاعدة في الزلط2026/02/09 كل قاعات كلية الطب جامعة الجزيرة اليوم تبكي!2026/02/08 شهداء الطيران (3-3)2026/02/08شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات إبراهيم شقلاوي يكتب: الدعم السريع.. من المظلّة إلى المقصلة 2026/02/08الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن
المصدر
المصدر: موقع النيلين
كلمات دلالية: التعلیم التقنی
إقرأ أيضاً:
حسام الحداد يكتب: بين قناع "الثقافة" وأجندة "التمكين".. تغلغل تيار الإسلام السياسي في أروقة اتحاد الكُتّاب
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
تخوض الساحة الثقافية المصرية اليوم معركة صامتة لا تقل ضراوة عن مواجهاتها الميدانية؛ فهي معركة على "العقل الجمعي" و"الهوية المدنية" للدولة. في قلب هذا الصراع، تقف نقابة اتحاد كُتّاب مصر كرهينة لمحاولات مستمرة من تيارات الإسلام السياسي لإعادة التموضع داخل مؤسسات المجتمع المدني. لم يعد الأمر مقتصرًا على ندوات فكرية تقليدية، بل أصبحنا أمام استراتيجية دقيقة وممنهجة تهدف إلى "أدلجة" الفضاء الثقافي، حيث يتم استبدال البحث العلمي الرصين بالخطاب الدعوي، وتغليف المشاريع السياسية الإقصائية بغطاء من الحرية الفكرية، في تكرارٍ لمشاهد تاريخية سعت فيها هذه التيارات للهيمنة على النقابات المهنية باعتبارها "جسرًا" نحو السلطة المجتمعية والسياسية.
إن التوسع في إقامة ندوات تحت عناوين براقة –تنتقل بسلاسة من "مواجهة الإلحاد" إلى "أدلة وجود الله بين الفلسفة والعلم"– يكشف عن وعيٍ تكتيكيٍ بالقدرة على المناورة داخل المؤسسات العريقة. إن هذه المحاولات ليست مجرد ممارسات لحرية الرأي، بل هي محاولات استباقية لفرض "وصاية معرفية" تهدف إلى تحويل الاتحاد من منارة للتنوير والإبداع الحر إلى منبرٍ لترسيخ الفكر التقليدي الجامد. ومن هنا، تأتي أهمية هذا التحليل لرصد خيوط التغلغل، وكشف "الخلايا النائمة" التي لا تزال تُدار عبر أجندات حركية، تراهن على الوقت والقدرة على التمدد في غفلة من قيم الحداثة التي قامت عليها الدولة المصرية، مستغلةً غطاء المؤسسة لتحقيق أهداف لا تمت للثقافة بصلة.
استراتيجية "التسلل" وتغيير الواجهات
تعتمد حركات الإسلام السياسي في استراتيجيتها للسيطرة على الفضاء العام على "التسلل الناعم" بدلًا من المواجهة المباشرة التي قد تجلب عليها الرفض المجتمعي أو الرقابة القانونية. وتعمل هذه الجماعات عبر ما يمكن تسميته بـ "الخلايا النائمة" داخل المؤسسات الثقافية والنقابية، حيث لا يظهر هؤلاء كعناصر تنظيمية معلنة، بل كـ "مثقفين" أو "أكاديميين" يمارسون نفوذهم تحت غطاء الشرعية النقابية. إنهم يستغلون الثقة الممنوحة لهم في هذه الأطر المهنية لضخ أجنداتهم الأيديولوجية، مستخدمين خطابات تجمع ببراعة بين "المرجعية الدينية" التي تجد صدى في وجدان الجمهور العام، و"الشرعية المؤسسية" التي تمنحهم حصانة ضد النقد؛ مما يجعل من إقامة ندوات مثيرة للجدل داخل نقابة عريقة مثل اتحاد الكُتّاب أداةً مقصودة لإعادة تطبيع هذا الفكر في النسيج الثقافي الوطني.
لم يعد الهدف من هذه الندوات مجرد "نقاش ثقافي" كما يُروج لها، بل تحولت إلى محاولات منهجية لفرض رؤية أحادية تحت مسمى "أسلمة العلم". إن هذه التوجهات لا تهدف إلى البحث العلمي الرصين، بل تسعى لإخضاع العقل والمعرفة للمرجعية العقائدية الجامدة، مما يؤدي إلى تآكل دور الثقافة التنويري. فعندما تُطرح قضايا العلم والفلسفة في إطار يرفض التشكيك والنقد ويستند إلى "الوصاية المعرفية"، فإننا نشهد تغولًا فكريًا يفرغ الفضاءات الثقافية من محتواها المدني، ويحولها من منصات للحوار الحر إلى منابر للدعوة الحركية، وهو ما يمثل تراجعًا خطيرًا عن قيم الحداثة التي بُنيت عليها الدولة المصرية الحديثة.
إن المشهد الحالي يعيد للأذهان بوضوح استراتيجيات تيار الإخوان في تسعينيات القرن الماضي، حين استُخدمت الآليات الديمقراطية والعمل النقابي كـ "مطية" للوصول إلى مراكز التأثير وصناعة القرار. لقد عبّر قادة هذا التيار في أدبياتهم وممارساتهم التاريخية عن رؤيتهم للديمقراطية كـ "وسيلة مرحلية" أو "جسر" للعبور نحو الهيمنة الكاملة على مفاصل المجتمع، وليس كقيمة إنسانية أو سياسية في حد ذاتها. وبناءً عليه، فإن استغلال هذه الجماعات لمبدأ "حرية الرأي والتعبير" اليوم داخل أروقة اتحاد الكُتّاب ما هو إلا تكتيك لإعادة التموضع والانتشار، مستغلين مناخ الانفتاح لتقويض أسس الدولة المدنية من داخل مؤسساتها، وهو ما يتطلب يقظة شديدة وفصلًا حاسمًا بين ممارسة الحق النقابي وبين السماح بتحويل هذه النقابات إلى أدوات لخدمة مشاريع سياسية تتبنى فكرًا إقصائيًا يناهض أسس المواطنة.
حسام الحداد يكتب: من سيد قطب إلى خالد فهمي: تحولات الخطاب الحركي في "كأن القرآن يتنزل من جديد"الثقافة كساحة للمعركة الأيديولوجية
إن التحذيرات التي أطلقها الكاتب سامح فايز وغيره من المثقفين حول ظاهرة "ذيول التنظيم" داخل المؤسسات الثقافية لا ينبغي قراءتها كحالة من التوجس العابر أو المبالغة في تقدير المخاطر، بل هي قراءة فاحصة لمسار تراكمي طويل. فالمشهد الثقافي شهد تكريمات متوالية لشخصيات اتضح لاحقًا أنها جزء لا يتجزأ من النسيج الفكري أو التنظيمي لجماعة الإخوان، أو أنها تتبنى "السرورية" – ذلك الخليط المزيج بين الفكر الحركي المتطرف والأيديولوجيا التكفيرية – مما يؤكد أن وجود هذه العناصر داخل أروقة اتحاد الكُتّاب لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج خطة مدروسة لترسيخ نفوذهم داخل أعرق المؤسسات التنويرية، وتحويلها تدريجيًا إلى منصات تعيد إنتاج خطابهم الخاص تحت غطاء التكريم أو التبادل الثقافي.
عندما يتخلى اتحاد الكُتّاب عن دوره كمنارة للإبداع والنقد الحر، فإنه يفقد بوصلته التنويرية التي تأسس من أجلها. إن تحويل قاعات الاتحاد إلى ساحات لتمرير أطروحات عقائدية جامدة لا تقبل النقد ولا تعترف بالتعددية، هو إفراغ متعمد لجوهر الثقافة من معناها الإنساني. فهذا التحول يُحيل الاتحاد إلى "مقر ديني" مغلف بغطاء ثقافي براق؛ حيث تصبح الندوات مجرد "أدوات دعوية" تهدف إلى فرض وصاية فكرية على العقل المصري، بدلًا من الارتقاء به عبر الفلسفة والأدب والعلوم، مما يحول الفضاء الثقافي من ساحة للتنوير إلى مقصلة لكل فكرٍ حر أو صوتٍ يطالب بالتحرر من القيود الأيديولوجية.
إن هذا التغول الأيديولوجي يضرب في مقتل مفهوم "المواطنة" التي تُعد الركيزة الأساسية للدولة الحديثة. فالمواطنة تستوجب بالضرورة الاحتكام للعقل العلمي، والبحث النقدي، وقبول الآخر في إطار من المساواة، بينما يقوم الفكر الإقصائي الذي تُروجه هذه الجماعات على تكريس "عقلية القطيع" وتصنيف المجتمع وفق معايير الولاء والبراء. إن تغليب هذا الطابع على أنشطة نقابة الكُتّاب يعني تحويل الولاء من الوطن والمؤسسة إلى التنظيم والحزبية الضيقة، وهو ما يهدد السلم المجتمعي ويخلق صراعًا بين الهوية المصرية التعددية وبين أيديولوجيات أحادية تحاول فرض سلطتها على وعي المواطن، مما يتطلب استنهاضًا وطنيًا لحماية هذه المؤسسات من التآكل الأخلاقي والفكري.
حسام الحداد يكتب: صناعة "العدو الكوني" لتعويض الفشل الميداني.. داعش نموذجاالمخاطر المستقبيلة: هل يتحول الاتحاد إلى مسجد كبير؟
إن التحذير من تحويل مقر اتحاد الكُتّاب إلى ما يشبه "المسجد الكبير" ليس عدائًا للدين، بل هو وقفة دفاعية ضرورية لحماية "مدنية الدولة" من محاولات الاختطاف الفكري. إن جوهر الخطر لا يكمن في مناقشة قضايا الإيمان، بل في استغلال هيبة المؤسسات الثقافية لفرض "وصاية دينية" على الفضاء العام، حيث يُستخدم الأكاديميون وواجهاتهم العلمية كغطاء لشرعنة أطروحات إقصائية تهدف في نهايتها إلى إخضاع العقل المصري وتنميط تفكيره.
تمثل المحاولات الرامية لإخضاع الفلسفة والعلوم التجريبية لمرجعية دينية أيديولوجية ضربةً قاصمة لمسيرة التحديث في مصر. فبدلًا من أن تكون نقابة الكُتّاب حاضنةً للبحث العلمي الحر الذي يواكب تطورات العصر، تسعى هذه التيارات لإعادة إنتاج "الوعي التقليدي" الجامد الذي يرفض المساءلة. إن هذه الاستراتيجية تهدف إلى محاصرة قدرة العقل المصري على التفكير النقدي، وحصره في قوالب معرفية قديمة لا تساير ديناميكيات الحداثة، مما يؤدي بالضرورة إلى انغلاق ثقافي يعزل المجتمع عن آفاق التقدم المعرفي العالمي.
تعد استضافة شخصيات ذات خلفيات أيديولوجية متطرفة داخل منابر نقابية رسمية جزءًا من "عملية غسيل فكري" منظمة. إن منح هؤلاء مساحة للظهور بمظهر "المفكرين المستنيرين" يهدف إلى إضفاء شرعية زائفة على أفكار تناهض في جوهرها الهوية المصرية التعددية وتتجاوز العقيدة الأزهرية الوسطية. هذه "المظلة النقابية" تمنحهم حصانة ضد النقد التاريخي والفكري، وتسمح لهم بالانتشار في أروقة الثقافة دون مواجهة حقيقية، مما يمهد الطريق لتوغلهم في مفاصل الدولة الثقافية تحت ستار الشرعية الرسمية.
تعتمد هذه التيارات الحركية على تكتيك "الإرهاب الفكري" كأداة لإسكات أي صوت مخالف؛ حيث يتم وصم كل من يعترض على تحويل النقابة إلى منبر أيديولوجي بـ "العلماني المعادي للدين" أو "المتعصب". هذه الدائرة المفرغة من التخوين والاتهام تخلق مناخًا من الترهيب يُجبر المثقفين على الصمت أو التراجع. إن الغاية النهائية من هذا التكتيك هي غلق باب الحوار الحر بالكامل، وتحويل النقابة من "بيت للكُتّاب" يجمع مختلف التيارات، إلى ساحة أحادية الصوت تفرض أجندتها عبر التخويف، مما يُفقد المؤسسة قيمتها الديمقراطية ويُنهي دورها كفضاء للحوار الإنساني الراقي.
ختامًا، إن الدفاع عن اتحاد الكُتّاب ليس مجرد دفاع عن مبنى أو كيان نقابي، بل هو دفاع عن "جوهر الدولة المصرية" في مواجهة محاولات انكماشها الثقافي. إن استعادة الدور التنويري للاتحاد تبدأ بوقفة شجاعة تفصل بين ممارسة الحقوق الديمقراطية وبين السماح للجماعات الحركية باستغلال هذه الحقوق لتقويض أسس المواطنة. على قيادة الاتحاد أن تدرك أن صمتها أمام اختراق "الذيول الأيديولوجية" لأروقتها ليس حيادًا، بل هو تواطؤ يضع المؤسسة في مواجهة تاريخها كمنارة للفكر الحر. إن المطلوب اليوم ليس إغلاق الأبواب، بل تحصينها بالعقل النقدي، واليقظة تجاه كل من يحاول تحويل "الأمانة" الثقافية إلى "غنيمة" حزبية، فالثقافة التي لا تعلي من شأن العلم والحرية كمعايير وحيدة للحقيقة، ليست سوى قشرة زائفة تخفي خلفها مشروعًا انغلاقيًا لن يورث المجتمع إلا المزيد من التخلف والتشظي.