يبدو المدرب الإسباني بيب غوارديولا حريصا على عدم تفويت أي مؤتمر صحفي يسبق مباريات ناديه مانشستر سيتي الإنجليزي ليفتح الباب على مصراعيه للحديث عن مأساة غزة وأهلها، ضاربا بعرض الحائط سيل القيود الجارف الذي تم وضعه بعناية فائقة للجم وصول المحتوى الفلسطيني للعالم بأسره، سواء في مواقع التواصل الاجتماعي وحتى الإعلام التقليدي المنهك والمتخلف عن الركب.



إذا قمنا بجرد لمواقف الفيلسوف الإسباني منذ السابع من أكتوبر وتصريحاته النارية التي عرّت الواقع ونصرت المظلوم وفضحت صمت وتواطأ العالم، حيث يعد نموذجا صارخا على توظيف شهرته ومكانته الذائعة الصيت في المكان الصحيح لإيصال صوت وآهات المقهورين، سنجد سجلا مشرفا من الجهر بالحقيقة المرة التي يتجاهلها الكثيرون خشية المغامرة بمناصبهم وفقدان الامتيازات الاجتماعية والمادية التي يحظون بها، فهل المدرب الداهية يجهل ذلك؟ وهل لديه ما يخسره هو الآخر في معركة كسر العظام هذه لا سيما أننا نتحدث عن نفوذ صهيوني متوغل في دوائر صنع القرار مهما اختلفت؟

بيب والسلطة الإماراتية:

يتغافل الكثيرون على أن المدرب الإسباني يعمل حاليا تحت "وصاية" إماراتية، فمن المعلوم أن نادي مانشستر سيتي يترأسه الإماراتي منصور بن زايد آل نهيان، أحد أشقاء رئيس الدولة، ويعتبره هؤلاء منطقة نفوذ لها حساباتها الخاصة في البلاد، ومن هذا المنطلق يبدو التساؤل التالي مشروعا ومحقا: هل القيادة الإماراتية راضية على تصرفات مدرب الفريق؟ ولماذا تغض الطرف عن السهام الحادة التي يطلقها في كل الاتجاهات بجرأة غير مسبوقة لشخصية رياضية مشهورة؟ والأهم لماذا "تتساهل" مع بيب بالذات؟

الملفت أن شجاعة ابن كتالونيا رافقتها في الموسم الماضي سلسلة نتائج كارثية يمكن اعتبارها النقطة السوداء في مسار بيب مع الفريق السماوي، حيث تعرض لسلسلة هزائم متتالية ولم يقو على بلوغ دوري الأبطال إلا بشق الأنفس، وغادر المسابقة الأوروبية الأعظم في دور 16 بعد هزيمته أمام ريال مدريد في سابقة غير معهودة، بالنظر للنتائج الباهرة والأرقام القياسية التي حققها مع الفريق منذ تولى المسؤولية الفنية، حيث حصد الأخضر واليابس وقاده لجملة من التتويجات تجاوزت 18 لقبا، مما حدا بجامعة مانشستر لمنحه درجة الدكتوراة الفخرية السنة الماضية، حيث ألقى حينها خطابا مؤثرا نتذكر منه: "دعوني أوضّح الأمر: ليس الأمر متعلقا بالأيديولوجيا، ولا بالصواب أو الخطأ، الأمر ببساطة يتعلق بحب الحياة والاهتمام بالآخرين. عندما نرى أطفالا في الرابعة من العمر يُقتلون بسبب القصف أو يرقدون في المستشفى، وأن المستشفيات لم تعد قادرة على استيعابهم، قد نعتقد أن ذلك لا يعنينا".

وأضاف: "قد نختار أن نغض الطرف، ونقول إن الأمر ليس شأننا. لكن احذروا، في المرة القادمة قد يصل الأمر إلينا، وسيكون الأطفال في الرابعة والخامسة أطفالنا. أنا آسف، لكن عندما أرى أطفالي ماريا وماريوس وفالنتينا، كل صباح منذ أن بدأ هذا الكابوس الذي يعيشه أطفال غزة، أشعر بخوفٍ شديد".

وأكمل المدرب الإسباني كلامه: "ربما يبدو ما يحدث بعيدا جدا عما نعيشه هنا، وقد تتساءلون: ما الذي يمكننا فعله؟"، ثم استعرض قصة عن غابة تشتعل فيها النيران، وعصفور صغير يواصل الطيران ذهابا وإيابا، حاملا الماء بمنقاره الصغير، فقط لأنه يؤمن بواجبه في المساهمة، مهما كان حجمه، ليختم الحكاية بالقول: "قوة الإنسان لا تُقاس بحجمه، بل بخياراته، وبحضوره، وبرفضه البقاء صامتا".

ما سبق يكشف عن الوجه الآخر لشخصية معروفة بهوسها بالتفاصيل التكتيكية والبحث الدائم عن الأفكار الجديدة والتغريد خارج السرب، ما مهد له الطريق للنجاح في كل تجاربه التدريبية وليتبوأ مكانة مرموقة بين زملائه في مهنة قاسية وظالمة في أحيان كثيرة.

فلسطين تطوي صفحة العنصرية:

دعونا نتعمق أكثر في مسار الداهية الإسباني قبل "النسخة الإنسانية" الحديثة التي أفرزتها الحرب الهمجية على قطاع غزة، فرغم الإنجازات الكبيرة فإن تهمة "العنصرية" ظلت تلاحقه أينما حل وارتحل، لا سيما بعد التصريحات الجدلية التي أطلقها ضده نجوم القارة الأفريقية بالذات، وأولهم الكاميروني صامويل ايتو الذي قال في تصريح شهير: "جواردويلا عنصري، هو يكره قدرات أصحاب البشرة السمراء، حتى أنه لا يبتسم مع اللاعبين السود، لقد فزت مع بدوري أبطال أوروبا ضد مانشستر يونايتد في روما 2009 لكنه عانق اللاعبين البيض فقط، وتجنبني ويايا توريه".

والأخير أيضا -النجم الإيفواري يايا توريه- سار على ذات النهج حين قال: "لديه مشاكل مع اللاعبين الأفارقة في أي مكان يتواجد فيه"، لكن الأخير عاد واعتذر عن كلامه في وقت لاحق، رغم أن "التهمة" انتشرت كالنار في الهشيم في الأوساط الرياضية العالمية، مع العلم أن هناك تجارب لبيب مع أسماء عربية أيضا أبدت بعض التحفظ تجاهه لكنها لم تصل لدرجة تكريس ذات الاتهام "الأفريقي" بحقه، حيث درب المدافع المغربي مهدي بنعطية في فريق بايرن ميونيخ وأيضا الجزائري رياض محرز في النادي الإنجليزي الحالي، ورغم سعي بعض المنابر العربية "لاختلاق" المشاكل وادعاء تعمده تهميش الثنائي العربي، إلا أن لا دلائل ولا معطيات حقيقية تزكي هذا الطرح حتى يومنا هذا.

لكن المفاجأة التي يتجاهلها البعض والتي يمكن اعتبارها "صك براءة" الإسباني في وجه الاتهامات الأفريقية؛ هي أن الأخير اعتمد اللاعب الإيفواري المعتزل كولو توريه، وهو شقيق يايا توريه، مساعدا له في مانشستر سيتي وأصر على ضمه لجهازه التدريبي، فلماذا صمت منتقدوه على خطوته هذه بينما يتم التركيز وتضخيم تصريحات اللاعبين القدامى ضده؟

المؤكد أن سليل نادي برشلونة نجح في طي هذه الصفحة بعد مواقفه الأخيرة، ويمكن استنتاج ذلك حتى في الشارع العربي الذي تأثر بما يصدح به في كل مناسبة، والدليل أن فريق "غزة الإرادة" لمبتوري الأطراف اختاره ليكون مدربا شرفيا لهم، دون نسيان حرصه على دعم مباراة خيرية بين المنتخب الفلسطيني ومنتخب كتالونيا حققت إشعاعا عالميا واسعا وغيرها من المبادرات الفعلية على أرض الواقع.

الموقف الإماراتي:

لم تعد حالة "التوأمة" المزدهرة بين الكيان الصهيوني ودولة الإمارات تخفى على أحد، لا سيما بعد أن طفا الصراع مع السعودية على السطح والدعم الاسرائيلي العلني لـ"الحليف" غير التقليدي لها في هذه المعركة، مع ضرورة استحضار المستجدات في أرض الصومال والسودان وصولا لليمن وتصدر الثنائي وخططهما للعناوين عربيا وعالميا، قد يتساءل البعض: وما علاقة كل هذا بغوارديولا ومواقفه تجاه القضية الفلسطينية؟

الجواب بسيط، فسواء شئنا أم أبينا يظل الأخير "موظفا" لدى الإدارة الإماراتية المستبدة بشؤون النادي وبإمكانها إنهاء التعاقد معه في أي وقت تشاء، لكن الملاحظ أن حسم بيب لمستقبله مسبقا مع النادي بإعلانه نهاية مسيرته معه العام المقبل (2027) يجعل الطرف المسيّر للفريق يتريث ويخشى الإساءة لـ"صورته" بقرار لن يكون سهلا تجاهل علاقة فلسطين به، وبالتالي إضافة المزيد من "الخدوش" على وجه ممتلئ بالكدمات في الآونة الأخيرة تحديدا، وما يؤكد هذا المعطى هو تسريب أخبار تفيد بتطور المفاوضات بين السيتي والإيطالي انزو ماريسكا، مدرب تشيلسي السابق والمساعد الأسبق أيضا لبيب غواردويلا، تمهيدا لتوليه شؤون المرحلة المقبلة بنهاية عهد الإسباني الذهبي.

ويبقى السؤال المفتوح في خضم كل ما سبق وكذلك في ظل تعاظم "انتفاضة" بيب لدعم فلسطين بشكل متسارع أكبر من الماضي: هل تواصل القيادة الإماراتية تبني سياسة ضبط النفس ومقاومة الضغوط الصهيونية التي لا تخفي انزعاجها وقلقها من تصريحات فيلسوف كرة القدم؟

إن غدا لناظره قريب..

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء غوارديولا مانشستر سيتي الفلسطيني الإماراتية فلسطين الإمارات مانشستر سيتي غوارديولا قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة مانشستر سیتی

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • بعد زواجه رسميا .. من هي جيلان الجباس زوجة عمر مرموش؟
  • بعد رفض جوارديولا.. النصر يبحث عن بدائل ومستقبل المدرب الإسباني يثير التساؤلات
  • العدو الصهيوني يتوغل في ريف درعا ويشن مداهمات واعتقالات في القنيطرة
  • قرار جديد من مانشستر سيتي بشأن عمر مرموش .. ماذا يحدث؟
  • النصر يحسم صفقة الإسباني ميلا
  • بشرى سارة للمنتخب الإسباني قبل كأس العالم 2026
  • «رأس الخيمة لأصحاب الهمم» يعتمد مشاركة 14 لاعباً في «الألعاب الإماراتية»
  • الداخلية تضبط موظف بمواقف الأقاليم يمارس البلطجة على السائقين بالقاهرة
  • بعد رحيل ليفاندوفسكي.. صدمة من مانشستر يونايتد لبرشلونة بسبب ماركوس راشفورد
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش