حرب الاستنزاف.. الذاكرة التي حاولوا دفنها والزعيم الذي أعاد للدولة هيبتها
تاريخ النشر: 12th, February 2026 GMT
لم يكن السادس من فبراير عام 1970 تفصيلًا عابرًا في تاريخ الصراع، ولا مجرد عملية عسكرية تُضاف إلى سجل المواجهات العربية- الإسرائيلية.
كان يومًا كاشفًا لمعنى الدولة، واختبارًا حقيقيًا لفكرة القيادة، وللفارق العميق بين سلطة تُدير المشهد، ودولة تعرف قيمة أبنائها ولا تساوم عليهم.
في تلك الليلة، بدا البحر الأحمر ساكنًا على غير عادته، سكونًا خادعًا يُشبه لحظات ما قبل الزلزال.
كانت إيلات الإسرائيلية مطمئنة، لا بقوة دفاعها، بل بوهم الجغرافيا، وبثقة متوارثة في تفوقٍ اعتقدته أبديًا. لم تكن تعلم أن حرب الاستنزاف لا تعترف بالمسافات، وأن الصمت أحيانًا هو أعلى أشكال التهديد.
في الأعماق، حيث يُختصر الزمن في أنفاسٍ معدودة، تحرك رجال البحرية المصرية.
لم يخرجوا بحثًا عن بطولة مصوّرة، ولا عن نصرٍ سريع يُرفع في بيان، بل خرجوا حاملين فلسفة جمال عبد الناصر في القتال: إنهاك العدو، كسر ثقته بنفسه، وضرب إحساسه بالأمان قبل ضرب معداته.
وصلوا إلى قلب ميناء إيلات نفسه، لا إلى أطرافه.
هناك، حيث لا يتوقع العدو أن تمتد يد الحرب، زُرعت المتفجرات في أجساد السفن الحربية. دقائق قليلة كانت كافية لتحويل اليقين الإسرائيلي إلى ارتباك، والهدوء إلى فوضى، والأسطورة إلى سؤال مفتوح.
دوّت الانفجارات، فغرقت سفن، لكن الأهم أن ما غرق هو الإحساس القديم بأن العمق الإسرائيلي محصّن.
اندفع موشي ديان إلى الموقع، لا ليتفقد خسائر مادية فحسب، بل ليواجه حقيقة سياسية قاسية: حرب الاستنزاف وصلت إلى عمق الدولة، لا إلى حدودها فقط.
انسحب الرجال كما دخلوا: في صمت. سباحة طويلة، جسدٌ منهك، وقرار لا يقبل التراجع.
وحين بلغوا الشاطئ الأردني، لم يجدوا التكريم، بل وجدوا اختبارًا آخر: احتجازًا، وإنكارًا، وصمتًا رسميًا حاول أن يحوّل البطولة إلى ورقة يمكن تجاهلها.
هنا، في القاهرة، يتبدّى المعنى الحقيقي للدولة.
لم يكن جمال عبد الناصر رئيسًا ينتظر التقارير، بل قائدًا يعرف أن الجندي ليس رقمًا، وأن من يفرّط في جنوده يفقد شرعيته قبل أن يفقد سلطته.
حين وصل الخبر، لم يُدار عبر القنوات الرمادية، ولم يُترك للمجاملات العربية المعتادة.
كان الملك حسين في القاهرة، والزيارة سرية، واللحظة سياسية بامتياز.
رفع عبد الناصر الجلسة، واجتمع به، وقال كلمته بهدوء من يعرف وزن الدولة التي يقودها: إن الضيافة لا تنتهي قبل عودة الجنود.
لم يكن ذلك تهديدًا انفعاليًا، بل قرارًا سياديًا محسوبًا. وفي السياسة، كثيرًا ما يكون الهدوء أخطر من الصراخ.
بعد ساعات، تغيّرت اللهجة، فُتحت الأبواب، وعاد رجال البحرية المصرية إلى وطنهم، كما خرجوا: جنودًا أدّوا واجبهم، وعادت الدولة لتؤدي واجبها.
لكن المأساة الحقيقية لا تكمن في المعركة، بل فيما جرى بعدها في الذاكرة.
فحرب الاستنزاف، بكل ما حملته من تضحيات وبطولات، تحولت لاحقًا إلى الحرب المنسية في تاريخ مصر.
لا لأنها لم تكن مهمة، بل لأنها لم تُناسب سرديات سياسية جاءت بعدها.
حرب لم تُهزم فيها مصر، ولم تنتصر نصرًا استعراضيًا، فاختارها النسيان عمدًا أو كسلًا. لم تُدرّس كما ينبغي، ولم تُروَ للأجيال بوصفها الحرب التي أعادت بناء الجيش والعقيدة القتالية بعد هزيمة 1967.
كانت حرب الاستنزاف حرب العقول الطويلة، لا الضربة الخاطفة.
حرب النفس ضد النفس، والإرادة ضد الغرور. فيها تكسّرت أسطورة «الجيش الذي لا يُقهر» قطرةً بعد قطرة، وليلًا بعد ليل، دون كاميرات، ودون احتفالات. لكنها ظُلِمت لأنها لا تُختصر في يوم، ولا تُلخَّص في صورة، ولا تصلح للدعاية السهلة.
ومع مرور السنوات، جاءت ذكرى هذه العمليات، ومرّت مرور الكرام، كأنها خبر هامشي في ذيل الوعي العام.
لم يكن التجاهل بريئًا، بل كان امتدادًا لمحاولات طمس تاريخ كامل، لأنه لا يخدم روايات لاحقة، ولا ينسجم مع رغبة بعض العصور في إعادة كتابة الماضي على مقاسها.
جرى تقزيم حرب الاستنزاف عمدًا، بالصمت تارة، وبالتجاهل تارة أخرى، وكأن الاعتراف بها يفتح أبوابًا لا يريد كثيرون فتحها.
فالاعتراف بهذه الحرب يعني الاعتراف بأن مصر قاتلت قبل أكتوبر، وأن الجيش استعاد روحه وسلاحه وإرادته قبل أن يُنسب الفضل كله إلى لحظة واحدة.
ويعني أيضًا إعادة الاعتبار لمرحلة أُريد تشويهها بالكامل، لا نقدها بإنصاف.
لهذا، فإن استدعاء عملية ضرب ميناء إيلات ليس حنينًا إلى الماضي، بل مواجهة مع النسيان المتعمّد.
هو دفاع عن ذاكرة دولة، وعن رجال قاتلوا ثم عادوا إلى مواقعهم في صمت، دون أن يطالبوا بصورة أو لقب، مكتفين بأن الوطن بقي واقفًا.
لم يُحوّل جمال عبد الناصر هذه البطولات إلى مهرجانات، ولم يستثمر الدم سياسيًا.
كافأ رجاله في هدوء، لأنه كان يعرف أن النصر الحقيقي لا يُقاس بعدد التصفيقات، بل بقدرة الدولة على حماية جنودها، وحفظ كرامتهم، وعدم تركهم رهائن للإنكار أو الصمت.
لهذا يبقى جمال عبد الناصر حاضرًا رغم الغياب:
حاضرًا في ملفات الهوية، وفي معنى الدولة، وفي السؤال الذي لم يُغلق بعد: كيف تراجعت قيمة الجندي في الخطاب، بينما ظلّ هو ثابتًا في الميدان؟
قد يحاولون تشويه الرجل، لكن الإرث الذي يُبنى بالرجال، وبالدولة، وبالقرار السيادي، أطول عمرًا من الجسد، وأقسى على المحو من الذاكرة.
(محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية)
اقرأ أيضاًالمتحدث العسكري: ختام فعاليات التدريب البحري المصري - الفرنسي «كليوباترا - 2025»
عاجل.. مصر تفوز بعضوية مجلس المنظمة البحرية الدولية الفئة «C» للمرة السادسة على التوالي
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: البحرية المصرية الصراعات الدولية جمال عبد الناصر حرب الاستنزاف جمال عبد الناصر حرب الاستنزاف لم یکن
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026