يُقدَّم لك عبد الملك في خطابات مسجّلة، بلباس تقليدي وظهور مقتضب، في صورة الزاهد المتقشف البعيد عن مظاهر الحكم.

تُرسم هذه الصورة بإلحاح، وكأن المطلوب أن ترى الزهد وحده، وأن تُسلّم بفكرة أن القائد هنا خارج منطق الامتيازات والترف.

غير أن بنية السلطة الفعلية في مناطق سيطرة أنصار الله تكشف واقعاً مختلفاً.

امتيازات واسعة، وإنفاق كبير، لا يمر عبر حسابات معلنة، بل تُدار عبر مؤسسات دولة جرى التحكم بها، واقتصاد موازٍ، ودائرة ضيقة تتولى الملفات الحساسة.

ولا تُعرض أماكن إقامة ّ«زعيم الجماعة» في صنعاء أو صعدة ,مصادر خاصة لموقع مأرب برس تؤكد أن تحصينات وملاجئ شُيّدت في صعدة ، في أعماق الجبال كمجمعات سكنية محصنة، كلّفت ملايين الدولارات، ونُفذت خلال السنوات الماضية بواسطة شركات تابعة للحرس الثوري الإيراني, كما تشير المصادر إلى تنقله بين مواقع إقامة سرية في صنعاء وصعدة، بعضها مبانٍ أُنشئت حديثاً، وبعضها ممتلكات صودرت من خصوم.

وفي المقابل، يتناقض هذا الواقع كليًا مع خطاب الزهد والقداسة، إذ يهيمن عبد الملك الحوثي، بوصفه رأس السلطة، على عائدات السوق السوداء وقد وثّقت تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة أن عمليات تحصيل الجمارك والرسوم على واردات الوقود في مناطق سيطرة الحوثيين أنتجت مبالغ تُقدَّر بمليارات الدولارات.

أرقام عن إيرادات المشتقات النفطية

ما بين 2.5 و3 مليارات دولار سنوياً من استيراد وبيع المشتقات النفطية وفرض الرسوم الجمركية والضريبية على الواردات. أكثر من 2 مليار دولار سنوياً من «مبيعات نفط غير قانونية»، بحسب بيانات وزارة الخزانة الأمريكية المرتبطة بالعقوبات. تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة قدّر العائد من الرسوم الجمركية على واردات الوقود بين أبريل 2022 ويونيو 2024 بنحو 994 مليار ريال يمني، أي ما يقارب 4 مليارات دولار. محللون اقتصاديون، استناداً إلى فارق السعر بين السوق الرسمية والموازية، يشيرون إلى أن العائد اليومي من السوق السوداء يبلغ نحو 3 ملايين دولار، أي أكثر من مليار دولار سنوياً من فارق الأسعار وحده.

وتتبّع موقع مأرب برس خطباً ونصوصاً منسوبة إلى زعيم الجماعة بحثاً عن توجيه صريح يوقف الاتجار بالأزمات أو يفرض شفافية على الأسواق التي يديرها المقربون. لم يظهر موقف عملي واضح من هذا النوع، وفي مثل هذه الملفات يصبح الصمت نفسه موقفاً، لأن المنظومة تستمر كما هي.

كما تحدث مواطنون في صنعاء لمحرر مأرب برس عن منظومة تُدار من الأعلى إلى الأسفل، تتحول فيها الأزمات إلى مورد، والقضاء إلى أداة تمكين، والجباية إلى سياسة ثابتة. ومع كل أزمة وقود تتكرر الحكاية نفسها، محطات رسمية تُغلق بحجة "الحصار"، ثم تُفتح قنوات موازية بأسعار مضاعفة، وتُفرض رسوم وإتاوات تحت مسميات مختلفة، من بينها "المجهود الحربي".

يقول صالح أحمد، أحد سكان صنعاء، لموقع مأرب برس: "نٌرغم على الصمت ونُمنع من النقد. وإذا انفجر أحدنا قهراً وتحدث عن أخطاء المسيرة، يُتهم فوراً بأنه عميل لجهة أجنبية".

هذا التناقض لا يضعف الثقة فحسب، بل ينسف فكرة أن القائد فوق النقد أو المحاسبة. فالقائد الذي تُدار في عهده احتكارات وأزمات تُثقل الناس، لا يمكن أن يبقى خارج المساءلة إلى الأبد.

أبرز النفقات الكبرى المرتبطة بالقائد

أولاً: منظومة الحماية الشخصية

مجمعات سكنية محصنة، أنفاق ومخابئ، وحدات حراسة نخبوية، ووسائل نقل آمنة متعددة المسارات. نفقات تُوازي ما يُنفق على رؤساء دول، لا على صورة الزهد التي تُقدَّم باستمرار.

ثانياً: الإنفاق الدعائي المرتبط بشخصه

إنتاج إعلامي واسع، قنوات فضائية، وإذاعات محلية، ومنصات رقمية، وفعاليات تعبئة مرتبطة بمناسبات دينية، تُعاد فيها صياغة صورة القداسة بشكل متواصل. ورغم بساطة الظهور في الخطب، تُقدَّر كلفة هذه المنظومة بعشرات الملايين من الدولارات سنوياً.

خلاصة المشهد أن ما يختبئ خلف الصورة المعروضة ليس مجرد مشكلة اقتصادية، بل اختبار أخلاقي. لأن الفارق بين ما يُقال لك، وما تراه وتعيشه، يفتح باب السؤال، ويجعل المحاسبة مطلباً لا يمكن تأجيله بلا نهاية.

المصدر

المصدر: مأرب برس

كلمات دلالية: مأرب برس

إقرأ أيضاً:

ذكرى الولاية.. بين دلالة الغدير وواقع الأمة المعاصر

تتجاوز ذكرى يوم الولاية حدود المناسبة التاريخية والدينية لتلامس جوهر الواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية اليوم، واقعاً مثقلاً بالأزمات والتحديات والانكسارات، ومشحوناً بأسئلة المصير والقيادة والهوية، وفي كل عام تعود هذه المناسبة لتستحضر واحدة من أهم المحطات المفصلية في التاريخ الإسلامي، حين وقف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في غدير خم بعد حجة الوداع، ليعلن أمام عشرات الآلاف من المسلمين قوله المشهور، “من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه”، وقد شكّلت هذه الحادثة، التي حظيت بحضور واسع في المصادر الإسلامية المختلفة، محطة مفصلية في مسار الأمة، لما حملته من دلالات عميقة تتصل بمفهوم القيادة والولاية ومسؤولية إدارة شؤون الأمة بعد رحيل الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

الولاية.. مشروع هداية وقيادة

لا ينظر المؤمنون بمبدأ الولاية إلى حادثة الغدير باعتبارها حدثاً تاريخياً معزولاً عن الواقع، بل باعتبارها إعلاناً لمشروع إلهي متكامل يهدف إلى صيانة الأمة من الانحراف والاختلاف والضياع. فالولاية في مفهومها القرآني ليست مجرد سلطة سياسية أو نفوذاً إدارياً، وإنما هي امتداد لمسار الهداية الإلهية، وتجسيد عملي للقيادة القائمة على العلم والتقوى والحكمة والشجاعة والعدل،
ومن هذا المنطلق، فإن إحياء ذكرى الولاية يمثل استدعاءً دائماً لمعايير القيادة الحقيقية التي تحفظ للأمة وحدتها وكرامتها واستقلال قرارها، وتمنع وقوعها تحت هيمنة المصالح الشخصية أو الحسابات الضيقة أو الإملاءات الخارجية.

أزمة الأمة.. أزمة قيادة قبل أن تكون أزمة إمكانات

وعند النظر إلى واقع الأمة الإسلامية المعاصر، تتجلى مفارقة كبيرة بين الإمكانات الهائلة التي تمتلكها وبين حجم التراجع الذي تعانيه على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية، فالأمة الإسلامية تمتلك الثروات الطبيعية والموقع الجغرافي الاستراتيجي والطاقات البشرية الكبيرة، لكنها ما تزال عاجزة عن تحويل هذه المقومات إلى عناصر قوة حقيقية، ويرى كثير من المفكرين أن جوهر هذه الأزمة لا يكمن في نقص الموارد بقدر ما يكمن في طبيعة القيادة التي تدير شؤون الأمة وتحدد اتجاهاتها، فحين تغيب معايير الكفاءة والنزاهة والاستقلالية والشجاعة عن مواقع القرار، تصبح الأمة عرضة للتبعية والارتهان، ويتحول القرار السياسي إلى انعكاس لمصالح القوى الخارجية أكثر من كونه تعبيراً عن إرادة الشعوب واحتياجاتها.

غزة .. اختبار الولاية والمسؤولية

ويبرز العدوان المستمر على غزة بوصفه أحد أكثر المشاهد تعبيراً عن حجم المأزق الذي تعيشه الأمة اليوم، فالمجازر التي تُرتكب بحق المدنيين، والدمار الواسع الذي يطال البنية التحتية، والمعاناة الإنسانية المتفاقمة، وضعت الأنظمة والمؤسسات الرسمية أمام اختبار أخلاقي وتاريخي بالغ الحساسية، وفي الوقت الذي كانت الشعوب الإسلامية تعبّر عن تضامنها الواسع مع القضية الفلسطينية، ظلّ الأداء الرسمي في كثير من الأحيان دون مستوى التحدي، ما أعاد إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول طبيعة القيادة، ومدى قدرتها على تمثيل تطلعات الأمة والدفاع عن قضاياها المصيرية،
ومن هنا يربط كثيرون بين دلالات يوم الولاية وبين الحاجة إلى نماذج قيادية تمتلك الشجاعة والاستقلالية والالتزام بالقيم والمبادئ، وتكون قادرة على اتخاذ المواقف التي تنسجم مع مسؤولياتها الدينية والوطنية والإنسانية.

الغدير .. رؤية للقيادة لا مجرد ذكرى تاريخية

إن استحضار الغدير في الوعي الإسلامي المعاصر لا يهدف إلى إعادة إنتاج الجدل القديم، بقدر ما يهدف إلى استلهام الدروس والعبر المتعلقة بمفهوم القيادة الصالحة، فالقيمة الكبرى التي يمكن استخلاصها من هذه المناسبة تتمثل في ضرورة أن تتولى شؤون الأمة شخصيات تمتلك المؤهلات العلمية والأخلاقية والروحية والإنسانية التي تؤهلها لتحمل مسؤولية القيادة، بعيداً عن منطق المصالح والنفوذ والارتهان، وفي هذا السياق، تتحول ذكرى الولاية إلى مناسبة للتفكير العميق في أسباب التراجع الحضاري الذي أصاب الأمة، والبحث عن الأسس التي يمكن أن تعيد بناء مشروعها الحضاري على قاعدة العدل والكرامة والاستقلال.

الولاية والنهضة الحضارية

لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تنهض بالإمكانات المادية وحدها، بل تحتاج قبل ذلك إلى قيادة واعية تمتلك رؤية واضحة، وتستطيع توجيه الطاقات نحو الأهداف الكبرى. ومن هنا تكتسب الولاية بعداً حضارياً يتجاوز حدود الجدل السياسي، ليصبح عنواناً لمشروع إصلاحي شامل يعيد الاعتبار لقيم المسؤولية والأمانة والكفاءة والعدالة، فالقيادة التي تنطلق من القيم الإلهية والإنسانية قادرة على صناعة أمة قوية ومتماسكة، بينما تؤدي القيادة القائمة على التبعية والمصالح الضيقة إلى مزيد من التراجع والانقسام والضعف.

ختاما ..

في ذكرى يوم الولاية تتجدد الأسئلة الكبرى أمام الأمة الإسلامية، كيف يمكن استعادة دورها الحضاري؟ وما المعايير التي ينبغي أن تحكم اختيار القيادات التي تتولى شؤونها؟ وكيف يمكن بناء مشروع نهضوي يعيد للأمة مكانتها بين الأمم؟ إن هذه المناسبة لا تقتصر على استذكار حدث تاريخي عظيم، بل تمثل دعوة متجددة لمراجعة مسار الأمة، والبحث عن أسباب القوة والنهضة، واستلهام القيم التي تجعل من القيادة مسؤولية وأمانة لا امتيازاً أو مكسباً شخصياً، وفي ظل ما تشهده المنطقة من تحولات وصراعات وتحديات غير مسبوقة، تبقى ذكرى الولاية فرصة للتأمل في معنى القيادة الحقيقية، والعودة إلى المبادئ التي تصنع الأمم القوية القادرة على مواجهة التحديات وصون الكرامة وتحقيق العزة والاستقلال.

مقالات مشابهة

  • أحمد خطاب يوقــع على عقـود تدريبه لغزل المحلة
  • إشهار كتاب “عودة المرأة إلى حضن القداسة” للكاتبة دلالعة
  • الدبلوماسية والحرب الإعلامية
  • هبوط حاد يضرب العملات الرقمية.. بيتكوين تقترب من 70 ألف دولار
  • ذكرى الولاية.. بين دلالة الغدير وواقع الأمة المعاصر
  • إنفوجرافيك | ???? ذكرى الولاية.. بين دلالة الغدير وواقع الأمة المعاصر
  • 17 مليار دولار تختفي سنوياً.. أين تذهب أموال «دعم الوقود»؟
  • عاجل| عيار 21 الآن.. سعر الذهب اليوم في مصر ببداية التعاملات «تحديث مباشر»
  • المقاومة الوطنية: وحدة الصف مفتاح استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي
  • الإسكان: موعد طرح "سكن لكل المصريين 9"