بعد واقعة فتاة الأتوبيس.. عبدالله رشدي: لا تصدقوا الناجيات دموع التماسيح وفحيح الأفاعي
تاريخ النشر: 12th, February 2026 GMT
في الوقت الذي تسعى فيه الدولة المصرية بمؤسساتها التشريعية والقضائية لترسيخ قيم الأمان وحماية المرأة في الفضاء العام، يطل علينا الداعية عبد الله رشدي بخطاب جديد مثير للجدل، لم يكتفِ فيه بانتظار كلمة القضاء النهائية في واقعة "متحرش الأتوبيس الترددي"، بل سارع إلى صياغة "بيان إدانة" مسبق ضد الضحية، مستخدماً لغة وصم قاسية تتنافى مع أدبيات "الستر" و"العدل" التي يدعو إليها الدين.
بدأ رشدي تدوينته بالاتكاء على إجراء قانوني معتاد، وهو "إخلاء سبيل المتهم"، معتبراً إياه "بشارة" براءة، وهنا يسقط "رجل الدين" في فخ التضليل القانوني؛ فإخلاء السبيل بضمان مالي أو محل إقامة هو إجراء احترازي لا يعني انتهاء القضية أو ثبوت البراءة، بل هو استكمال للتحقيقات، لكن رشدي، وفي تناقض صارخ، قال: "لن نستبق النتيجة"، ثم استبقها فوراً بوصف الواقعة بأنها "رمي بلا" و"تشويه لصورة الرجل المصري".
لم يتردد رشدي في استخدام أوصاف جنائية ونفسية قاسية ضد فتاة لجأت للقانون، فوصف بكاءها بـ "دموع التماسيح" وشكواها بـ "فحيح الأفاعي".
إن هذا الخطاب لا يمثل نقداً لواقعة بعينها، بل يكرس لثقافة "ترهيب الضحايا"، فبدلاً من تشجيع الفتيات على سلك المسلك القانوني، يضع رشدي "المشنقة" اللفظية لكل من تجرؤ على الشكوى، تحت لافتة "الادعاء الكاذب".
"لا تصدقوا الناجيات"لعل أخطر ما ورد في خطاب رشدي هو قوله: "لا تصدقوا الناجيات؛ لكن ادعموا الصادقات"، وهي عبارة تبدو في ظاهرها منطقية وفي باطنها "تسميم" لوعي المجتمع؛ فكيف يمكن التمييز بين الناجية والصادقة قبل حكم القضاء؟ إن إطلاق مثل هذه الشعارات في مجتمع يعاني أصلاً من "الوصم المجتمعي" للضحايا، هو دعوة صريحة لإسكات النساء ومنح "المعتدي" المحتمل غطاءً من الشك المسبق في صدق الضحية.
عاد رشدي مرة أخرى لربط التحرش بـ "الاحتشام"، معتبراً أن "كل مقصر ومقصرة شريك بقدر تقصيرة".،هذه المقاربة غير المتوازنة تضع الضحية في كفة مساوية للجاني، فبينما يرتكب الجاني فعلاً مجرماً بالقانون والشرع، يتم استدعاء "ملابس المرأة" لتخفيف وطأة الجرم أو تبريره ضمنياً، وهو خطاب تجاوزه الزمن وأثبتت الوقائع زيفه، حيث يطال التحرش المحجبات والمنتقبات والأطفال على حد سواء.
"أزمة صورة" أم أزمة فكر؟يرى رشدي أن هذه الوقائع تسيء لنا أمام "السياح" والعالم، والحقيقة أن ما يسيء لمصر فعلياً ليس تطبيق القانون وملاحقة المنحرفين، بل هو وجود خطاب يحاول الالتفاف على القانون بالتشكيك في الضحايا وتوفير بيئة خصبة "للمنطق التبريري" الذي يجعل من الرجل دائماً ضحية "لمؤامرة نسائية" مزعومة.
في الختام، إن العدل يقتضي انتظار حكم القضاء، والمروءة تقتضي عدم نهش كرامة من تباكى واشتكى، والدين يقتضي الحث على غض البصر دون قيد أو شرط، أما خطاب "رمي البلا" و"فحيح الأفاعي" فليس إلا محاولة لإعادة المجتمع إلى عصور الصمت، حيث ينجو المعتدي بـ "براءة وهمية" وتُسحق الضحية مرتين: مرة بفعل التحرش، ومرة بلسان من يدعون حماية الأخلاق.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: رشدي عبد الله رشدي متحرش الأتوبيس الترددي القضاء
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.