الحافظ أحمد المعولي: مشروع القرآن لا يعرف الخسارة أبدا
تاريخ النشر: 12th, February 2026 GMT
حفظة القرآن هم أهل الله وخاصته، اختارهم الله من بين الخلق لكي تكون صدورهم أوعية لكلامه العزيز، بفضله وتوفيقه، فتلك بركة أسبغها الله على حيواتهم، نالوها ثمرة لجهدهم في تدارس القرآن وحفظه، فبذلوا أوقاتهم رغبة منهم في الحصول على هذا الوسام الرباني، فنالوا ما كانوا يرجون، وفي هذا الأسبوع خطف الحافظ أحمد بن عبدالله بن محمد المعولي الأنظار بفوزه بالمركز الأول في المستوى الأول من مسابقة «فاستمسك» لحفظ القرآن الكريم في دورتها الأولى، وهو مستوى "حفظ القرآن الكريم كاملا مع تفسير سورة البقرة"، وهي المسابقة التي جاءت بإشراف وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، وبرعاية حصرية من مؤسسة الشيخ مستهيل بن أحمد المعشني الوقفية الخاصة، وفي هذا الحوار، تحدث المعولي عن مشاعره لحظة التتويج، وعن رحلته الطويلة مع القرآن، وأهمية الجمع بين الحفظ والتفسير، والدروس التي خرج بها من هذه التجربة.
يستهل الحافظ أحمد المعولي حديثه بتوجيه الحمد لله والدعاء، قائلا: "نسأل الله أن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته"، ثم يصف لحظة إعلان فوزه بأنها كانت لحظة استثنائية بكل المقاييس، إذ إن ما ميز المسابقة أن النتائج لم تُعلن مسبقا، بل ظلت مخفية حتى لحظة التتويج، على خلاف ما جرت عليه العادة في كثير من المسابقات القرآنية.
ويضيف أن عنصر المفاجأة ظل حاضرا حتى اللحظة الأخيرة، خاصة مع شدة المنافسة وتقارب المستويات بين الحفظة، مما جعل وقع الخبر عظيما في قلبه، وغمرته فرحة بلطف الله وعنايته، وعن معنى هذا الإنجاز على المستوى الشخصي، يؤكد المعولي أن الفوز يمثل استمرارا لنهج اختطه منذ سنوات، وهو الاستفادة من المسابقات المحلية والدولية بوصفها وسيلة مهمة لتثبيت الحفظ وضبطه وإتقانه، ويشير إلى أن هذا الإنجاز له مكانة خاصة، لأنه لأول مرة يحصل على المركز الأول في مسابقة بهذا الحجم، بعدما انحصر فوزه في السابق بين المركزين الثاني والثالث.
أما على المستوى الإيماني، فيرى أن العكوف على المراجعة والارتباط بكتاب الله صباحا ومساء، حضرا وسفرا، وفي كل الأحوال، يجعل القلب حيا عامرا بالإيمان، ويمنح صاحبه سعادة لا تعادلها أي سعادة أخرى، ويقول في هذا السياق: "مشروع القرآن مشروع لا يعرف الخسارة أبدا، حتى الذي لم يفز بمركز، يكفيه أنه عاش ساعات طويلة في صحبة كتاب الله".
وحول مشاركته في مسابقة «فاستمسك»، يوضح المعولي أن الإعلان عنها كان مطلع شهر نوفمبر، وقد شدته تفاصيلها منذ اللحظة الأولى، خصوصا اهتمامها بالتفسير، فقرر المشاركة فيها، لا سيما أنها غير مقيدة بسن معين، ويؤكد أن التفسير هو أبرز ما يميز هذه المسابقة عن غيرها، فالحافظ قد يجد لذة في مراجعة ورده وحفظه، لكنه قد يغفل عن التفسير، وهو أمر شائع بين كثير من الحفظة، ولذلك جاءت «فاستمسك» لتفتح أمامهم أبوابا جديدة من المعاني واللطائف التفسيرية التي كانت غائبة، رغم أن المسابقة اقتصرت على تفسير سورة البقرة، إلا أنها تمثل في نظره انطلاقة للحافظ ليواصل الغوص في بقية سور القرآن، لأن من ذاق حلاوة فهم الآيات لا يرضى بعد ذلك بالاكتفاء بالحفظ وحده.
وبسؤاله عن خصوصية المستوى الذي فاز فيه، يبين المعولي أن هذا المستوى تميز عن غيره بجمعه بين الحفظ والتفسير، مما يتطلب مضاعفة الجهد، إذ يشتغل المتسابق على جهتين في آن واحد، ويشرح أن مقرر التفسير كان في كتابين: "الإبريز في تفسير الكتاب العزيز" للشيخ إبراهيم الصوافي وآخرين، و"صفوة التفاسير" للصابوني، كما شمل التفسير جوانب متعددة، من معاني المفردات ودلالاتها، وأسباب النزول، والمعاني الإجمالية، والنكت البلاغية، والأحكام المستفادة، مما جعل المادة العلمية تقارب 400 صفحة، وهو ما دفع الحافظ إلى تخصيص وقت كبير للتفسير، غير أن هذا الجهد يتلاشى أمام الفوائد العظيمة التي يجنيها المتسابق.
وعن بدايات رحلته مع القرآن الكريم، يقول المعولي إنها بدأت منذ المرحلة الابتدائية، تحديدا من الصف الخامس، واستمرت في معهد العلوم الإسلامية خلال المرحلة الثانوية، لكنها كانت جهودا متفرقة دون خطة محكمة للمراجعة، مما أدى إلى تفلت كثير من الحفظ، وفي عام 2015، اتخذ قرارا حاسما بحفظ كتاب الله، وتمكن بعون الله من إكمال الحفظ خلال عامين ونصف، وكان ذلك في يوم 11/11/2017، ومنذ ذلك الوقت، واصل التثبيت والإتقان، وساعده في ذلك الاشتراك في المقارئ الإلكترونية، خصوصا مقرأة المسجد النبوي عن بعد، إلى جانب المشاركة المستمرة في المسابقات القرآنية.
أما عن منهجه في تثبيت الحفظ والمراجعة، فيوضح أنه اعتمد على التكرار، خاصة التكرار المتباعد، كما كان يسجل تلاوته صوتيا ثم يستمع إليها بسرعة مع تدوين الأخطاء في مصحفه الخاص، إضافة إلى ذلك، قام بتقييد المتشابهات في دفتر أعده لهذا الغرض، وقرأ محفوظاته في الصلوات وإمامة المصلين، مؤكدا على أن العبرة ليست بالكثرة، وإنما بطريقة قراءة الورد، مستشهدا بقول الإمام السالمي رحمه الله: "أقله في اليوم جزء واحد".
وعن أبرز الصعوبات التي واجهته في الاستعداد للمسابقة، يشير إلى تعدد الأدوار في حياته، فهو ليس متفرغا لطلب العلم، بل يعمل في وظيفة تستنزف ثلث يومه، وهو أيضا أب وزوج وابن وعضو في مجتمع يحتاج لخدمته، مما يجعل الوقت ضيقا، خاصة في التصفيات الأولية، أما التصفيات النهائية فقد تزامنت مع إجازة منتصف العام، مما خفف من التحدي قليلا، كما أن طبيعة المستوى الأول، وما يتطلبه من قراءة متعمقة في التفسير والمزاوجة بينه وبين الحفظ، شكلت تحديا إضافيا، خاصة وأن التفسير خُصص له 40 درجة.
وفي حديثه عن الأشخاص الذين كان لهم أثر كبير في دعمه، يذكر المعولي الأستاذ المقرئ خالد الحسني الذي كان له الدور الأبرز في تعليمهم دقائق التجويد بأسلوب مميز يجمع بين الدقة والتدرج، مع تحفيزه الدائم للاستفادة من المسابقات، كما يثني على الدكتور محمد الغماري الذي كان سندا ومحفزا، واستفاد منه كثيرا في الأداء القرآني، ويذكر أيضا الحافظ محمد الغزيلي الذي كان يراجعه باستمرار ويجري معه اختبارات تحاكي أجواء المسابقة، إضافة إلى الحافظ ماجد الجرداني الذي سانده في مقرر التفسير، حيث مرا على أغلبه معا، إلى جانب ثلة من الإخوة الذين كانوا عونا له.
وحول أثر القرآن في الإنسان، يؤكد المعولي أن القرآن يغير حياة صاحبه جذريا، ويقول إن من ارتبط به يدرك أن حياته بعد القرآن ليست كقبله، فالقرآن يجلب البركة في النفس والأولاد والمال والعمل، "فما زاحم القرآن شيئا إلا بارك الله فيه"، ويضيف: "نحن لا نحفظ القرآن، بل هو الذي يحفظنا"، وفي زمن التشتت والفتن التي تعصف بالشباب، يرى أن أعظم ما يلجأ إليه المؤمن لحفظ دينه والثبات على الطريق هو الاعتناء بهذا الكتاب العظيم قراءة وحفظا وتفسيرا وتدبرا، فهو أأمن طريق وأيسر سبيل.
ويختتم المعولي برسالة مؤثرة للشباب الذين يترددون في حفظ القرآن، قائلا: "بادر، وإن غادرت هذه الدنيا ولم تتمه فسيكتب لك أجر نيتك بإذن الله، الله سيتولاك إن رأى صدق نيتك، فلا تتحجج بأي عائق، فالوقت سيبارك لك فيه، ولا تقل كبرت وقلت قدرتي، فكم من جاوز الخمسين وحفظ وواصل حتى القراءات القرآنية، انوِ وتوكل على الله، وستجد أن حياتك بعد القرآن ليست كقبله بإذن الله تعالى".
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: بین الحفظ
إقرأ أيضاً:
د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.
فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.
لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.
بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.
الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.
ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.
الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.
الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.
فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.
ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.
ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.
أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.
كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.
فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.
أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.
ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.
وهناك أيضًا أمان المكانة.
ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.
فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟
الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.
ثم يأتي أمان الضعف.
وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.
أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.
فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.
في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.
لكن الأمان وحده لا يكفي.
فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.
الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.
فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.
أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.
وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.
فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.
هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.
وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.
وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.
وهناك ونس الصمت.
نعم، الصمت.
فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.
أما العنصر الثالث فهو العفوية.
العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.
العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.
العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.
فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.
كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟
من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟
فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.
العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.
والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.
ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.
ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.
ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟
ليس الشكل وحده.
ولا الكلمات وحدها.
ولا البدايات المبهرة وحدها.
الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.
فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.
هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.
ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.
بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.
وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.
يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.
ويكبر لأنه منحنا الأمان.
ويكبر لأنه كان مصدر ونس.
ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.
فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.
وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.
القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.
فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.
نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.
ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.
ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.
لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.
فالأمان يجعل القلب يستقر.
والونس يجعل الروح تبتسم.
والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.
أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.
فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.
شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.
وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.
ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .