ذكاؤنا الخائن: نهاية العالم كما دبرها العقل البشري
تاريخ النشر: 12th, February 2026 GMT
قبل أن يطوع الإنسان الطبيعة لغاياته، كان جسده هو منتهى حيلته وأقصى حدوده؛ يقبض براحته العارية على جمر الوجود وثلجه، رهين سجن بيولوجي ضيق. غير أن صحوة العقل باغتته حين انحنى ليلتقط حجرا، وبضربة قوية، فلق الصخر. من رحم تلك الشظايا المتطايرة، انعتقت "الأداة"، وانطلق معها سهم الوعي في مسار طويل ومربك.
على مدار مراحل تطورها، أثبتت الأداة أنها ليست مجرد امتداد وظيفي لأطرافنا البشرية، بل شرارة أحدثت تحولا جذريا في الوعي.
تقترب مأساة سيغفريد ميرزباخر من ندم نوبل، فهي تحول براءة الاختراع، تحت وطأة الأيديولوجيا، إلى وحشية مطلقة
بيد أن تاريخ الأدوات يضمر في طياته مفارقة تراجيدية؛ فما انبعث لتيسير الحياة، سرعان ما ارتد لمَحوها.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2إبستين وراسبوتين: حين يحكم الظل يسقط العرشlist 2 of 2محمد أفاية: نهضتنا مُعلقة طالما لم نستثمر في بناء الإنسانend of listولعل ديناميت نوبل هو المثال الأوضح لهذا الشقاق الوجودي؛ فقد أراده صاحبه يدا رحيمة تعين الأجساد الكادحة على قهر صلابة الوجود، لكنه أدرك -بعد فوات الأوان- أن أداته التي سكب فيها عصارة روحه ونور عينيه، ليست سوى قوة عمياء؛ "جني" حبيس في قمقم، لا إرادة له سوى ما تمليه عليه أصابع من يحرره. فهل تكفي جائزة ولدت من رحم الندم لتكفير قرن كامل من الدمار؟
تقترب مأساة سيغفريد ميرزباخر من ندم نوبل، فهي تحول براءة الاختراع، تحت وطأة الأيديولوجيا، إلى وحشية مطلقة. بدأ العالم الألماني حياته بتجارب كيميائية بسيطة، كان من بينها ابتكار معجون أسنان لعائلته في بلدة أورانينبورغ الصغيرة شمال برلين، حيث تعامل مع الكيمياء بوصفها فنا منزليا تستنير به ابتسامتنا اليومية. غير أن صعود الحزب النازي حول البسمة البيضاء إلى شهقة دموية.
في عام 1933، تولى ميرزباخر إدارة أحد مختبرات الأسلحة الكيميائية، التي أسهمت في تطوير غاز السارين، أحد أكثر السموم فتكا في التاريخ، كما شارك في تصميم الأقنعة الواقية التي تحمي الجنود الألمان من أضرارها حين يطلقونها في ساحة المعركة.
إعلانلم يستطع العالم الفذ أن يغفر لنفسه، حيث قضى ما تبقى من حياته متنقلا بين مصحات الأمراض النفسية، في محاولة يائسة للتغلب على اشمئزازه، خصوصا بعد علمه بأن أفرادا من عائلته الممتدة قتلوا في معسكر أوشفيتز، ربما بالأسلحة نفسها التي ساهم في تطويرها.
وحين عجز الطب عن إنقاذه، لجأ إلى الكتابة، فدون قصته في نحو ألفي صفحة، امتلأت بتفاصيل مواربة، كتب بعضها على فراش موته، كمحاولة متأخرة للتطهر، دون القدرة على مواجهة الحقيقة عارية.
لم يتبرأ أوبنهايمر من مسؤوليته عن صنع القنبلة، إذ ظل يراها في وعيه "ضرورة تاريخية قاسية"
أوبنهايمر ومرارة "تدمير العوالم"غير أن الفجوة بين نية الصانع ومآل الأداة لم تكن يوما حكرا على الأنظمة الشمولية؛ إذ دخل روبرت أوبنهايمر مختبره على هيئة "بروميثيوس" عصري، ظانا أنه يسرق نارا مقدسة ستضع حدا لأوجاع الحرب، لكن ومضة اختبار ترينيتي (Trinity) في صحراء نيو مكسيكو، فجر 16 يوليو/تموز عام 1945، أحالت يقينه رمادا.
هناك، عند الحافة الرهيبة بين الوجود والعدم، لم يجد أوبنهايمر لغة تسعفه سوى تراتيل الهندوس القديمة، ليهمس بمرارة: "الآن أصبحتُ الموت، مُدمر العوالم".
لم يتبرأ أوبنهايمر من مسؤوليته عن صنع القنبلة، إذ ظل يراها في وعيه "ضرورة تاريخية قاسية"، غير أن أشلاء هيروشيما وناغازاكي حولت هذا التبرير إلى وخز أخلاقي نهش روحه، لينهار أمام الرئيس ترومان بغتة: "سيدي الرئيس، أشعر أن يديّ ملطختان بالدماء".
منذ تلك اللحظة، خلع العالم ثوبه الزاهي وارتدى عباءة التائب؛ إذ انتقل من موقع الصانع إلى موقع المعارض لتطوير القنبلة الهيدروجينية، واصفا إياها بسلاح إبادة شاملة.
وهو المسار الذي قاده إلى منفى معنوي وعزلة سياسية مريرة، بلغت ذروتها بسحب تصريحه الأمني عام 1954، ليموت وحيدا تحت وطأة الأداة التي ظن يوما أنها ستنقذ العالم، فإذا بها تدق المسمار الأخير في نعش مجده.
يستدعي هذا المسخ الجديد، ما وصفته حنة أرندت بـ"تفاهة الشر" في تحليلها لمحاكمة أيخمان؛ حيث صار الشر مجرد "تنفيذ للمهام"
تفاهة الشر: من غضب أخيل إلى كوميديا شفيكفي سردية الإلياذة (Iliad) لهوميروس، تبدو الحرب كأبشع تجليات العبث وأكثرها ضراوة؛ فهي لم تكن صراعا على رقعة أرض أو وفرة موارد، بل محض "نعرة" ذكورية اشتعلت بفرار هيلين.
ولأجل استرداد "الجمال الأوحد"، استدعيت الجيوش لدك حصون طروادة. تساقطت الأرواح كالذباب ذودا عن الشرف، وقدمت رؤوس النساء قرابين على مذبح الرغبة لتولد من رمادهن عقدة إلكترا.
لم يكتف هوميروس بترسيخ مشهد صمت الحملان السائرة إلى مذبح طروادة، بل مد مظلة البؤس لتشمل الشجعان من الرجال؛ في مشهد وداع هكتور الجنائزي، وانكسار الملك بريام وهو يجر ذله أمام قاتل ابنه، ليخبرنا أن تلك الحرب، بعد عشرة أعوام، لم ينتصر فيها أحد.
لقد تحالفت "الأداة الماكرة" (الحصان الخشبي) مع المغيرين لتضع حدا للعبة، بحيلة محدودة الأثر لم تهدد وجود كوكب بأكمله. كانت الحرب آنك واضحة المعالم، تخاض "وجها لوجه" بنزاهة فظة لم يعد لها وجود في حروبنا المعاصرة التي لا يرى فيها المحارب وجه عدوه.
في رواية كل شيء هادئ على الجبهة الغربية ، ينهار الجندي باول بومر تحت وطأة العبث؛ إذ لا يفهم جدوى القتال، ولا يرى أعداء حقيقيين، بل مجرد أشباح في ضباب الخنادق وجثث مكدسة في الطين؛ فبمن إذن يوجه رصاصه؟
إعلانأما في رواية الجندي الطيب شفيك، فيقدم ياروسلاف هازيك صورة كاريكاتورية لحرب فقدت هيبتها؛ جندي يطيع الأوامر بحماسة بلهاء، يتنقل بين الجبهات والمستشفيات دون أن ينخرط في أي عراك حقيقي.
تتفجر الكوميديا السوداء من تلقاء نفسها، لا من غباء "شفيك"، بل من تحول "الطاعة" إلى فعل آلي يشبه رؤية تشارلي شابلن الساخرة للحداثة في فيلمه الأشهر الأزمنة الحديثة ؛ فالمؤسسة العسكرية لا تسمح لجنودها باستخدام عقولهم، بل تختزلهم إلى مجرد "براغي" في آلة ضخمة.
يستدعي هذا المسخ الجديد، ما وصفته حنة أرندت بـ"تفاهة الشر" في تحليلها لمحاكمة أيخمان؛ حيث صار الشر مجرد "تنفيذ للمهام" وامتثال أعمى يغيب عنه الرأي والمساءلة الأخلاقية، وهو ما وعاه شفيك وكيف حواسه بذكاء لتستجيب له.
إن قارئ هازيك لا يملك إلا أن ينفجر في الضحك، لكنه ضحك يخبئ وراءه فزعا أشار إليه ميلان كونديرا بتساؤله: "أوليس مدهشا أن تكون هذه الرواية الهزلية في الوقت نفسه رواية حرب؟ ما الذي حدث للحرب وأهوالها حتى تصير موضوعا للسخرية؟".
البكاء بين يدي زرقاء اليمامةفي 6 أغسطس/آب عام 1945، تمام الثامنة والربع صباحا، شقت الأداة وجه التاريخ إلى ما قبل وما بعد؛ لحظة فارقة انطفأ فيها ضوء السماء لتشتعل الأرض بجحيمها.
مع انشطار الذرة، تلاشت مدينة بكامل تفاصيلها؛ سقطت الجدران على أحلام ساكنيها، وذابت الأجساد في وهج أعمى الأبصار. دوي هائل أعقبه صمت مطبق.
إنه "الصمت النووي" الذي تسلل إلى نصوص ياسوناري كاواباتا، وسكن أرواح جيل من حكماء اليابان آثروا الرحيل في غرف مغلقة؛ إذ أدركوا أن اللغة التي نحتتها آلاف السنين من الحضارة، خرست أمام جبروت الأداة.
في فيلم هيروشيما حبيبتي (Hiroshima mon amour)، يقف آلان رينيه ومارغريت دوراس أمام "مستحيل السرد"؛ حيث تحاول الذاكرة، أن تجسر فجوة الفجيعة بالحب. تقول البطلة الفرنسية بتعاطف: "رأيت كل شيء في هيروشيما"، فيأتيها رد حبيبها الياباني كصفعة تعني اغتراب اليابان عن العالم: "أنت لم تري شيئا في هيروشيما".
في هذا التلاطم الحواري، يتكشف "الهول" بوصفه مادة عصية على الإبصار؛ غصة أبدية حشرت الكلمات في حنجرة اللغة. فبينما كانت الحروب القديمة تشيد ملاحمها من بطولات الجثث وسيرها القابلة للحكي، جاء الانشطار النووي ليزيح الراوي عن المشهد؛ إذ ماذا يتبقى للوصف حين يصعق الضوء الباهر عين الرائي، ويتركه ذاهلا، أمام لحظة الصعق؟
خديعة أطلانطسعلى امتداد التاريخ، ظل العلم ذروة المجد البشري؛ به غادر الإنسان عتمة الكهوف، واقتحم الفضاء، وانتزع الجوهر من قلب المادة. غير أن القراءة النقدية لهذا الصعود تكشف حقيقة مربكة: العقل هو "الأداة المرجعية" التي تمنح كل ما عداها من ابتكارات معناها ومسارها.
ومع تصاعد نذر المواجهة النووية في الآونة الأخيرة، تبدو كفاءة هذه "الرئاسة العقلية" موضع اتهام؛ إذ غدا العقل، الذي هندس الأدوات لصيانة الحياة، أسيرا لزهوه، ناسيا تحذير أفلاطون في أسطورة أطلانطس (Atlantis) عن تلك اللحظة الرهيبة التي يمتزج فيها الزهو بالعمى.
في محاورتي تيماوس (Timaeus) وكريتياس (Critias)، يرسم أفلاطون ملامح تلك الجزيرة الضائعة وراء "أعمدة هرقل"، حيث بلغت الحضارة شأوا بعيدا.
كانت أطلانطس تجسيدا للعقل في أوج انتصاره، حتى تسلل الصلف إلى مفاصلها، واستحالت القوة إلى عماء، فجاء العقاب ببرود يصفه أفلاطون بكلمات قاطعة: "في يوم وليلة واحدة من غضب الآلهة، غاصت أطلانطس في القاع".
ليست هذه النهاية خرافة محضة؛ ففي اللحظة الحاسمة، لا تسقط المدن بوصفها مساحات جغرافية، بل بوصفها حيوات مهدورة. في بيت تهاوى أمانه، ارتجفت صرخة طفل؛ وتعلق كف امرأة بذكرى على جدار؛ بينما وقف المهندس العبقري فوق برجه الشاهق يرقب مآل حساباته الدقيقة. هكذا، حين يختال العقل بنفسه، لا تتهاوى الإمبراطوريات وحدها، بل الأجساد التي خانتها عقولها.
إعلانفي البدء، ولدت الأداة لترميم كائن لا تحتمل هشاشته؛ فبدل أن يدمي أظافره في شق الخشب، روض جسد الشجرة وصاغ فأسا. غير أن السؤال يفرض نفسه اليوم بإلحاح أشد: ما الذي كان العقل يرمي إليه حين صاغ القنبلة؟ أضل طريقه؟ ربما. لكن الأداة، في ذاتها، لم تخطئ يوما هدفها.
إن تتبع المسار من شظية الصوان الأولى إلى خوارزميات القتل عن بعد يعيدنا إلى مرارة ما قاله ساراماغو: "الطينة التي جُبلنا منها نصفها خبث، ونصفها الآخر استهتار". ففي هذه اللحظة التاريخية، انقلبت أدوات البقاء إلى نذر للفناء.
ومع تآكل مؤسسات الردع وتراجع منطق العقلانية، لم يعد السلاح النووي كابوسا افتراضيا، بل احتمالا واقعيا يلوح به قادة يملكون من الأسلحة أكثر مما يملكون من الوعي. وهنا يغدو السؤال كارثيا بحق: ماذا يتبقى للإنسان ليدافع به عن نفسه، حين يكتشف أن خصمه الأشد فتكا كان، طوال الوقت، كامنا في رأسه؟
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فكر تحت وطأة غیر أن
إقرأ أيضاً:
ماذا وراء تعيين توماس باراك لدمشق وبغداد؟
حين قررت إدارة ترامب وضع ملفي سوريا والعراق في حقيبة دبلوماسية واحدة وتسليمها لتوم باراك، لم تكن مجرد تسمية لمبعوث جديد، بل كانت إعلانًا صريحًا عن تغيير قواعد اللعبة في المشرق العربي. واشنطن اليوم تقلب الطاولة على أساليبها القديمة؛ وبدلاً من سياسة العقوبات والضغط المستمر، يبدو أنها تتجه نحو تفاعل مباشر قد يشمل صفقات وتقاربات غير متوقعة.
الأهم هنا هو الوعي الأمريكي المستجد بأن دمشق وبغداد ملف واحد لا ينفصل، وأن إدارة هذه المنطقة لا يمكن أن تنجح بالانفراد، بل من خلال نسج شبكة مصالح مشتركة تجمع تركيا وسوريا والعراق معاً.
هذا التحول يضع المنطقة أمام سيناريوهين: إما نجاح هذه الهندسة السياسية وبالتالي محاصرة النفوذ الإيراني وتقليص الدور الروسي لصالح عودة أمريكية قوية، أو الفشل الذي سيعني ارتداداً عنيفاً يغرق المنطقة في موجة توتر جديدة.
المحك الحقيقي الآن لا يكمن في ذكاء الخطة، بل في قدرة إدارة ترامب على توفير الدعم والنفَس الطويل لتنفيذها، فهل نحن أمام رؤية استراتيجية متكاملة، أم مجرد مسكّن مؤقت للأزمة؟ الإجابة لن تتأخر كثيراً، وستكتبها التحركات الأولى لتوم باراك على الأرض وردود الفعل القادمة من دمشق وبغداد.
حين تبحث في كواليس واشنطن عن تفسير لجرأة التحركات الأخيرة في المشرق العربي، ستجد أن الإجابة تبدأ من طبيعة الرجل الذي اختاره ترامب لهندسة هذه المرحلة، وهو أن توماس باراك لا ينتمي إلى تلك الطبقة التقليدية من الدبلوماسيين الذين يديرون الأزمات بالورقة والقلم من خلف المكاتب المغلقة، بل هو أقرب لعقلية برجل الصفقات الميداني الذي يمتلك توليفة استثنائية من النفوذ السياسي والخلفية الشخصية، جعلته الأداة الأنسب لقلب الطاولة في المنطقة، وهذا النفوذ يترجمه باراك اليوم من فوق مقعده كسفير للولايات المتحدة في أنقرة، وهو موقع يمنحه بالتبعية مفاتيح رئيسية للتحكم في خيوط الملف السوري، فبعد أن تسلم ملف سوريا كمبعوث خاص، جاء القرار الأخير بتوسيع صلاحياته ليشمل العراق أيضاً، ليصبح الرجل بمثابة المايسترو الذي يدمج الساحتين لأول مرة تحت رؤية تنسيقية واحدة ونافذة.
لكن أبعد من المناصب هناك بعد إنساني وثقافي يمنح باراك تفوقاً نوعياً، فالرجل الذي يعود بجذوره إلى أصول لبنانية يفهم جيداً الشفرة الاجتماعية والسياسية للمجتمعات العربية، ولديه قدرة أعلى على بناء الجسور والتحدث بلغة يفهمها الفاعلون على الأرض، بعيداً عن الجفاء الدبلوماسي الغربي المعتاد، ومع ذلك لا ينبغي إغفال العقلية التي تحركه فباراك يتحرك بعقيدة سياسية صارمة تلخصها مدرسة أمريكا أولاً، وهو ما أشار إليه وزير الخارجية ماركو روبيو بوضوح حين وضعه في خانة الموثوقين القادرين على تطويع هذه الأوراق المعقدة لصالح واشنطن، فنحن إذن أمام شخصية تجمع بين مرونة الجذور وحسم الأجندة، مما يجعله المحرك الفعلي لأي نظام إقليمي جديد يتشكل في دمشق وبغداد.
أما عن الجمع بين سوريا والعراق في حقيبة دبلوماسية واحدة ليس مجرد ترتيب إداري لتخفيف زحام المبعوثين، بل هو اعتراف أمريكي بواقع الأرض، فواشنطن أدركت أخيراً أن الفصل بين بغداد ودمشق كان خطأً استراتيجياً، طالما أن الحدود بينهما تكاد تكون ملغاة فعلياً أمام تحركات السلاح والفصائل وشبكات النفوذ، من هنا تسعى إدارة ترامب لفرض نفسها كوسيط وحيد لإدارة التنسيق الأمني والعسكري بين الدولتين، وهي خطوة ذكية لسحب هذا الملف من يد أطراف إقليمية أخرى، والأهم أن هذه المظلة الموحدة ستمنح واشنطن ورقة ضغط قوية، فبدلاً من تفاوضها مع كل دولة على حدة، ستصبح حوافز مثل رفع العقوبات أو أموال إعادة الإعمار عبارة عن صفقة إقليمية واحدة وشاملة، تُعرض على دمشق وبغداد معاً مقابل ثمن سياسي وأمني محدد.
واتذكر حين رفع ترامب العقوبات عن سوريا في مايو 2025، فكان يمهد لسياسة جديدة قائمة على الصفقات المباشرة، ومنذ ذلك الوقت بدأ توماس باراك يتحرك لفتح القنوات المغلقة مع دمشق، وجاء قراره الأخير ليوكد أن واشنطن تريد تحويل هذا التقارب إلى مسار دائم، والفكرة هنا بسيطة وذكية فبدلاً من ترك دمشق مجبرة على الارتماء في أحضان روسيا وإيران بسبب العزلة، قررت إدارة ترامب أن تجلس مع النظام السوري على طاولة حوار واحدة، لأن أمريكا تدرك أن أفضل طريقة لإبعاد طهران وموسكو هي تقديم بدائل حقيقية لدمشق، واللعب على ورقة الاستقرار ومحاربة التطرف، لتضمن واشنطن في النهاية أنها أصبحت اللاعب الأهم في المنطقة.
وأن جمع باراك بين منصب السفير في أنقرة ومهمته الجديدة في سوريا والعراق ليس مجرد جمع بين وظيفتين، بل هو اعتراف ذكي من واشنطن بأن مفاتيح الحل في المشرق العربي تمر حتماً عبر تركيا، فإدارة ترامب تدرك أنك لا تستطيع تفكيك العقدة السورية دون وجود شريك إقليمي قوي بوزن أنقرة على نفس الطاولة،
والخطة هنا تعتمد على استغلال النفوذ التركي لترتيب الأوراق، بحيث تلعب أنقرة دور الجسر الذي يساعد في إعادة إدماج سوريا في محيطها العربي، وهذا التنسيق الثلاثي الناشئ بين واشنطن وأنقرة ودمشق يهدف إلى خلق معادلة مصالح جديدة، تضمن لتركيا أمن حدودها، ولأمريكا تقليص خصومها، ولدمشق العودة للمشهد، مما قد يفتح الباب أخيراً لتسوية حقيقية للأزمة السورية بعيداً عن التدخلات الخارجية الأخرى.
وما زلت اتذكر حين صرح وزير الخارجية ماركو روبيو بأن باراك هو الرجل الأنسب لتطبيق أجندة أمريكا أولاً في المنطقة، لم يكن يتحدث بشعارات انتخابية، بل كان يلخص الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في كلمتين الا وهي دبلوماسية أقل كلفة ومكاسب أكبر، والفكرة هنا قائمة على فلسفة بسيطة وهي واشنطن لم تعد مستعدة لإنفاق تريليونات الدولارات في حروب عسكرية لا تنتهي بالشرق الأوسط، والبديل الذكي هو استخدام الدبلوماسية والصفقات المباشرة لحماية مصالحها الأساسية، وباراك سيتحرك لتركيز الجهود الأمريكية حول ملفات محددة ومباشرة، مثل مكافحة الإرهاب، تأمين خطوط الطاقة، وقطع الطريق أمام النفوذ الصيني والإيراني المتزايد، وهذا التحول المرن يسمح لإدارة ترامب بتحقيق أهدافها الإقليمية بأقل خسائر ممكنة، وفي نفس الوقت إعادة توجيه الموارد والتركيز نحو الداخل الأمريكي.
إذا جمعنا كل هذه الخيوط والمؤشرات معاً، وقارنا هذا التحرك بما كان يحدث في الماضي، يبدو واضحاً أن ما يفعله ترامب اليوم عبر توماس باراك ليس مجرد تبديل وجوه، بل هو انقلاب كامل في طريقة تفكير واشنطن تجاه منطقتنا، واننا أمام قواعد لعبة جديدة تماماً تختلف عن كل ما عشناه مع الإدارات الأمريكية السابقة.
فالملفات التي كانت واشنطن تديرها بالقطعة، فتقارب سوريا بمعزل عن العراق، صُهرت اليوم في بوتقة واحدة، والمنصب نفسه لم يعد مجرد لقب لمبعوث تقليدي، بل تحول إلى تفويض رئاسي ثقيل يتحرك به باراك وهو لا يزال ممسكاً بمقعد السفارة في أنقرة، ما يعني أن الدور التركي لم يعد على الهامش بل أصبح في قلب الطاولة.
ولكن التحول الأبرز يكمن في العقلية نفسها، فالإدارة الأمريكية تجاوزت أخيراً لغة العقوبات والضغط التي أثبتت عقمها، لتفتح الباب لرفع القيود والتقارب المباشر، ولم تعد المعركة مقتصرة على فكرة مواجهة إيران من بعيد، بل تحولت إلى بناء تفاهمات عملية مع دمشق وبغداد على أرض الواقع، وهذا التغيير يعكس نضجاً سياسياً مختلفاً لإدارة ترامب باتباعه استراتيجية واقعية تبحث عن الصفقات الممكنة بدلاً من الغرق في الشعارات، وتؤكد أن واشنطن قررت أخيراً أن تدير مصالحها في الشرق الأوسط بعيون ترى الواقع كما هو، لا كما تتخيله المكاتب المغلقة.