عندما تعلن الدولة عن عودة وزارة الدولة للإعلام، فهي لا تستعيد هيكلًا تنظيميًا قديمًا، ولا تعيد إنتاج تجارب سابقة ثبت أن زمانها انتهى، هي تفعل شيئًا آخر أكثر عمقًا.. إنها تعلن أن معركة الوعي دخلت مرحلة جديدة، وأن إدارة المشهد الإعلامي لم تعد تكميلية، بل باتت في صلب مشروع الجمهورية الجديدة.

وإذا كان الرهان على شخص بعينه في مثل هذه اللحظة دقيقًا وحاسمًا، فإن اختيار الكاتب الصحفي ضياء رشوان لقيادة وزارة الدولة للإعلام يحمل رسالة واضحة: المرحلة تحتاج عقلًا استراتيجيًا لا يدير ملفًا بقدر ما يؤسس لمنظومة.

.رجل يجمع بين العمل الصحفي المحترف والخبرة الأكاديمية، وجرب إدارة مؤسسات كبرى، وأدار ملفات وطنية حساسة بصمت واقتدار. لكن السؤال الأهم: ماذا تنتظر الدولة من هذه الوزارة العائدة؟

الرهان الأكبر في تقديري ليس في إصدار التوجيهات اليومية ولا في ملء الشاشات بالمحتوى السريع، بل في قدرة الوزير على رسم السياسة العامة للإعلام المصري برؤية شاملة لا تقتطع المشهد إلى أجزاء متناثرة. هذه الرؤية تحتاج أن تترجم إلى لغة تنسيق يومي دقيق بين المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بصفته الضابط المهني، والهيئة الوطنية للإعلام بصفتها ذراع التطوير في الإعلام الرسمي، والهيئة الوطنية للصحافة بصفتها راعية المؤسسات القومية العريقة. المطلوب آلة عمل متناغمة، لا أطرافًا متنافرة.

لكن المواطن العادي لا يهتم كثيرًا بهذه التعقيدات المؤسسية بقدر ما ينتظر أن يلمس الفرق على الشاشة وفي جريدته وعلى منصات التواصل.. يريد إعلامًا لا يتحدث فوق رأسه، لا يكرر نفس الجمل، لا يخاف من الاعتراف بالخطأ، ولا يبيع الوهم.. يريد إعلامًا يعترف بذكائه أولًا.

وهنا تصبح المواجهة مع فوضى القنوات والمحتوى الهابط ضرورة وطنية لا تقبل التأجيل..ليس المطلوب كتم الأصوات، بل فرز الغث من السمين.. ليس المطلوب إغلاق المنصات، بل تشغيل الرقابة بذكاء يمنع اختراق العقول باسم الحرية..ميثاق شرف إعلامي عصري لم يعد رفاهية، بل ضمانة للمواطن قبل أن يكون قيدًا على الإعلامي.. فالحرية الحقيقية لا تعني أن يقول الجميع ما يشاؤون، بل أن يقول المحترفون ما يفيد.

هذه المنظومة الجديدة لا يمكنها أن تنمو في معزل عن الثورة الرقمية التي غيرت قواعد اللعبة عالميًا..الجمهور المصري الشاب لم يعد ينتظر نشرة أخبارية ليعرف الأخبار، هو يصنعها أحيانًا، ويتداولها أسرع من أي مؤسسة.. لذلك فإن تطوير آليات البث والتفاعل، والاستثمار الجاد في المحتوى الرقمي، والانتقال من لغة الوعظ إلى لغة الحوار، كلها ضرورات لا خيارات.

الوعي في النهاية ليس شعارًا يُرفع، بل حالة تُبنى يوميًا.. والإعلام المصري اليوم أمام فرصة حقيقية ليسترجع شيئًا من بريقه القديم، لكن بثوب جديد.. ثوب لا يرتدي جبة الزمن الجميل، بل يرتدي زي المستقبل.. إذا نجحت وزارة الدولة للإعلام في أن تكون مهندسة هذا التحول، لا مديرة روتين، فإننا سنكون أمام إعلام مختلف قادر على منافسة الأقوياء إقليميًا، وقبل هذا قادر على أن يكون مرآة صادقة لمصر الجديدة. دولة لا تخاف من أسئلة شعبها، ولا تترك عقول أبنائها غنيمة سهلة في ساحات المعارك الموازية.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: تعلن الدولة وزارة الدولة للإعلام إنتاج تجارب وزارة الدولة

إقرأ أيضاً:

جامعة الملك عبدالعزيز تتصدر المشهد الأكاديمي السعودي

البلاد (جدة)

تصدرت جامعة الملك عبدالعزيز الجامعات السعودية في أربعة محاور رئيسية ضمن تصنيف تأثير الاستدامة الصادر عن مؤسسة «التايمز» لعام 2026، الذي يُعدّ أحد أهم المعايير الدولية في قياس أثر المؤسسات الأكاديمية على أهداف التنمية المستدامة.

وكشفت نتائج التصنيف أن الجامعة نالت المرتبة الأولى محلياً في 4 أهداف «السلام والعدل والمؤسسات القوية»، و«عقد الشراكات لتحقيق الأهداف»، إلى جانب «العمل المناخي»، و«العمل اللائق ونمو الاقتصاد»، وهي مجالات تقع في صميم أجندة التنمية العالمية، وتتقاطع مع أولويات رؤية السعودية 2030 في بناء اقتصاد مزدهر ومجتمع متماسك.

وعلى الصعيد العالمي، نجحت الجامعة في دخول قائمة أفضل خمس جامعات دولياً في هدف «السلام والعدل»، فيما جاءت في المرتبة الحادية عشرة عالمياً في «عقد الشراكات»، والثالثة والعشرين في «العمل اللائق ونمو الاقتصاد»، والثلاثين في «الحد من أوجه عدم المساواة»، في مؤشر يعكس حجم الحضور الدولي للمؤسسة بين نظيراتها من كبرى الجامعات العالمية.

وفي مؤشر التصنيف الشامل، حصدت الجامعة درجة إجمالية بلغت 88.3 من 100، ضمن الفئة 101-200 عالمياً، بينما احتلت المركز الثاني محلياً في ثلاثة أهداف أخرى، هي: «الحياة في البر»، و«الصحة الجيدة والرفاه»، و«الحد من أوجه عدم المساواة».

وتأتي هذه النتائج تتويجاً لمسيرة متواصلة من الاستثمار في البحث العلمي والشراكات المؤسسية، وسط تأكيد الجامعة مواصلة مسارها نحو تعزيز أثرها الأكاديمي والبحثي والمجتمعي دعماً لمستهدفات رؤية السعودية 2030.

مقالات مشابهة

  • شائعات البن المغشوش تهز السوق.. وشعبة البن تعلن خطة لاستعادة ثقة المستهلكين
  • حوت أوركا يقفز عاليًا في الهواء خلال مطاردة فريسته واللهو بها
  • عصام هلال: ثورة 23 يوليو المجيدة جسدت إرادة الشعب المصري في بناء دولة قوية
  • “حواء”: المحاصصات أسهمت في تشكيل المشهد السياسي الليبي
  • رئيس الدولة ونائباه يهنئون الرئيس المصري بذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة
  • جامعة الملك عبدالعزيز تتصدر المشهد الأكاديمي السعودي
  • شوقي غريب: رحيل مصطفى شوبير وإمام عاشور سيؤثر على الأهلي.. وزيزو أمام فرصة لاستعادة مستواه
  • بين الهوية وصناعة الوجدان.. هكذا استخدمت ثورة يوليو الكتاب والمكتبات العامة كدروع لحماية عقل الإنسان المصري
  • طارق صالح: آن الأوان لتوحيد الطاقات لحسم معركة استعادة الدولة
  • برلماني: تعزيز المخزون الإستراتيجي يحصن الاقتصاد المصري من تداعيات الأزمات العالمية