جيروزاليم بوست: سعي إيراني حثيث لتحصين منشأة نطنز النووية
تاريخ النشر: 12th, February 2026 GMT
قالت صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية إن صور أقمار صناعية أخذت للمنشأة النووية الإيرانية نطنز تظهر مساعي حثيثة لتحصينها ضد هجوم جوي أمريكي أو إسرائيلي محتمل.
ونقلت الصحيفة، في تقرير لها اليوم الخميس عن معهد العلوم والأمن الدولي ومقره بالولايات المتحدة الأمريكية، تأكيده أن صور الأقمار الصناعية التي أخذت في 10 فبراير/شباط "تبدو وكأنها تظهر أن طهران استغلت التأخير في أي هجوم من هذا القبيل منذ بدء احتجاجات 28 ديسمبر/كانون الأول لتعزيز الدفاع عن المنشأة بشكل أفضل".
ومفاعل نطنز النووي هو المنشأة الرئيسية لتخصيب اليورانيوم في إيران، ويقع في محافظة أصفهان على بُعد نحو 220 كيلومترا جنوب شرق العاصمة طهران، وكُشف عنه عام 2002، وهو مصمم لاستيعاب عدد كبير من أجهزة الطرد المركزي.
جهود تحصينوتبلغ مساحة المنشأة نحو 2.7 كيلومتر مربع، وبُنيت على عمق 8 أمتار تحت الأرض، ويُحيط بها جدار خرساني بسماكة تبلغ 2.5 متر، وتحميها منظومة دفاع جوي وأسلاك شائكة وقوات من الحرس الثوري الإيراني.
وقد تعرض المفاعل منذ عام 2010 لسلسلة هجمات نُسبت إلى إسرائيل، شملت هجوما إلكترونيا وتفجيرات وتخريبا في أنظمة الكهرباء. وفي يونيو/حزيران 2025، أكدت إيران أن نطنز كان ضمن الأهداف التي استُهدفت في هجوم جوي إسرائيلي.
وتضيف جيروزاليم بوست أن معهد العلوم والأمن الدولي تحدث عن "جهود مستمرة لتدعيم وتعزيز مدخلي نفقين إلى المنشأة، موضحا أن الصور توضح صب الخرسانة فوق امتداد مدخل النفق الغربي، وعند أحد مداخل النفق الشرقي، يمكن رؤية الصخور والتربة وقد أُزيحت وسُوّيت فوق بوابة النفق".
وذكر التقرير أن "هذه الجهود تعزز بوابات الأنفاق وتوفر حماية إضافية ضد ضربة جوية، وبالقرب من بوابات الأنفاق الشرقية، يمكن رؤية أكوام من مواد البناء على الأرض".
وقال إن إسرائيل تأمل في أن المنشأة قد لا تكون قادرة على تنفيذ جميع الأنشطة النووية التي خسرتها إيران عندما تضررت منشآتها الرئيسية في نطنز وفوردو وأصفهان من القصف في يونيو/حزيران 2025.
إعلانوبحسب جيروزاليم بوست، فقد دمرت معظم منشآت نطنز، بما في ذلك أجهزة الطرد المركزي القائمة آنذاك، في يونيو/حزيران 2025.
ونقلت عن مركز الأبحاث قوله إن المنشأة الضخمة الجديدة نسبيا تحت الأرض لا يُعتقد أنها دخلت للخدمة، وهو أحد الأسباب التي قد تفسر عدم استهدافها سابقا.
وأضاف أن هناك مخاوف من إمكانية استخدامها لتخصيب اليورانيوم أو حتى لاندفاعة سرية نحو سلاح نووي صغير في وقت ما إذا لم يتم التعامل معها.
منشآت صواريخيذكر أن نيويورك تايمز الأمريكية ذكرت الأسبوع الماضي، أن تحليلات صور الأقمار الاصطناعية الحديثة أظهرت أن إيران بدأت عمليات إصلاح وترميم متسارعة في عدة منشآت للصواريخ الباليستية كانت قد تضررت جراء ضربات إسرائيلية وأمريكية العام الماضي، في حين لا تزال وتيرة العمل في المواقع النووية الرئيسية تسير بشكل أبطأ.
وقالت إن هذا التباين بين سرعة عمليات الإصلاح والترميم وإعادة الإعمار يكشف عن أولويات طهران العسكرية في ظل حشد الولايات المتحدة قواتها في المنطقة وتلويح الرئيس دونالد ترمب باتخاذ إجراءات عسكرية جديدة.
وأضاف التقرير الذي أعده صمويل غارانادوس وأوريليان بريدين أن خبراء يرون أن تعزيز القدرات الصاروخية يمثل أداة الردع الأساسية لدى إيران لحماية منشآتها النووية من أي هجمات مستقبلية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات جیروزالیم بوست
إقرأ أيضاً:
“إسرائيل” بين مأزق إيران واستنزاف لبنان
تكشف بعض التحليلات الإسرائيلية في الصحف عن حالة قلق متزايدة داخل المؤسسة السياسية والعسكرية في إسرائيل، في لحظة تبدو فيها الحرب مفتوحة على أكثر من جبهة، فيما تتزايد الصعوبة في تحويل التفوق العسكري إلى إنجازات سياسية واضحة. فبينما تستعد إسرائيل لاحتمال استئناف المواجهة مع إيران، تغرق قواتها أكثر فأكثر في واقع استنزافي على الجبهة اللبنانية، وسط تصاعد الخسائر البشرية، وغياب أفق سياسي أو عسكري واضح للحرب.
وتعكس هذه التحليلات حالة من الإحباط والارتباك داخل إسرائيل، لكنها لا تعني بالضرورة أن إسرائيل تعيش “انهياراً استراتيجياً” كما يذهب بعض المراقبين. فإسرائيل ما تزال تمتلك تفوقاً عسكرياً واستخباراتياً كبيراً، وتحظى بدعم أمريكي وغربي واسع، إلا أن الأزمة الحالية تكمن في عجز هذا التفوق عن إنتاج حسم سياسي أو عسكري واضح، سواء في غزة أو لبنان أو حتى في المواجهة مع إيران.
منذ انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018م، راهنت إسرائيل بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على سياسة “الضغط الأقصى” ضد إيران، باعتبارها الطريق الأقصر لدفع طهران إلى التراجع أو القبول بشروط أمريكية ـ إسرائيلية جديدة. لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن هذه السياسة لم تحقق أهدافها بالكامل، بل ساهمت في تسريع البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، وتحويل الصراع إلى مواجهة مفتوحة يصعب حسمها بسرعة.
ورغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية، لم تُظهر إيران استعداداً لتقديم تنازلات جوهرية، فيما تبدو واشنطن نفسها مترددة في الانخراط بحرب إقليمية واسعة. ويبرز هنا تردد ترامب بصورة خاصة، فهو يدرك أن أية مواجهة مفتوحة مع إيران قد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة اقتصادياً وسياسياً، في وقت يواجه فيه تحديات داخلية تتعلق بالتضخم وتراجع شعبيته. ولذلك تبدو تصريحات ترامب المتناقضة أحياناً ـ بين التهديد بالهجوم والتراجع عنه ـ انعكاساً لمحاولة الموازنة بين دعم إسرائيل وتجنب الانجرار إلى حرب غير مضمونة النتائج.
كما تكشف بعض التحليلات الإسرائيلية عن اعتراف ضمني بأن التفوق العسكري، مهما كان حجمه، لا يكفي وحده لفرض نتائج سياسية حاسمة. فإسرائيل قادرة على إلحاق دمار واسع بخصومها، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في ترجمة هذا التفوق إلى “صورة نصر” مستقرة وطويلة الأمد. وربما لهذا السبب تميل بعض الكتابات الإسرائيلية إلى استخدام لغة درامية وتحذيرات مبالغ فيها أحياناً، ليس فقط لوصف الواقع، بل أيضاً للضغط على الحكومة، أو تحميل القيادة السياسية مسؤولية الإخفاقات، أو الدفع نحو تغيير في إدارة الحرب.
لكن الأزمة الأكثر وضوحاً تظهر في الجبهة اللبنانية. فبعد أشهر طويلة من الحرب، لا يبدو أن الجيش الإسرائيلي نجح في تغيير الواقع الميداني بشكل جذري. فالقوات الإسرائيلية تتمركز داخل شريط حدودي محدود، فيما يواصل حزب الله فرض معادلة الاستنزاف عبر المسيّرات والكمائن والاشتباكات اليومية.
وتكشف بعض النقاشات داخل إسرائيل عن قلق متزايد من تحوّل الوضع في جنوب لبنان إلى نسخة معدّلة من تجربة “الحزام الأمني” في التسعينيات، حين تحولت القوات الإسرائيلية إلى أهداف يومية داخل الأراضي اللبنانية. وقد تحدث ضباط إسرائيليون عن أن القوات تتجنب التحرك نهاراً خشية المسيّرات، وتؤجل كثيراً من عملياتها إلى ساعات الليل، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي يفرضه حزب الله على حركة الجيش الإسرائيلي في الميدان.
لكن هذه المقارنات، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة أن إسرائيل تعيش تكراراً كاملاً لتجربة الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000م، بقدر ما تعكس تنامي القلق من الانزلاق إلى حرب طويلة بلا أهداف واضحة أو قدرة على الحسم، في ظل تآكل تدريجي لصورة الردع التي حاولت إسرائيل ترميمها منذ بداية الحرب.
وتظهر في إسرائيل أيضاً انتقادات داخلية غير مسبوقة يوجهها ضباط وقادة عسكريون للمؤسسة العسكرية نفسها. فهناك حديث واضح عن ضعف الانضباط، وتكرار الأخطاء العملياتية، وغياب التفكير الاستراتيجي، بل وحتى عن “مناخ عسكري” يجرّم الشك المهني ويعتبر الحذر ضعفاً.
وتعكس هذه الانتقادات أزمة أعمق داخل الجيش الإسرائيلي، الذي خاض خلال السنوات الأخيرة حروباً متواصلة من دون أن ينجح في إنتاج عقيدة قتال قادرة على التعامل مع الحروب غير التقليدية. فالحلول المتكررة ما تزال تقوم على “المزيد من التدمير” و”المزيد من القوة النارية”، رغم أن التجارب المتراكمة في غزة ولبنان أثبتت محدودية هذا النهج.
ويبدو أن المؤسسة العسكرية باتت أسيرة خطاب سياسي يرفع سقف الأهداف إلى حد يصعب تحقيقه. فشعار “النصر المطلق” الذي روّج له نتنياهو وحكومته تحول تدريجياً إلى عبء على الجيش نفسه، لأن الواقع الميداني لا يقدم أي مؤشرات على إمكانية تحقيقه، بينما تتزايد الخسائر البشرية وتتآكل الجبهة الداخلية في الشمال.
وفي مقالات لعدد من المحللين الإسرائيليين، بينهم عاموس هرئيل في صحيفة هآرتس، يجري الحديث عن حالة شلل داخل منظومة الحكم الإسرائيلية، في ظل غياب نقاش استراتيجي حقيقي حول أهداف الحرب ومآلاتها. فالمؤسسات السياسية والأمنية تبدو عاجزة عن بلورة رؤية واضحة، فيما تخشى المؤسسة العسكرية الاصطدام بالتيار اليميني المتطرف داخل الحكومة حتى لا تُتهم بالانهزامية أو التقصير.
ما ترسمه هذه الصورة في النهاية ليس مشهد “انهيار” إسرائيلي بقدر ما هو مشهد لدولة تواجه مأزقاً استراتيجياً متزايداً. فإسرائيل ما تزال تملك قوة عسكرية هائلة، لكنها تجد صعوبة متزايدة في ترجمة هذه القوة إلى إنجاز سياسي حاسم أو استقرار طويل الأمد.
وربما تكمن المفارقة الأهم في أن إسرائيل، التي دخلت هذه الحروب تحت شعار “استعادة الردع”، تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر تعقيداً: جبهات مفتوحة، وقوات مستنزفة، وضغط داخلي متزايد، فيما تبدو القيادة السياسية عاجزة عن الاعتراف بأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لصناعة النصر، وأن الحروب التي تبدأ بلا أهداف واقعية أو أفق سياسي واضح قد تتحول سريعاً إلى استنزاف طويل ومكلف للجميع.
كاتب فلسطيني