الصمت السعودي في حرب السودان
تاريخ النشر: 12th, February 2026 GMT
الصمت السعودي في حرب السودان
تمويل غير داعم، ودور يُدار من الخلف، وحسم مؤجَّل
د. أحمد التيجاني سيد أحمد
مدخلفي لحظات انهيار الدول، لا يكون أخطر المواقف هو الانحياز الفجّ، بل الصمت المحسوب حين تتكشّف الوقائع. حادثة قصف قافلة الإغاثة التابعة لبرنامج الأغذية العالمي لم تكن مجرد واقعة ميدانية، بل لحظة كاشفة لتاريخ طويل من إدارة النفوذ الإقليمي في السودان، وفي القلب منه الدور السعودي، ليس بوصفه فاعلًا صاخبًا، بل كقوة صامتة تُمسك بالخيوط وتترك الآخرين في الواجهة.
عقب الهجوم، اندفعت رواية متعجّلة اتهمت قوات الدعم السريع، رغم معطيات ميدانية مستقرة: الدعم السريع لا يملك طيرانًا، والسيطرة الجوية بيد الجيش السوداني، ونمط الضربة ومسارها جويّان. في المقابل، صدرت بيانات نفي واضحة من الدعم السريع، وتبنّى تيار وسط مدني وقانوني مطلب التحقيق الدولي المستقل.
أما السعودية فاختارت الصمت. لا تبنٍّ لرواية الجيش، ولا دفاع عن الدعم السريع. هذا الصمت ليس حيادًا أخلاقيًا، بل امتداد لمنهج تاريخي في إدارة الأزمات: الانتظار حتى تتضح الكلفة القانونية والسياسية، ثم إعادة التموضع.
السياق التاريخي: السعودية والتمويل غير الحاسم منذ السبعيناتمنذ سبعينات القرن الماضي، ارتبط الدور السعودي في السودان بنمط تمويل يمكن وصفه بأنه غير داعم وغير حاسم. لم يكن غائبًا، لكنه لم يكن مُمكِّنًا لبناء دولة. في الزراعة، ضُخت استثمارات ركزت على الإنتاج الخام لا على سلاسل القيمة. في التعليم، قُدمت منح فردية ودعم دعوي لم يتحول إلى منظومات تعليم وطني حديث. في التمويل، تدفقت الموارد عبر قنوات مصرفية محافظة بلا أي اشتراطات إصلاح مؤسسي.
هذا النمط لم يكن صدفة، بل خيارًا سياسيًا: تمويل الحركة دون تمكين الدولة.
التمويل كخلط أوراق اجتماعي وديموغرافيبلغ هذا النهج ذروته في عهد نظام البشير، حين تلاقى المال والصمت السياسي مع مشروع خلط سكاني واسع، تمثل في السماح بجلب أعداد كبيرة من عرب الشتات إلى السودان. لم يكن ذلك مشروع لجوء إنساني ولا اندماجًا وطنيًا، بل هندسة ديموغرافية ناعمة أعادت ترتيب التوازنات السكانية، ووفرت غطاءً لتعريب قسري غير مُعلن.
لم يكن المشروع سعوديًا معلنًا، ولا قرارًا سودانيًا خالصًا، بل تواطؤًا صامتًا: تمويل بلا مساءلة، ودعم بلا شروط وطنية، وصمت عن النتائج بعيدة المدى.
السودان كحديقة خلفية: الاقتصاد والعمالةاقتصاديًا، جرى التعامل مع السودان كحديقة خلفية: أرض للزراعة، مخزن للغذاء، وخزان للعمالة عالية القيمة. الأطباء، المعلمون، والمهندسون الذين موّل السودان تعليمهم، جرى تصديرهم إلى دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، بأجور منخفضة، ومدد خدمة طويلة، وحماية قانونية ضعيفة.
القيمة المضافة لم تُبنَ داخل السودان، بل استُنزفت خارجه، بينما تُرك الاقتصاد المحلي هشًا يعتمد على التحويلات لا الإنتاج.
الدور الأمريكي وحدود الحسم العسكريفي هذا السياق، جاء الدور الأمريكي بوصفه منظمًا للصراع لا حاسمًا له. التحقيقات، الضغط الإنساني، ومنع أي نصر نظيف، كلها أدوات لإبقاء الصراع تحت سقف يمكن التحكم فيه. حتى لو تغيّر ميزان السماء بدعم مصري أو تركي، فإن الجغرافيا، والتحقيقات الدولية، وكلفة المدنيين تمنع حسمًا عسكريًا مستدامًا.
ما يجري في الكرمك والنيل الأزرق يوضح أن الأرض، لا السماء، هي من تفرض الإيقاع.
الخلاصةالسعودية تعرف، لكنها تصمت. صمتها ليس ارتباكًا، بل امتداد لتاريخ من تمويل غير داعم وتنمية لا تبني دولة. أمريكا تضبط ولا تحسم. والسماء قد تُربك الخريطة، لكنها لا تكتب النهاية.
في السودان، الحسم إن جاء، فسيكون سياسيًا قبل أن يكون عسكريًا.
روما – إيطاليا ٨ فبراير ٢٠٢٦
Ahmed [email protected]
الوسومالجيش السوداني السعودية السودان النفوذ الإقليمي برنامج الأغذية العالمي د. أحمد التيجاني سيد أحمد سلاح الطيران قافلة الإغاثة قوات الدعم السريع نظام البشير
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: الجيش السوداني السعودية السودان النفوذ الإقليمي برنامج الأغذية العالمي د أحمد التيجاني سيد أحمد سلاح الطيران قافلة الإغاثة قوات الدعم السريع نظام البشير الدعم السریع لم یکن
إقرأ أيضاً:
مجلس الأمن: وسط انقسام ميداني حرب السودان تتحول إلى استنزاف
قال تقرير دوري لمجلس الأمن الدولي إن الحرب في السودان دخلت مرحلة أقرب إلى “حرب استنزاف” طويلة الأمد، مع استمرار تدفق الأسلحة والدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، وترسخ ما وصفه بانقسام فعلي لمناطق السيطرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.
التغيير ــ وكالات
وأوضح التقرير الشهري الصادر في أول يونيو الجاري أن النزاع، الذي دخل عامه الرابع، يشهد تصعيداً في عدة جبهات، لا سيما في إقليمي دارفور وكردفان، بالتزامن مع توسع استخدام الطائرات المسيرة والأسلحة المتطورة، الأمر الذي يزيد من مخاطر امتداد تداعيات الحرب إلى دول الجوار.
وأضاف أن استمرار القتال أدى إلى مزيد من تفكك مؤسسات الدولة وإضعاف هياكل الحكم الهشة أصلا، في وقت لم تنجح فيه حتى الآن الجهود الإقليمية والدولية في تحقيق تقدم ملموس نحو تسوية تفاوضية أو وقف مستدام لإطلاق النار.
وأشار التقرير إلى أن الخلافات بين أعضاء مجلس الأمن لا تزال تعرقل التوصل إلى مواقف موحدة بشأن عدد من القضايا المرتبطة بالنزاع، بما في ذلك حماية المدنيين وآليات المساءلة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني، رغم توافقهم على ضرورة وقف الأعمال القتالية وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
وحذر التقرير من استمرار التدهور الإنساني، مشيراً إلى أن 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم 135 ألفاً في ظروف كارثية.
كما لفت التقرير إلى أن الوصول الإنساني لا يزال يواجه قيوداً كبيرة بسبب انعدام الأمن والعقبات اللوجستية والإدارية، فيما تظل عدة مناطق في دارفور وكردفان معرضة لخطر المجاعة.
وفي الجانب الحقوقي، أشار التقرير إلى تصاعد المخاوف بشأن تأثير الطائرات المسيّرة على المدنيين والبنية التحتية المدنية، في ظل تقارير أممية تفيد بارتفاع أعداد الضحايا المدنيين المرتبطين بهذه الهجمات خلال الأشهر الأخيرة.
ومن المتوقع أن يتلقى مجلس الأمن خلال شهر يونيو الإحاطة الدورية الخاصة بالوضع في السودان، والتي تُقدَّم كل 120 يوماً.
كما يُنتظر أن يتلقى المجلس خلال الشهر إحاطة بشأن أعمال لجنة العقوبات المنشأة بموجب القرار 1591 الخاصة بالسودان. إلا أنه حتى وقت إعداد التقرير لم يكن قد تم تعيين رئيس اللجنة، نظراً لعدم توصل أعضاء المجلس بعد إلى اتفاق بشأن توزيع رئاسة الهيئات الفرعية التابعة للمجلس خلال العام الحالي.
ويشهد السودان منذ أبريل 2023 حرباً بين الجيش وقوات الدعم السريع أودت بحياة عشرات الآلاف، وأدت إلى نزوح ولجوء ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها، في أزمة تصفها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ في العالم.
الوسوماستنزاف انقسام داخلي حرب السودان مجلس الأمن الدولي