حافة التفكك: المنظومة الرأسمالية تحت معاول ترامب
تاريخ النشر: 13th, February 2026 GMT
أدناه النصّ الحرفي لرسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى رئيس وزراء النروج يوناس غارستوره، والتي طلب أيضاً تعميمها على عدد من سفراء الأوروبيين في واشنطن:
“عزيزي يوناس، بالنظر إلى أنّ بلدكم قرّر عدم منحي جائزة نوبل للسلام لقاء إيقافي 8 حروب وأكثر، فإني لم أعد أشعر بالتزام للتفكير في السلام تحديداً، رغم أنّ الأمر سوف يظلّ في الصدارة، ولكن أستطيع الآن التفكير بما هو خير ومناسب للولايات المتحدة الأمريكية.
وبصرف النظر عن ركاكة النَحْو في لغة الأصل الإنكليزي، الأمر الذي كتبتْ عنه آن أبلبوم مادة مفصلة في الـ”أتلانتيك”، فإنّ الرسالة تروّج لأكذوبة أولى مفادها أنّ ترامب أوقف “8 حروب وأكثر”، ولا يكاد المرء يعثر على ربع هذا الرقم من الحروب؛ وتزيّف التاريخ في أكذوبة ثانية تتجاهل أن الجزيرة كانت دانمركية على الدوام، وسكانها يحملون الجنسية الدانمركية ويصوّتون على هذا الأساس، وثمة العديد من “الوثائق المكتوبة” بهذا الصدد وبينها أمريكية تؤكد السيادة الدانمركية على الجزيرة. وأما الأكذوبة الثالثة فهي أن ترامب، في الولاية الثانية خصوصاً، لم يجلب على الحلف الأطلسي سوى الضغوط والتعنيف العلني وزيادة الإنفاق في الميزانيات الأوروبية؛ رغم أنّ الحلف صنيعة واشنطن أصلاً، ويخدم المصالح الأمريكية أكثر من أية خدمة يسديها لأمن القارّة الأوروبية.
مراقبون آخرون، أكثر التفاتاً إلى الأبعاد الجيو ـ سياسية والإيديولوجية لرسالة ترامب، ذهبوا إلى مدلولاتها على أصعدة ما تبقى من تماسك المنظومة الرأسمالية الأمريكية/ الأوروبية، ثمّ العالمية العابرة للقارات استطراداً؛ في ضوء هذا الطراز من نزوعات الهيمنة الكونية، التي لا تشقّ الصفوف وتسخرها لتلبية المصالح الأمريكية حصرياً فقط، بل تكرّس ما يشبه إمبريالية عليا فوق الإمبريالية الراهنة المتفق عليها. وأياً كانت الإجراءات التي ينوي ترامب اتخاذها بخصوص السيطرة الأمريكية على غرينلاند، وحتى إذا انحسرت تهديداته بغزو الجزيرة عسكرياً واكتفى بالتهديد اللفظي وإشاعة خطاب التملّك بالقوّة؛ فإنّ “عقيدة” الهيمنة على حلفاء الأمس، داخل الحلف الأطلسي تحديداً ثمّ خارج إطاره أيضاً، لن تتوقف عند الإضرار الخطابي. ولا يُلام امرؤ إذا شاء تمثيل الحال في صورة ترامب حاملاً سلسلة معاول، تُعمل تهديماً وتقويضاً في معمار المنظومة الراسمالية الكونية.
فالرسالة تردّد أصداء، إذا لم تكن تعيد التشديد على، قرابة 400 كلمة كتبها ترامب على سبيل تقديم “ستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة”، التي أصدرها البيت الأبيض أواخر العام المنصرم 2025، وجاء فيها التالي: “هذه الوثيقة خريطة طريق لضمان أن تبقى الولايات المتحدة الأمّة الأعظم والأرفع نجاحاً في التاريخ الإنساني، وبيت الحرية على الأرض. وخلال السنوات المقبلة سوف نستمر في تطوير كلّ بُعد من قوّتنا القومية ــ وسنجعل أمريكا أكثر أماناً، أغنى، أكثر حرية، أعظم، وأشدّ جبروتاً من أيّ وقت مضى”.
كما تذكّر الرسالة بفحوى الفصل الرابع من تلك الستراتيجية، خاصة تقسيم العالم إلى خمس مناطق نفوذ، الجديد في تشخيصاتها هو طيّ المفهوم القديم الشائع حول “غرب” مكوّن من القارّة العجوز أوروبا + الولايات المتحدة؛ وتستبدله، صراحة وليس مواربة، بصيغة “نصف الكرة الغربي” المؤلف من أمريكا الشمالية + الجنوبية، في تحديث لـ”عقيدة مونرو” الشهيرة التي تعود إلى سنة 1823! الطامة الأخطر على أوروبا، والحلف الأطلسي تالياً، أنّ هذا الاستبدال الستراتيجي الأمريكي المستجدّ يحظر على الحليفات الأوروبيات أيّ طراز من التدخل في شؤون نصف الكرة الغربي، نطاق هيمنة واشنطن؛ لكنه يبيح للولايات المتحدة أن تبسط سيطرتها على جزيرة أوروبية مثل غرينلاند، لأسباب ليست واهية فقط بل مختلقة وكاذبة.
أمريكا تسمّم البيئة 3 مرات أكثر من أيّ أوروبا، و30 مرّة أكثر من المكسيك، و50 مرّة أكثر من أيّ مواطن من مواطني جنوب العالم
ومن مفارقات الأقدار، وربما دهاء دروس التاريخ إذا تتقلّب المواضعات وتتبدّل الأدوار، أن يكون رئيس القوّة الكونية الأعظم/ قائدة المنظومة الرأسمالية الكونية أيضاً، هو حامل معاول التهديم والتفكيك؛ ليس تحت أيّ ذريعة أخرى سوى… الحفاظ على أمن الولايات المتحدة، وجعلها عظيمة مجدداً كما يقول الشعار الترامبي الشهير. هي، في صياغة أخرى ثاقبة، “الإيديولوجيا الشائهة التي تستند إليها أصولية اقتصاد السوق”، حسب الاقتصادي الآسيوي البارز هنري ليو؛ الذي لا يكتفي بالحديث عن أنظمة اقتصاد “سوبر ـ رأسمالية” و”سوبر ـ إمبريالية” تتنافس بشراهة قبل أن تتصارع بشراسة، بل يرصد انحطاط هذه الأنظمة ذاتها إلى “إمبريالية مالية” عملاقة، معسكرة الأدوات وعنصرية العقائد، أخذت تأكل نفسها في غمرة اندفاعها إلى التهام الآخرين.
ولا عجب أنّ مطارق ترامب، ورسالته الكاشفة عن منظومة رأسمالية تأكل أطرافها، تعيد إلى الذاكرة فرنسيس فوكوياما دون سواه، لأسباب لا تتصل بحكاية انتهاء التاريخ عند البرهة الرأسمالية، فحسب؛ بل… اندلاع التاريخ من جديد، في البرهة الرأسمالية ذاتها، على شواطئ غرينلاند الآن، وفي خطابات منتدى دافوس (التراشق اللفظي بين ترامب ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، مثلاً)، وأروقة الاتحاد الأوروبي. وإذا صحّ أن أنظمة المعسكر الاشتراكي قد انهارت حتى قبل الدنوّ من المرحلة الشيوعية، فإن الأنظمة الرأسمالية لا تبدو وكأنها انتصرت، أو حتى كسبت جولة حاسمة، في معترك التاريخ المعاصر. أنظمتها، في الإجمال، اتخذت صفة مرابٍ أعمى ومضارب جشع في داخل السوق، أو غازٍ عسكري وناهب ثروات في الخارج؛ وركيزتها المقدّسة في عدم تدخّل الدولة المركزية لم تتقوّض بيد صانعيها فحسب، بل صارت أضحوكة… سوداء بعض الشيء!
ويبقى أنّ بين الأدهى، ضمن عواقب مطارق ترامب التي تطال أيضاً بيئات البشر وعافية الكوكب الأرضي، ما تقوله الأرقام المفزعة: أمريكا تسمّم البيئة 3 مرات أكثر من أيّ أوروبا، و30 مرّة أكثر من المكسيك، و50 مرّة أكثر من أيّ مواطن من مواطني جنوب العالم. والأرقام ذاتها كانت تقول إنّ إسهام الولايات المتحدة في التنمية البيئية الكونية لا يتجاوز 0.1 من الناتج القومي الإجمالي، على العكس من تعهد الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش بأنّ الولايات المتحدة ستلتزم بمعدل 0.7، والذي اعتُبر سقف الحدّ الأدنى في مؤتمر ريو 1992. وتوجّب أن تنتظر الإنسانية من البيت الأبيض ما هو أسوأ في الواقع، ففي صيف 2017 أعلن ترامب انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ، لأنه يرفض أي شيء يمكن أن يقف في طريق “إنهاض الاقتصاد الأمريكي”، ولأنه حان وقت إعطاء الولايات الأمريكية “أولوية على الجميع”.
كأنّ التاريخ، على وقع مطارق ترامب هنا وهناك في أربع رياح أطراف المنظومة الرأسمالية ذاتها، يعيد تأكيد صحّة النبوءة الماركسية عن رأسمالي لا مفرّ له من خلق حفّار قبره، بيديه لا بيد خصومه؛ أو يبرهن، مجدداً وبلا انقطاع في الواقع، أنّ سياسات الاجتياح والهيمنة والعسكرة لا تشتعل أوّلاً إلا بوقود الاقتصاد و… ما تختزن بواطن غرينلاند من معادن ثمينة وثروات مثلاً.
وكيف لا تكون مطارق التقويض بمثابة رافعات اقتصاد مكثّف، في أوّل الحال كما في ختامها!
القدس العربي
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه ترامب الرأسمالية أوروبا امريكا أوروبا الرأسمالية ترامب مقالات مقالات مقالات سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة للولایات المتحدة الولایات المتحدة مر ة أکثر من أکثر من أی ة الکونیة
إقرأ أيضاً:
خبير اقتصادي: إغلاق باب المندب وهرمز يضع الاقتصاد العالمي على حافة الانهيار
حذّر الخبير في الاقتصاد الدولي وأستاذ الاقتصاد السياسي، الدكتور كامل وزنة، من التداعيات الكارثية للتصعيد العسكري الجاري في منطقة الشرق الأوسط وإغلاق الممرات المائية الحيوية، وعلى رأسها مضيقا "باب المندب" و"هرمز"، مؤكداً أن الاستمرار في هذه الحرب يضع العالم أمام خطورة حقيقية تمس كل فرد وتدفع بالأسواق نحو موجة تضخم غير مسبوقة.
وأوضح وزنة أن دخول مضيق "باب المندب" كمدخل ثانٍ للتصعيد العسكري أدى إلى إجهاض حالة استرجاع العافية التي كانت تشهدها الأسواق العالمية، مشيراً إلى أن أسعار النفط شهدت ارتفاعاً تدريجياً متجاوِزةً حاجز الـ 100 دولار للبرميل، مع وجود مخاطر فعلية باستمرار هذا التصعيد.
وأكد أن إغلاق الممرات المائية المؤدية لنقل التجارة والطاقة يولد التضخم ويزيد من معاناة كافة الدول دون استثناء، مشدداً على أن المسألة لم تعد تقتصر على مضيق بعينه، بل أصبحت دول بأكملها مغلقة أمام التجارة والموارد الأساسية التي تعجز عن العبور إلى العالم.
تفاقم الفجوة
وفي تحليله لأثر ارتفاع الأسعار، بيّن وزنة أن هناك فارقاً جوهرياً بين أرباح شركات النفط وبين صحة الاقتصاد العالمي المتردية، حيث تتأثر كافة القطاعات التشغيلية من غاز وأسمدة وسياحة وتأمين وزراعة وصناعة.
ورغم تحقيق بعض الشركات ودول مثل روسيا ودول أمريكا الشمالية ككندا والولايات المتحدة أرباحاً أو مكاسب نسبية من قفزات الأسعار، إلا أن دولاً أوروبية وآسيوية عديدة تتكبد خسائر فادحة، إلى جانب تضرر جميع المواطنين على مستوى العالم.
وضرب وزنة مثالاً بالداخل اللبناني، حيث تضاعف سعر طن "المازوت" من 600 دولار قبل الأزمة إلى 1200 دولار، مما فرض تكلفة إضافية تتراوح بين 200 إلى 300 دولار على كاهل كل عائلة.
وأضاف في هذا الصدد أن الدول الكبرى قد تمتلك القدرة على تقديم الدعم لمواطنيها لتخفيف المعاناة، بينما تعجز الدول النامية واقتصادات شرق آسيا عن تحمل هذه التكاليف الباهظة في ظل التحديات التي تواجهها أساساً.
الخليج والسعودية
وحول تأثر دول المنطقة والمملكة العربية السعودية، أكد الدكتور وزنة أن إعاقة الحركة في "باب المندب" ومضيق "هرمز" تنعكس سلباً على صادرات المنطقة وصناعاتها، على الرغم من قوة ومتانة الاقتصاد السعودي.
وأشار إلى أن الأزمة أحدثت حالة من الجمود الاقتصادي الشامل في المنطقة، طالت قطاعات العقارات والوظائف والفرص الاستثمارية، إضافة إلى تراجع تحويلات المغتربين، مؤكداً أنه لا يوجد أي طرف ينتفع من حرب تقام على أرضه، مما يتطلب البحث عن مخرج سياسي سريع لإنقاذ الوضع.
غياب البدائل
نفى خبير الاقتصاد السياسي وجود بدائل جاهزة أو سريعة يستطيع الاقتصاد العالمي الاعتماد عليها في حال استمرار إغلاق المضايق، لافتاً إلى أن ما بين 20 بالمئة إلى 25 بالمئة من الموارد الأساسية والطاقة للعالم تعبر عبر مضيقي هرمز وباب المندب، وهو ما يجعل العالم أمام معضلة أساسية حذرت منها البورسات العالمية.
وفيما يتعلق بالمشاريع والخطوط البرية البديلة لتمرير الطاقة، سواء عبر دول الخليج أو سوريا أو تركيا، أوضح وزنة أنها استثمارات طويلة الأمد تتطلب عشرات السنين لإنجازها ولن تحل المشكلة في المدى القريب، فضلاً عن ارتهانها بالاستقرار السياسي، مستشهداً بخط الغاز بين روسيا وألمانيا الذي تم تفجيره جراء الحرب الأوكرانية رغم اكتمال بنائه.
كما أشار إلى أن التحول نحو الطاقة النظيفة لا يمكن أن يتم بسرعة كافية لتغطية هذه الأزمة، نظرًا لتباين السياسات الدولية وتغير التوجهات الحكومية.
السيناريو الكارثي
وعن مستقبل أسعار النفط، أوضح وزنة أن المسار يعتمد كلياً على قرارات صناع القرار وحجم التفاوض السياسي الجاد لإيقاف الحرب بشكل نهائي وليس مؤقت، محذراً من أن الأسعار قد تقفز إلى 150 دولاراً أو أعلى من ذلك في ظل تزامن ضغوط الحرب الأوكرانية وتأثيرها على ممرات الطاقة مع أزمة الشرق الأوسط.
وختم الدكتور كامل وزنة بالتحذير من السيناريو الأكثر خشية والخط الأحمر الذي قد يغير خارطة الاقتصاد العالمي جذرياً، والمتمثل في تعرض البنية التحتية لمنشآت النفط والغاز في المنطقة لضربات مباشرة، لا سيما داخل إيران وما قد يتبعه من ردود أفعال، مؤكداً أن ذلك سيمثل أمراً كارثياً يقطع شريان الطاقة ويقود الأسواق العالمية نحو انهيار اقتصادي حقيقي.