الأحزاب الأردنية بين تعثر التجربة وضياع البوصلة
تاريخ النشر: 13th, February 2026 GMT
#الأحزاب_الأردنية بين #تعثر_التجربة و#ضياع_البوصلة
بقلم أ.د. محمد تركي بني سلامة
لم تعد التجربة الحزبية في الأردن بحاجة إلى توصيفٍ مجامل أو قراءةٍ مخففة؛ فهي تعاني اليوم من ممارسات لا تليق بالعمل الحزبي، وتُرسّخ السلطوية داخل التنظيمات بدل أن تهدمها، وتغذّي ظاهرة الانشقاقات الحزبية والصراعات الداخلية بدل أن تنتج تماسكًا وبرامجًا ومؤسسية.
وفي الأردن، ونحن نعيش مرحلة عنوانها الأبرز “التحديث السياسي”، تبدو التجربة الحزبية في مأزق حقيقي، بل في حالة تعثر وفشل يستدعي وقفة مراجعة عميقة. لقد أُريد للأحزاب أن تكون رافعة الإصلاح، فإذا بها تتحول – في كثير من الأحيان – إلى عبء عليه. وأُريد لها أن تكون مدارس في الديمقراطية، فإذا بها تعاني من غيابها في داخلها قبل خارجها.
إن أبرز مظاهر هذا التعثر يتمثل في طغيان الشخصنة على العمل الحزبي. فالحزب في كثير من الحالات لم يعد مؤسسة، بل صار امتدادًا لشخص، أو رهينة لمجموعة ضيقة تدور في فلكه. تغيب المؤسسية، وتضعف اللوائح الداخلية، وتُهمّش الهياكل التنظيمية، لتسود النزعة الفردية على حساب القرار الجماعي. وحين يُختزل الحزب في شخص، يغدو مصيره مرتبطًا بمزاجه وطموحه، لا ببرنامجه ورؤيته.
أما الديمقراطية الداخلية، التي يفترض أن تكون حجر الزاوية في أي تجربة حزبية محترمة، فقد أصبحت شعارًا أكثر منها ممارسة. الانتخابات الداخلية شكلية في أحيان كثيرة، والمواقع القيادية تُدار بمنطق الترضيات أو الولاءات، لا بمنطق الكفاءة والاستحقاق. وحين تغيب الديمقراطية داخل الحزب، فكيف له أن يدافع عنها في الدولة؟
يضاف إلى ذلك ضعف البرامج السياسية. فكثير من الأحزاب لا تملك رؤية اقتصادية واضحة، ولا تصورًا اجتماعيًا متكاملًا، ولا مشروعًا فكريًا محدد المعالم. البيانات عامة، والشعارات فضفاضة، والخطاب أقرب إلى الإنشاء منه إلى التخطيط. وهنا تبرز إشكالية ما يسمى بـ”الأحزاب الوسطية”، التي باتت – في توصيف صريح – أحزابًا بلا لون أو طعم أو رائحة؛ لا تعرف موقعها الأيديولوجي، ولا تميز نفسها ببرنامج نوعي، ولا تملك جرأة الطرح أو وضوح الموقف.
ولعل المقارنة مع التجربة الحزبية الأردنية في العشرينات والثلاثينات والخمسينات تكشف حجم التراجع. ففي تلك المراحل، رغم قلة الإمكانات وتعقيد الظروف، كانت الأحزاب تحمل أفكارًا واضحة وأيديولوجيات محددة، وكان لها تقاليد تنظيمية راسخة وبرامج سياسية تعبر عن تيارات فكرية حقيقية. كان الانتماء الحزبي آنذاك خيارًا فكريًا، لا مجرد مظلة انتخابية أو وسيلة وجاهة اجتماعية.
اليوم، نفتقد تلك التقاليد. نفتقد ثقافة العمل الجماعي، والانضباط التنظيمي، والالتزام بالخط السياسي المعلن. وتغلب الحسابات الشخصية على الاعتبارات الوطنية، فيتحول الحزب إلى منصة موسمية، تنشط قبيل الانتخابات وتخفت بعدها.
إن مسؤولية هذا الواقع لا تقع على الأحزاب وحدها، بل هي نتاج منظومة قانونية وسياسية تحتاج إلى مراجعة جادة. فقانون الأحزاب، بصيغته الحالية، لم ينجح في تكريس حياة حزبية مؤسسية مستدامة، كما أن قانون الانتخاب لا يزال بحاجة إلى تعديلات أعمق تعزز العمل البرامجي وتدفع باتجاه التكتلات الوطنية العابرة للمصالح الضيقة.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد زيادة عدد الأحزاب، بل تحسين نوعيتها. المطلوب تعديل قانون الأحزاب بما يرسخ الممارسات الديمقراطية الداخلية، ويُلزم بالشفافية والمساءلة، ويعزز المؤسسية لا الشخصنة. والمطلوب كذلك تطوير قانون الانتخاب بحيث يشجع على التنافس البرامجي الحقيقي، ويمنح الأحزاب الجادة فرصة التمثيل العادل، ويحد من النزعات الفردية التي تضعف العمل الجماعي.
التحديث السياسي ليس عنوانًا للاستهلاك الإعلامي، بل مشروع دولة. ولا يمكن أن ينجح هذا المشروع بأحزاب هشة، أو برامج باهتة، أو قيادات تؤمن بالديمقراطية نظريًا وتمارس الإقصاء عمليًا. إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من داخل الأحزاب، من ثقافة أعضائها، ومن قدرتها على التحول إلى مؤسسات حية تعبر عن المجتمع لا عن أشخاص.
لقد قلت هذا الكلام منذ مدة طويلة ، وربما لم يرق للبعض، لكن زمار الحي لا يطرب. ومع ذلك، فإن الأمل باقٍ. فالأردن يمتلك من الوعي السياسي والخبرة التاريخية ما يؤهله لتصويب المسار. ويبقى السؤال: هل نملك الشجاعة لإجراء المراجعة المطلوبة، أم سنكتفي بشعارات التحديث دون أدواته؟
إن اللحظة تستدعي الصراحة، لأن مستقبل التجربة الحزبية ليس شأنًا تنظيميًا فحسب، بل ركيزة من ركائز الدولة الحديثة التي ننشدها.
المصدر
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: أن تکون
إقرأ أيضاً:
علي الدين هلال : وحدة الصف الوطني ترتكز على الاتفاق في المبادئ واحترام التنوع السياسي
أكد الدكتور علي الدين هلال، أستاذ العلوم السياسية، أن بناء جبهة وطنية تضم مختلف القوى السياسية يستند إلى إرث راسخ في الحياة السياسية المصرية، مشيرًا إلى أن تحقيق التوافق لا يتطلب توحيد جميع الآراء أو إنهاء الاختلافات.
وقال هلال، خلال حواره مع الإعلامي حمدي رزق في برنامج "نظرة" على قناة صدى البلد، أن التحالف الوطني يقوم على الالتزام بالثوابت والمصالح العليا للدولة، وفي مقدمتها الولاء للوطن.
القضايا الوطنيةوتابع أنه يتم العمل على إتاحة المجال لتعدد الرؤى والاجتهادات بشأن القضايا الوطنية وطرق التعامل معها.