افتتاح مهرجان برلين السينمائي وصرخة عربية في البانوراما
تاريخ النشر: 13th, February 2026 GMT
انطلقت مساء أمس الخميس 12 فبراير/شباط 2026، فعاليات الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي. ولم يكن حفل الافتتاح مجرد بروتوكول سينمائي معتاد، بل جاء كإعلان تمرد بصري تقوده مديرة المهرجان الجديدة تريشيا توتل، التي يبدو أنها قررت منذ اللحظة الأولى كسر جمود التقاليد الألمانية ومنح المهرجان روحا أكثر حيوية وانفتاحا.
في ساحة "بوتسدامر بلاتز"، ارتفع إيقاع الموسيقى ليعلن أن السينما لا تزال هي "اللغة الوحيدة" التي لا تحتاج إلى وسيط، وسط حضور دولي حاشد لنجوم وفدوا من هوليوود وأوروبا والشرق الأقصى، ليثبتوا أن "برليناله" يظل البوصلة الأخلاقية والسياسية لمهرجانات الفئة الأولى، والمنصة التي لا تخاف من استضافة الحكايات القادمة من مناطق النزاع والأطراف المنسية في هذا العالم.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2في السينما: الموظف الصغير شر مستطيرlist 2 of 2"أرض الملائكة" يتصدر جوائز مهرجان فجر السينمائي بإيرانend of listميشيل يوه تسرق الأضواءخطف حفل الافتتاح الأنفاس مع لحظة دخول الممثلة الماليزية العالمية ميشيل يوه، التي تسلمت جائزة "الدب الذهبي الفخري" تكريما لمسيرة أسطورية امتدت لأربعة عقود.
يوه، التي تألقت بفستان من الحرير الآسيوي يمزج بين الحداثة والتراث، وقفت على خشبة المسرح لتستعيد ذكرياتها مع برلين، المهرجان الذي كان شاهدا على أولى خطواتها العالمية.
وألقى المخرج الأمريكي شون بيكر كلمة تقديمية وصفت بأنها "قصيدة حب" في فن التمثيل، مؤكدا أن يوه هي الجسر الذي ربط سينما القتال الشرقية بدراما هوليود الوجودية.
وفي لفتة إنسانية بارعة، أهدت يوه جائزتها إلى "كل امرأة تحلم بتغيير العالم عبر الفن"، وسط عاصفة من التصفيق هزت أركان المسرح.
ولم يخلُ الحفل من مفاجآت بصرية؛ حيث ظهرت النجمة الشابة بيلا رامزي بإطلالة جريئة تعكس جيلها، بينما أضاف حضور تشانينغ تاتوم وأماندا سيفريد وإيثان هوك وجولييت بينوش بريقا هوليوديا كلاسيكيا أعاد للمهرجان هيبته الدولية.
لكن الحدث الأبرز الذي أشعل نقاشات النقاد كان عرض فيلم الافتتاح "لا رجال صالحون" (No Good Men) للمخرجة الأفغانية شهر بانو سادات. في عرض عالمي أول، فاجأت سادات الجمهور بتقديم أول "كوميديا رومانسية أفغانية" في تاريخ المهرجان، وهو اختيار جريء من تريشيا توتل للابتعاد عن "سينما البؤس" التقليدية.
إعلانالفيلم الذي تدور أحداثه في كواليس غرفة أخبار تلفزيونية بكابول عام 2021، قدم صورة مغايرة تماما للمرأة الأفغانية. استطاعت سادات أن تضحك الجمهور بالعمل الذي صنف كوميديا رومانسية بوليسية.
صرخة بيروت وأصوات المغرب العربيلم يكن الحضور العربي في دورة هذا العام مجرد تمثيل شرفي، بل جاء ككتلة إبداعية حية احتلت أقسام المهرجان المختلفة، مؤكدة أن السينما العربية تجاوزت مرحلة التوثيق لتدخل مرحلة "الجماليات النقدية".
في قسم "بانوراما" (Panorama)، برز فيلم "المتمردون فقط هم من يربحون" (Only Rebels Win) للمخرجة اللبنانية الفرنسية دانييل ربيد. الفيلم يقدم بيروت بصورة لم تعهدها السينما من قبل؛ مدينة ممزقة بين إرث الحرب وجموح الشباب نحو حياة لا تعترف بالقيود.
ربيد نسجت قصة عشق غير تقليدية بين شاب وفتاة يقرران سرقة لحظات السعادة من قلب الخراب، مستخدمة صورة سينمائية تميل إلى الشاعرية القاسية، مما جعل الفيلم أحد أكثر الأعمال مناقشة في أروقة المهرجان منذ يومه الأول.
وفي قسم "المنتدى" (Forum)، كان للسينما المغربية والتونسية حضور لافت، حيث عُرض فيلم "صمت الجدران" للمخرج المغربي الشاب مراد الخودي، الذي يتناول قضية المهمشين في الأحياء العشوائية بأسلوب واقعي سحري.
كما شهد قسم "أجيال" (Generation) مشاركة تونسية بفيلم "أحلام المنسيين"، الذي يغوص في عالم الطفولة المسلوبة في المناطق الحدودية.
التواجد العربي المكثف، الذي شمل أيضا عروضا قصيرة لمخرجين من الأردن وفلسطين، يعكس رؤية المهرجان في أن يكون "منصة للأصوات التي لا تجد مكانا في دور العرض التجارية".
وقد أشار النقاد إلى أن المخرجين العرب في "برليناله 76" لم يعودوا يكتفون بتقديم قصص "اللجوء والضحية"، بل أصبحوا يقدمون تجارب بصرية ناضجة تنافس في لغتها السينمائية أعتى المدارس الأوروبية، مما يجعل المنافسة على جوائز الأقسام الموازية هذا العام شرسة للغاية.
ويم فيندرز وتغول الخوارزمياتيترأس لجنة التحكيم الدولية المخرج الألماني العظيم "ويم فيندرز"، الذي يعد أحد حراس ذاكرة السينما الأوروبية. في المؤتمر الصحفي الافتتاحي، ألقى فيندرز خطابا وُصف بأنه "مانيفستو" لمستقبل الفن السابع، حيث حذر من تغول الخوارزميات والذكاء الاصطناعي على روح الحكاية البشرية.
فيندرز، ومعه لجنة تحكيم تضم أسماء عالمية مثل الكورية باي الدونا والأمريكي رينالدو ماركوس غرين، أكد أن مهمة اللجنة هذا العام هي البحث عن الأفلام التي "تملك قلبا"، تلك التي تجعلنا نشعر بالآخر ونفهمه بعيداً عن الشعارات السياسية المباشرة.
وضمت اللجنة أيضا المخرجة النيبالية مين بهادور بام، ومنتجة بولندية وممثلة يابانية، في تشكيل يعكس التنوع الجغرافي والثقافي الذي تصر تريشيا توتل على إبرازه كشعار لهذه الدورة.
ولفت الحضور ظهور المغنية "تشارلي إكس سي إكس" بإطلالة "سايبر-بانك" (Cyberpunk) غريبة، لتروج لعملها الموسيقي السينمائي المشارك في قسم بانوراما، مما جذب جمهورا أصغر سنا للمهرجان، وهو الهدف الذي تسعى إليه الإدارة الجديدة لضمان استمرارية "برليناله" في عصر الوسائط المتعددة.
إعلانومع إعلان فيندرز رسميا انطلاق المنافسة بين 22 فيلما على "الدب الذهبي"، بدأت المراهنات النقدية حول الأعمال التي ستحسم الجائزة الأرفع، وسط توقعات بأن تكون دورة "المفاجآت والوجوه الجديدة" بامتياز.
وافتُتح "برليناله 76" كرسالة أمل في زمن يتسم بالانقسام. بين صرخة ميشيل يوه بأن الفن "ملاذ أخير"، وحضور السينما العربية الواثق، يبدو أن المهرجان هذا العام قد قرر أن يكون "صوت الضمير" في عالم يسوده الصمت.
السينما في برلين اليوم ليست مجرد صناعة، بل هي "الفضاء المشترك" الذي يلتقي فيه المتمرد واللاجئ والنجم والمشاهد العادي، ليصيغوا معا حكاية إنسان القرن الحادي والعشرين، بكل أوجاعه وأحلامه المجهضة، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من روائع بصرية ستظل محفورة في ذاكرة الشاشة طويلا.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات هذا العام
إقرأ أيضاً:
افتتاح ملتقى السرد العربي السابع ضمن فعاليات جرش
صراحة نيوز – افتتح أمين عام وزارة الثقافة الدكتور نضال الأحمد اليوم الخميس في قاعة الاحتفالات بدائرة المكتبة الوطنية بعمان “ملتقى السرد العربي” بدورته الـ7 (دورة الروائي هاشم غرايبة)، ضمن فعاليات البرنامج الثقافي لرابطة الكتاب الأردنيين في مهرجان جرش للثقافة والفنون بدورته الــ40 التي تأتي تحت شعار “إرث يمتد.. أجيال تلتقي”.
وفي حفل افتتاح “الملتقى” الذي حضره رئيس الوزراء الأسبق العين الدكتور عمر الرزاز والعين المؤرخة الدكتور هند أبو الشعر وضيوف الملتقى من أدباء ونقاد عرب وكتاب ومثقفون أردنيون، قال الأحمد في كلمته؛ إن هذا الملتقى الذي يحمل عنوان “ملتقى السرد العربي في دورته السابعة ويعاين تحولات الألفية الثالثة”ضمن البرنامج الثقافي لمهرجان جرش الذي يتواصل منذ أربعة عقود يؤكد مكانة الأردن في المشهد الثقافي العربي والثقة التي يحوزها من المبدع العربي، وهي ثقة تحمل الكاتب والمثقف الأردني والمؤسسات والهيئات الثقافية الأردنية مسؤولية كبيرة بوصفها بيوت للخبرة وفضاءات للحوار النقدي والفكري للارتقاء بآفاق السرد العربي.
ولفت في حفل افتتاح الملتقى الذي أدارته عضو الهيئة الإدارية للرابطة القاصة سامية العطعوط، الى أهمية توافر منهجية البحث لمن يتصدى لمسؤولية تطوير السرد، وتغذية السرد كعلم بالمراجع النقدية والأدوات والتقنيات الحديثة التي تواكب تحولات السرد وتطوره، مشيرا الى ان موضوع السرد الأدبي يتقاطع مع السرد الثقافي والتاريخي الذي يتصل بـ”السردية الأردنية .. حكاية الأرض والإنسان” في الآلية التي تتم فيها توثيق القصص وفي تداخل وظيفتي الكتابة الأدبية والتوثيق الثقافي والتاريخي لجهة التداخل المعرفي العميق.
وأكد، أن هذه الدورة تمثل محطة مهمة في مسيرة المهرجان فنيا وتنظيميا وإداريا وبرامجيا لأنها تشكل انطلاقة جديدة تعكس المكانة التي وصل إليها المهرجان، وتسعى لترسيخ الحضور الثقافي الأردني وتعزيز مكانة الأردن على خريطة المهرجانات الثقافية والفنية عربيا ودوليا، كما تمثل محطة مهمة في اهتمام الدولة بالسردية الأردنية التي تتجلى في كل صنوف الإبداع.
وقال رئيس الرابطة الدكتور رياض ياسين بكلمة ألقاها في الافتتاح إن انعقاد هذا الملتقى يأتي في لحظة تاريخية تتسارع فيها التحولات الثقافية والمعرفية على نحو غير مسبوق، إذ أعادت الثورة الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي الى جانب التحولات السياسية والاقتصادية العالمية، تشكيل المشهد الثقافي، وأثرت في طرائق إنتاج النصوص السردية وتلقيها، وفي طبيعة العلاقة بين الكاتب والقاريء وبين الواقع والمتخيل .
ولفت الى انه في ظل ما اصطلح عليه بـ”السيولة” في عالمنا المعاصر، بات السرد العربي مطالبا بإعادة النظر في أدواته وأسئلته وتقنياته، ليستوعب هذه المتغيرات ويقرأ آثارها العميقة في الانسان والمجتمع، مبينا أن الملتقى ينعقد هذا العام ليتناول تحولات السرد العربي ليس بوصفها تحولات فنية وحسب وإنما باعتبارها انعكاسا لتحولات ثقافية واجتماعية وسياسية ومعرفية كبرى، غدت تؤثر في بنية الخطاب السردي وموضوعاته ولغته وآليات اشتغاله.
وقال في كلمة اللجنة التنفيذية للملتقى، الروائي جلال برجس “يلتئم شملنا اليوم لنشرع باب الدورة السابعة من ملتقى السرد العربي في فضاء المملكة الأردنية الهاشمية، هذا الفضاء الذي طالما كان موطنا للحكاية ومستقرا للثقافات وملتقى للأصوات التي تبحث عن معنى الإنسان في هذا العالم المتحول”.
ولفت الى أن السرد في الألفية الثالثة يواجه أسئلة جديدة؛ أسئلة التكنولوجيا وتحولات الهوية وتغير الانسان بالمكان والزمان، الا ان الانسان قادر على التجدد لأن جوهره الأول هو الانسان والذي لا ينتهي من طرح الاسئلة.
وفي كلمة الأدباء العرب المشاركين قال الناقد العراقي الدكتور ضياء الخضير “من عمان ومن جرش المهرجان والمدينة التي ما تزال حجارتها تحفظ صدى الخطى القديمة وتمنح الحاضر وحكايته معنى أن يكون امتداد لذاكرة لا تنطفيء، نلتقي في ملتقى السرد حيث لا يون هذا العالم السحري مجرد حكاية تروى بل فعل مقاومة للنسيان ومحاولة لفهم الانسان في علاقته بالمكان والزمن والآخر”.
وأكد، أن الثقافة ليست ترفا كونها احد الطرق الاخيرة المتبقية في الدفاع عن المعنى وحماية الذاكرة والهوية وتجديد لغة الخطاب وبناء جسور الحوار بين الشعوب.
المحتفى به الروائي هاشم الغرايبة الذي تغالب على وضعه الصحي القى كلمة قال فيها انه يمارس الكتابة لكي ينجو كون الكلمة موقف وهي تسري بين الناس، معربا عن سعادته بحضور هذه النخبة من الادباء والكتاب الاردنيين والعرب، وقدم شكره لوزارة الثقافة و”مهرجان جرش” ورابطة الكتاب.
واستعرض تجربته في الكتابة منذ بواكيرها حيث النشأة الاولى والتجارب التي عايشها ، كما إستعاد في كلمته ذكرياته مع صديقة الروائي الراحل مؤنس الرزاز .
من جهته دعا العين الرزاز في مداخلة له، الروائي الغرايبة أن يستمر بهذا النفس المصر على الاستمرار ومواجهة الحقيقة وأن يقول الواقع، مخاطبا الغرايبة بأن كل عربي يقرأ سيستمد طاقته من كل ما كتبت بالشأن العربي.
وعرضت في حفل افتتاح الملتقى، مادة فيلمية عن الروائي هاشم غرابية.
وفي ختام الحفل، سلم العين الرزاز وياسين درع الرابطة التكريمي للروائي الغرايبة.
وفي الجلسة الأولى التي تواصلت بعد الافتتاح قدم القاص سعود قبيلات شهادة وقراءة في تجربة الروائي هاشم غرايبة حملت عنوان “هاشم غرايبة .. رفيقي القديم وكتاباته”.
واستعاد قبيلات ذكرياته حينما تعرف شخصيا الى غرايبة لاول مرة عام 1979 وكان قد قرأ له بعض القصص، مستعرضا مسيرة علاقته معه.
وتحدث في الجلسة التي أدارتها القاصة العطعوط عن ابرز سمات كتابة هاشم غرايبة، ومنها بأنه بعيد عن الزخرفة والاستعراض البلاغي وأن شخصياته في ما يكتب مقنعة للقاريء ولا تتحدث بلغة المؤلف ولا تؤدي أدوار مقحمة وأن سرده هادئا وعميقا من غير فقر شعوري وواضحا من غير مباشرة وبسيطا من غير تسطيح.
ونوه بأن ما يميز كتابات غرايبة هو أن الانسان في مركز السرد لديه وأن الواقعية بوصفها إعادة إكتشاف للواقع.