تكنولوجيا مبتكرة تتيح تتبع مسار قطرة ماء واحدة أثناء تنقلها عبر الغلاف الجوي| إيه الحكاية ؟
تاريخ النشر: 13th, February 2026 GMT
في إنجاز علمي قد يعيد رسم خريطة فهمنا للمناخ، توصل فريق من الباحثين إلى تكنولوجيا مبتكرة تتيح تتبع مسار قطرة ماء واحدة أثناء تنقلها عبر الغلاف الجوي، اعتمادا على “بصمات” ذرية دقيقة تتركها جزيئات الماء، هذا التطور يفتح الباب أمام تحسين غير مسبوق في دقة نماذج الطقس والتنبؤ بالظواهر المناخية المتطرفة.
. ما القصة؟
يعتمد الاكتشاف على دراسة النظائر، وهي نسخ أثقل من ذرات الهيدروجين والأكسجين التي يتكون منها الماء. هذه النظائر تتغير بنمط يمكن التنبؤ به خلال دورة الماء الطبيعية من التبخر، إلى الانتقال عبر الغلاف الجوي، ثم الهطول مطرًا أو ثلجًا.
وتعمل هذه التغيرات بمثابة “علامة مائية” فريدة، تسمح للعلماء بتتبع حركة الماء عبر القارات والمحيطات بدقة غير مسبوقة، ما يمنحهم أداة تحليلية قوية لفهم مسارات الرطوبة وتغيراتها المستقبلية.
قراءة جديدة لديناميكيات المناخقال البروفيسور كي يوشيمورا، الباحث الرئيسي في الدراسة من جامعة طوكيو، إن التغيرات في نظائر الماء تعكس تحولات واسعة في نقل الرطوبة وأنماط الدوران الجوي الكبرى.
وأوضح أن العلماء يدركون منذ زمن أن النظائر تتأثر بدرجات الحرارة والهطول والارتفاع، إلا أن النماذج التقليدية كانت تقدم نتائج متباينة، ما صعّب تفسيرها بدقة أما التقنية الجديدة فتتيح قراءة أوضح لمسارات الرطوبة العالمية، وتفسيرًا أدق لتفاعلات الغلاف الجوي.
سر الدقة ثمانية نماذج بدل نموذج واحدلم يكتفِ الباحثون باستخدام نموذج مناخي واحد، بل اعتمدوا على ثمانية نماذج مناخية مختلفة، ودمجوا نتائجها للحصول على صورة أكثر شمولًا ودقة.
الدراسة، المنشورة في Journal of Geophysical Research، اختبرت أداء النماذج على مدى 45 عامًا بدءًا من عام 1979 ومن خلال مقارنة النتائج الفردية والمتوسطات المجمعة، تمكن الفريق من تحسين التنبؤ بسلوك نظائر الماء في الغلاف الجوي بشكل ملحوظ.
هذا النهج التكاملي عزز موثوقية النتائج، وقدم أساسًا علميًا أقوى لفهم التغيرات المناخية بعيدة المدى.
ارتباط وثيق بالظواهر المناخية الكبرىكشفت الدراسة عن صلات مباشرة بين نظائر الماء وأنظمة مناخية مؤثرة عالميا، من أبرزها:
ظاهرة النينيو-التذبذب الجنوبي
تذبذب شمال الأطلسي
النمط الحلقي الجنوبي
وتلعب هذه الأنظمة دورًا حاسمًا في تشكيل أنماط الطقس حول العالم، من موجات الجفاف إلى الفيضانات والعواصف الشديدة. وأظهرت النماذج وجود روابط قوية بين نشاط هذه الأنظمة وكمية بخار الماء في الغلاف الجوي.
بخار الماء في ازدياد إشارة إلى تسارع التغير المناخيمن خلال تحليل بيانات العقود الثلاثة الماضية، لاحظ الفريق ارتفاعًا واضحًا في مستويات بخار الماء في الغلاف الجوي، وهو ما يتماشى مع الاتجاه العالمي لارتفاع درجات الحرارة.
وتبرز هذه النتائج التأثير المتفاقم لتغير المناخ، إذ يؤدي ارتفاع الحرارة إلى زيادة التبخر، وبالتالي زيادة بخار الماء، ما يعزز بدوره شدة الظواهر الجوية المتطرفة.
نحو تنبؤات أكثر دقة بمستقبل الأرضيمثل تتبع “بصمة الماء” خطوة نوعية في علم المناخ، إذ يمنح العلماء أداة جديدة لفهم كيفية تحرك الرطوبة عالميًا، وكيف يمكن أن تتغير أنماط الطقس مستقبلًا.
ومع تطور هذه التكنولوجيا، قد يصبح من الممكن التنبؤ بالعواصف والفيضانات وموجات الجفاف بدقة أعلى، ما يعزز قدرة الدول على الاستعداد للكوارث وتقليل آثارها.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الغلاف الجوي المناخ ظاهرة النينيو فی الغلاف الجوی بخار الماء الماء فی
إقرأ أيضاً:
طب النوم.. علمٌ يحرس صحة الإنسان أثناء غفوته
تشير دراسات طبية حديثة إلى أن اضطرابات النوم باتت تُعد “وباءً صامتًا” يؤثر في صحة الإنسان والمجتمع، إذ يعاني نحو ثلث سكان العالم من مشكلات نوم مزمنة تشمل الأرق، وصعوبة الخلود إلى النوم، أو الاستيقاظ المتكرر أثناء الليل، وما يترتب عليها من آثار صحية واقتصادية واسعة النطاق.
وفي الدراسات الحديثة استنبط العلماء أن النوم يُمثّل حاجة بيولوجية أساسية، يقوم خلالها الدماغ بتنظيم التنفس وضغط الدم والهرمونات، إضافة إلى معالجة المعلومات وتكوين الذكريات، مشيرين إلى أن الحصول على نومٍ كافٍ يُسهم في تحسين صحة القلب، وتقليل التوتر، ودعم الذاكرة والانتباه، والحد من مخاطر الأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم والسكتة الدماغية.
وفي الأوساط الطبية يبرز اهتمام الدراسات الحديثة بطب النوم بوصفه تخصصًا حديثًا يُعنى بتشخيص اضطرابات النوم وعلاجها وفهم أثرها المباشر على صحة الإنسان، إذ تشير هذه الدراسات إلى أن النوم ضرورة حيوية لا تقل أهمية عن الغذاء والهواء، حيث يقضي الإنسان نحو ثلث حياته نائمًا وهي الفترة التي يُعيد فيها الجسم ضبط وظائفه الحيوية، ويعمل الدماغ خلال الليل على تثبيت ما اكتسبه الشخص من معلومات جديدة ومعالجتها، كما يحافظ النوم الكافي على صحة القلب والأوعية الدموية ويضبط عملية التمثيل الغذائي.
واعتمدت هيئة الصحة العامة السعودية (وقاية) عام 2021، إرشادات وطنية لمدة النوم المُثلى، بُنيت على أحدث الأدلة العلمية بمشاركة فريق من المختصين، حيث خلصت إلى أن حديثي الولادة يحتاجون إلى 14 إلى 17 ساعة نوم في اليوم، بينما الرضع أقل من عام ينامون من 12 إلى 16 ساعة، في حين ينام أطفال السنة والسنتين من 11 إلى 14 ساعة، أما الأطفال من عمر 3 إلى 5 سنوات فينامون بمعدل 10 إلى 13 ساعة، والأطفال من عمر 6 إلى 12 عامًا فينامون من 9 إلى 12 ساعة، والمراهقون من 13 إلى 17 عامًا فتكفيهم من 8 إلى 10 ساعات، في حين ينام البالغون مابين عمر 18 إلى 64 عامًا من 7 إلى 9 ساعات، وأخيرًا ينام كبار السن من هم فوق 65 عامًا من 7 إلى 8 ساعات يوميًا.
وفي هذا السياق أكد مدير المركز الجامعي لطب وأبحاث النوم بكلية الطب والمدينة الطبية بجامعة الملك سعود البروفيسور أحمد سالم باهمام لوكالة الأنباء السعودية، أن صحة النوم لا تقاس بعدد الساعات فقط، بل هي منظومة متعددة الأبعاد تشمل المدة وانتظام المواعيد وتوقيت النوم وكفاءته والرضا عنه ودرجة اليقظة خلال النهار، محذرًا من إهمال أي من هذه الأبعاد.
واستشهد باهمام بدراسة بريطانية واسعة من “بنك المملكة المتحدة الحيوي”، رصدت أنماط نوم أكثر من 80 ألف شخص بأجهزة تُلبس في المعصم، وأظهرت أن من يخلدون إلى النوم بين العاشرة والحادية عشرة مساءً كانوا أقل عرضة للإصابة بأمراض القلب، وأن خطر أمراض القلب يرتفع بنسبة 25% عند النوم بعد منتصف الليل، وبنسبة 12 % عند النوم بين الحادية عشرة ومنتصف الليل.
وفي ورقة بحثية نشرها باهمام بمشاركة فريق بحثي عالمي في يوليو 2026 بدورية “مراجعات طب النوم”، أشار فيها إلى أن صحة النوم ليست مجرد غياب أحد اضطرابات النوم، منوهًا بأن هناك شريحة واسعة من الناس ينامون نومًا متذبذبًا قليل الكفاءة، رغم عدم حملهم تشخيصًا مرضيًا، مثل العاملين بنظام “الورديات”، والوالدين في السنة الأولى بعد الولادة، ومن تفرض عليهم ظروف السكن أو العمل ببيئة نوم غير مناسبة، مؤكدًا أن تحسين النوم على مستوى المجتمع يحتاج إلى سياسات تنظيمية في أماكن العمل ومعايير للبيئة العمرانية لا إلى إرشادات فردية فحسب.
وشدد مدير المركز على أن الجسم البشري مبرمج على النوم ليلًا واليقظة نهارًا، وأن النوم الليلي يمنح جودة أعلى وتناغمًا أفضل مع الإيقاع الطبيعي للجسم، بينما محاولة الاستعاضة عنه بالنوم النهاري الطويل تربك هذا الإيقاع وتضعف جودة النوم، مشيرًا إلى أن القيلولة القصيرة التي لا تتجاوز نصف ساعة حول منتصف النهار، تُنعش المزاج وتنشط القدرات العقلية، لكن إطالتها تُدخل النائم مرحلة النوم العميق فيستيقظ مصابًا بكسل النوم.
وتناول البروفيسور باهمام في حديثه لـ”واس” اضطرابات النوم الشائعة، وفي مقدمتها الأرق، وانقطاع التنفس الانسدادي أثناء النوم الذي يُعد من أكثر الاضطرابات خطورة وأقلها تشخيصًا، ويرتبط بارتفاع ضغط الدم والنوبات القلبية والسكتات الدماغية والسكري، فضلًا عن ارتفاع خطر حوادث الطرق بسبب النعاس، موضحًا أن نسب الإصابة بعد سن الخامسة والستين تصل إلى نحو 28% من الرجال، و24% من النساء، لافتًا النظر إلى اضطرابات فرط النعاس مثل النوم القهري، والنوم المتقطع، وما تسببه من ضعف التركيز وتقلّب في المزاج وتراجع في الإنتاجية.
وبيّن أن الجسم يرسل إشارات واضحة عند قلة النوم، منها ضعف التركيز وتشتيت الانتباه والتوتر وتقلب المزاج وبطء الاستجابة وكثرة الأخطاء، وأن نقص النوم المزمن يرتبط بالسمنة والسكري من النوع الثاني وأمراض القلب وضعف المناعة والاكتئاب، مع وجود دلائل بحثية على احتمال صلة بين نقص النوم بعض أنواع السرطان.
وتطرق مدير مركز طب النوم إلى العوامل المؤثرة في جودة النوم، ومنها العوامل الوراثية التي تجعل بعض الناس أكثر عرضة للأرق أو أصحاب نمط صباحي أو مسائي، والتوتر النفسي الذي يثير فرط الاستثارة ويقف حائلًا دون النوم، والحمل الذي يغير أنماط نوم المرأة، إضافة إلى نمط الحياة من السهر ومواعيد الوجبات وقلة الحركة، ودور الضوء في ضبط الساعة البيولوجية، فالتعرض المفرط لشاشات الأجهزة الإلكترونية قبل النوم يخدع الدماغ ويؤخر إفراز هرمون النوم.
وقدّم باهمام مجموعة من التوصيات العملية لنوم أفضل، أبرزها تثبيت مواعيد النوم والاستيقاظ حتى في العطلات، وتقليل المنبهات كالقهوة والشاي في المساء، والابتعاد عن النيكوتين قبل النوم، وتهيئة غرفة نوم مظلمة هادئة، وحصر استعمال السرير في النوم لا في تصفح الهاتف أو مشاهدة التلفاز، وممارسة الرياضة بانتظام مع تجنّب التمارين العنيفة في وقت متأخر من الليل، محذرًا من اللجوء إلى الأدوية المنومة دون استشارة طبيب، ومؤكدًا أن العلاج المعرفي السلوكي للأرق يُعد الخيار الأول لعلاجه لأنه يعادل فعالية الأدوية دون آثارها الجانبية.
واستعرض باهمام أرقامًا عالمية تكشف خطورة قلة النوم إذ أظهر تحليل شامل جمع 79 دراسة وبيانات أكثر من مليوني شخص أن من ينامون أقل من 7 ساعات في الليلة يرتفع معدل خطر الوفاة لأي سبب بنسبة 14% مقارنة بمن ينامون 7 إلى 8 ساعات، وأن من ينامون 9 ساعات أو أكثر بانتظام يرتفع لديهم الخطر بنسبة 34%، فيما ترتفع مخاطر السكتة الدماغية بنسبة 29% لدى من ينامون 5 إلى 6 ساعات.
وحول نوم الأشخاص ذوي الإعاقة من المكفوفين، أوضح باهمام أن الساعة البيولوجية تقع في الدماغ وتنظم النوم والهرمونات من دون الحاجة إلى رؤية، لكنها تحتاج إلى إشارات زمنية، أهمها الضوء، مشيرًا إلى أن كثيرًا من المكفوفين يحتفظون بساعة بيولوجية منضبطة ما داموا يدركون الضوء ولو من دون رؤية، بفضل خلايا خاصة في الشبكية تُعرف بالخلايا العقدية الحساسة للضوء، أما من فقدوا الإدراك الضوئي كليًا فيصابون بمتلازمة النوم الحر، أو اضطراب النوم واليقظة غير المتزامن مع اليوم، ما يؤدي إلى دورات متعاقبة من الأرق الليلي والنعاس النهاري واضطرابات المزاج، ويمكن علاجها بالميلاتونين المسائي والانتظام الصارم في المواعيد.
وخلص مدير المركز حديثه بالإشارة إلى نتائج دراسة طولية أجراها المركز على 38 مريضًا مصابًا بالنوم القهري من النوع الأول على مدى 10 أعوام، أظهرت أن 42 % منهم تمكنوا من إيقاف علاج شلل اليقظة دون عودة الأعراض، وأن نسبة من ينعمون بنوم ليلي جيد ارتفعت من 16% إلى 40%، مؤكدًا أن مسار المرض ليس ثابتًا وأن حالة المريض قد تتحسن مع الوقت والمتابعة الصحيحة، كما كشف أن المريض السعودي المصاب بالنوم القهري يقضي في المتوسط نحو 8 سنوات أو أكثر بين ظهور أعراضه الأولى وحصوله على التشخيص الصحيح، ما يعكس فجوة وعي يعمل المركز على سدها، لأن التشخيص المبكر يُغير مجرى حياة المريض، ويُعيد إليه قدرته على الدراسة والعمل والعيش بشكل طبيعي ومنتج.