تدخل أوروبا واحدا من أكثر أسابيعها حساسية على المستوى الأمني، حيث تتوالى اجتماعات وزراء الدفاع في الاتحاد الأوروبي، ولقاءات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ثم مؤتمر ميونخ للأمن، في سلسلة محطات يُنظر إليها باعتبارها اختبارا حقيقيا لقدرة أوروبا على رسم إستراتيجية دفاعية مستقلة.

وهذا التزامن ليس مصادفة دبلوماسية، بل يعكس حجم القلق داخل القارة من التحولات الجيوسياسية المتسارعة وتزايد الشكوك حول اعتمادها على الولايات المتحدة، مما يدفعها إلى إعادة النظر في منظومتها الدفاعية وافتراضها استمرارية التوازنات التي حكمت النظام الأمني منذ نهاية الحرب الباردة.

ولعل السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هذا الأسبوع لا يتعلق بحجم الإنفاق العسكري أو دعم أوكرانيا، بل بطبيعة المشروع الأمني الأوروبي نفسه، فهل تتجه أوروبا نحو استقلال دفاعي حقيقي، أم أنها لا تزال أسيرة الانقسامات الداخلية التي تبقيها في دائرة الاعتماد على التحالفات القديمة؟

محيط مقر انعقاد مؤتمر ميونخ الـ62 الذي يجمع قادة وخبراء ووزراء دفاع (غيتي)بين الطموح والواقع

وستمتد المحادثات من بروكسل إلى الريف البلجيكي وصولا إلى ميونخ، لتجمع بين الدبلوماسية الطارئة، وتنسيق الدفاع، ومناقشات حول القدرة التنافسية الاقتصادية لأوروبا على المدى الطويل.

ومن اليوم الجمعة إلى الأحد، يجتمع قادة أوروبا والعالم في مؤتمر ميونخ للأمن الـ62، أكبر مؤتمر أمني في العالم، حيث يُتوقع هيمنة ملفات الأمن الأوروبي والدفاع ومستقبل العلاقات عبر الأطلسية على المناقشات.

كما من المتوقع أن يُبرز هذا المؤتمر المخاوف المتزايدة بشأن قدرة أوروبا على ضمان أمنها دون دعم واشنطن، في ظل تحذيرات الاستخبارات من خطر تصعيد روسي إضافي.

وفي السياق، يرى رئيس مركز الاستشراف والأمن في أوروبا إيمانويل ديبوي أنه سيتم التطرق دائما إلى مسألة الدفاع الأوروبي دون مواجهتها بالواقع الإستراتيجي.

إعلان

وأضاف ديبوي، في حديثه للجزيرة نت، أن هذا التكرار يعكس انقسامات داخلية عميقة ووسيلة للتهرب من اتخاذ القرارات، معتبرا أن التحدي يكمن في عدم توافق الآراء ووجود فجوة أو انفصال بين الطموح والقدرة.

قضية حقيقية

وبينما من غير المرجح أن تُحقق هذه اللقاءات نتائج فورية، يأمل مسؤولو الاتحاد الأوروبي أن يُسهم هذا الأسبوع في رسم مسار إستراتيجي أوضح لأوروبا في ظل تصاعد الضغوط الجيوسياسية.

وتنعكس هذه التوقعات أيضا على طبيعة الاجتماعات نفسها، فالجنرال الفرنسي السابق فرانسوا شوفانسي يعتقد أن ما يجري خلال هذا الأسبوع ليس مرحلة اتخاذ قرارات، بل مرحلة اختبار مواقف لأن ممثلي ورؤساء الدول سيقتصرون على مناقشة القضايا والتعرف على وجهات النظر المختلفة، بطريقة رسمية وهيكلية.

وأوضح شوفانسي للجزيرة نت أن الأمن في أوروبا يُعدّ قضية حقيقية، لا سيما مع انسحاب الولايات المتحدة، مما أدى إلى وقوع انهيار للنظام الدولي، وهذه حقيقة واقعة يجب الاعتراف بها.

الجيش الأوروبي

ومع تصاعد النقاش حول الاستقلال الدفاعي، تعود فكرة "الجيش الأوروبي" إلى الواجهة، خاصة بعد دعوة أحدث إستراتيجية للأمن القومي الأمريكي، نُشرت أواخر العام الماضي، أوروبا إلى "الاعتماد على الذات" وتحمّل "المسؤولية الأساسية عن دفاعها".

في ظل هذه التطورات، يعتبر الجنرال شوفانسي أن فكرة الجيش الأوروبي ستعود للظهور حتما هذا الأسبوع لكن المشكلة تكمن في قرار إرسال الجنود للمشاركة في الحرب من عدمه، متسائلا "أي سياسي سيقبل أن يتحمل المسؤولية ويرسل جنود بلاده للموت من أجل دولة أخرى أو كيان آخر؟".

وبالتالي، فإن إنشاء جيش أوروبي غير منطقي في الوضع الراهن نظرا لوجود منظمات تُتيح إدارة القدرات العسكرية الحالية، وعلى رأسها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وحتى هيئة الأركان العسكرية الأوروبية في بروكسل، وفق المتحدث.

في المقابل، يعتقد إيمانويل ديبوي أن مصطلح "الجيش الأوروبي" لم يعد يُستخدم لأن الأمر لا يتعلق بإنشاء هذا الجيش بالمعنى الحرفي، بل ببناء الأسس الصناعية اللازمة وتعزيز التقارب بين الجيوش الأوروبية، وتسريع التقارب بين الدول الراغبة في الانضمام.

وأشار إلى أن هذا التحالف يُطلق عليه اسم "تحالف الراغبين"، وقد أثبت فعاليته في غرينلاند، متوقعا أن يكون أحد السبل للخروج من الحرب في أوكرانيا لأنه عنصر من عناصر الدفاع الأوروبي الإستراتيجي المنظم في مواجهة الولايات المتحدة.

وبينما زعزعت أزمة غرينلاند تماسك التحالف عبر الأطلسي بين الولايات المتحدة وأوروبا الفترة الماضية، تم تجنبها "مؤقتا" عقب انشغال البيت الأبيض بأولويات أخرى، لكن لا يستبعد المراقبون أن تلقي بظلالها على مؤتمر ميونخ للأمن.

تحدي الإنفاق

وتعد المسألة المالية أحد العقبات التي سيحاول رؤساء الدول الـ27 تبديد الغموض حولها، بعد إثارتها في أبريل/نيسان 2024 للتركيز على تعميق السوق والاستثمار الأوروبي العاجل من خلال الاستثمارات في الطاقات المتجددة، والصناعات الكيميائية، والنيتروجين، والصلب، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية (مجال تقني بتخصصات متشابكة)، وقاعدة الاستخبارات التكنولوجية الدفاعية.

إعلان

ويتمثل الهدف في جمع ما بين 800 مليار و1.2 تريليون يورو بحلول عام 2030 لمنع الاقتصاد الأوروبي من التخلف عن الاقتصادات اليابانية والأمريكية.

وتعليقا على ذلك، أشار ديبوي إلى أن فرنسا ترغب في إصدار سندات اليوروبوند، وهي سندات ما قبل اليورو، من خلال تجميع الديون، على غرار ما ظهر من تدابير الصمود التي طُبقت في مواجهة جائحة (كوفيد-19)، حيث تم حشد ما يقارب 800 مليار يورو لإعادة هيكلة الاقتصادات وتنشيطها استجابة للجائحة.

مع ذلك، ونظرا لضخامة المبالغ المعنية، لا يتفق الجميع بالضرورة، لا سيما الألمان والإيطاليون. لذا، قد يكون من الأنسب اللجوء إلى المدخرات الأوروبية، وتعبئتها إذ يوجد مبلغ كبير مُجمّد ويقدّر بنحو 30 تريليون يورو، بحسب كلامه.

وبما أن الصناعة الأمريكية لم تستثمر سوى 300 مليار دولار العام الماضي، يعتقد ديبوي أن أوروبا لديها ما يكفي لتمويل نفسها، إذ يعتبر الناتج المحلي الإجمالي في الدول الأوروبية مجتمعة أعلى من الناتج المحلي الإجمالي للصين، وأقل بقليل من الولايات المتحدة.

إعادة التسلح

وقد مرّ عام كامل على إلقاء جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي خطابا مدويا في مؤتمر ميونخ للأمن، انتقد فيه سياسات أوروبا المتعلقة بالهجرة وحرية التعبير، وزعم أن أكبر تهديد يواجه القارة ينبع من داخلها.

ومنذ ذلك الحين، قلب البيت الأبيض في عهد الرئيس دونالد ترمب موازين القوى العالمية رأسا على عقب. وفُرضت تعريفات جمركية عقابية على الحلفاء "الأوروبيين" والخصوم على حد سواء، وسعت واشنطن بشكل متذبذب لتحقيق السلام في أوكرانيا بشروط مواتية لموسكو.

وهذا العام، يبدو أن المؤتمر سيكون حاسما مرة أخرى إذ يترأس ماركو روبيو، وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأمريكي، الوفد الأمريكي، بينما وُجهت الدعوة لأكثر من 50 من قادة العالم.

ويتوقع رئيس مركز الاستشراف والأمن في أوروبا أن يلقي دي فانس الخطاب نفسه مجددا، معتبرا أن التغير اليوم يتمثل في وجود الآليات المؤسسية والقدرة على توحيد الأوروبيين.

ويعني ديبوي بذلك آلية "العمل الآمن من أجل أوروبا" والتي توفر قروضا بقيمة 150 مليار يورو لدعم مشروع أكثر تنظيما حتى عام 2030، وهو مشروع "إعادة تسليح أوروبا" الذي سيظهر قدرة أوروبا الطموحة على حشد ما يقرب من 800 مليار يورو لدفاعها طويل الأمد، وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة.

وانطلاقا من القاعدة الصناعية الطموحة لتقنيات الدفاع الأوروبية، هناك آليات أخرى متوفرة في الوقت الراهن، مثل مبادرة "فينيسيا 2030" وبرنامج الصناعات الدفاعية الأوروبية بقيمة 1.5 مليار يورو، والذي ينص على ضرورة تصنيع وشراء 50% من معدات القارة العسكرية، و65% بحلول عام 2035.

من جانبه، يحذر الخبير العسكري من الأثر المباشر لإعادة التسلح على الاقتصاديات الوطنية، قائلا "إعادة التسلح سيؤدي إلى ارتفاع إنفاقنا على الدفاع من أقل بقليل من 2% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 3.5% قريبا، وربما 5% لاحقا".

ويعتبر شوفانسي أن إعادة التسلح اليوم مكلفة وتأتي على حساب أمور أخرى، لكن عدم إعادة التسلح يعني أننا قد نخوض غدا حربا لم نستعد لها. وهذه هي المعضلة التي تواجه السياسيين اليوم.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات مؤتمر میونخ للأمن الولایات المتحدة الجیش الأوروبی إعادة التسلح هذا الأسبوع ملیار یورو

إقرأ أيضاً:

أسبوع جنني يجمع لاروسي ومحمد قماح في تعاون فني جديد

تعاونت المطربة الهولندية المغربية لاروسي في أغنيتها الأخيرة وتحمل إسم أسبوع جنني مع كل من الشاعر والملحن ايمن نور الدين وتوزيع محمد قماح بعد عدة نجاح حققوها سويا في أغاني سابقة، لتواصل من خلالها تعزيز حضورها في الساحة الموسيقية العربية، وتحديدًا في مصر التي أصبحت محطة مهمة في مسيرتها الفنية خلال السنوات الأخيرة.

وُلدت فكرة الأغنية خلال زيارة لاروسي الأخيرة إلى مصر، حيث التقت بالشاعر والملحن أيمن نور الدين، الذي جمعها به انسجام فني واضح منذ اللحظة الأولى. وخلال مناقشاتهما حول العمل، بدأت ملامح الأغنية تتشكل سريعًا، وشعرت لاروسي منذ الاستماع إليها بأنها الأغنية التي كُتبت لها.

وتحمل "أسبوع جنني" أجواءً صيفية مبهجة وإيقاعات حيوية تناسب الموسم، معتمدة على إيقاع المقسوم السريع الذي يمنحها طابعًا راقصًا ومليئًا بالطاقة، وتدور فكرة الأغنية حول مشاعر الاشتياق واللهفة وتقلبات المشاعر التي يعيشها الإنسان على مدار أيام الأسبوع، وهو ما انعكس في كلمات وألحان أيمن نور الدين التي جمعت بين البساطة والإحساس.

ورغم أن الأغنية تميل إلى الطابع الموسيقي المصري، فإنها حافظت على الهوية الفنية الخاصة بلاروسي، التي عُرفت بمزج موسيقى البوب بالتأثيرات العربية، وهو ما جعل العمل امتدادًا طبيعيًا لمسيرتها الفنية وتواصلها مع الجمهور المصري والعربي.

وعلى صعيد الإنتاج الموسيقي، جددت لاروسي تعاونها مع الفنان والمنتج الموسيقي محمد قماح، بعد النجاحات التي حققاها معًا في أعمال سابقة مثل “رقصة رقصة”، و”انبساط”، و”أنا نجمة”. 
 


وانطلاقًا من فهمه لأسلوبها الفني المليء بالحيوية، قدم قماح توزيعًا موسيقيًا عصريًا يجمع بين الإيقاعات الراقصة والآلات العربية الأصيلة، فيما تولى خالد رؤوف عمليتي الميكس والماسترينغ ليمنح العمل صوته النهائي المتقن.
أما الفيديو كليب فهو من انتاج Laroussi Music ، وقد جاء برؤية بصرية مبتكرة أخرجتها نرمين تكلا، فيما تولت شركة ElPersona Studios إدارة الإنتاج. وتعتمد فكرة الكليب على ظهور لاروسي بعدة إطلالات وشخصيات مختلفة، تجسد كل منها يومًا من أيام الأسبوع، في معالجة بصرية عصرية مليئة بالألوان والحيوية، تعكس المشاعر التي تمر بها المراه بين الفرح والحب والاشتياق، بما يتماشى مع مضمون الأغنية ورسالتها.

ويأتي هذا العمل استكمالًا لسلسلة النجاحات التي حققتها لاروسي في مصر خلال الفترة الماضية، ويؤكد استمرار رؤيتها الفنية القائمة على المزج بين الحداثة والطابع الشرقي الأصيل، وهو ما جعلها تحظى بقبول متزايد لدى الجمهور العربي رغم أصولها الهولندية المغربية.

ومن المنتظر أن تكشف لاروسي خلال الفترة المقبلة عن عدد من المشروعات الفنية الجديدة، في خطوة تعكس رغبتها في توسيع حضورها في المنطقة ومواصلة تقديم أعمال تجمع بين الأصالة والمعاصرة .

طباعة شارك المطربة لاروسي ايمن نور الدين محمد قماح

مقالات مشابهة

  • أسعار النفط تسجل أعلى مستوى لها في أسبوع
  • الاتحاد الأوروبي يخطط لأكبر استجابة لحرائق الغابات في صيف 2026
  • انطلاق فعاليات أسبوع الغدير الدولي في النجف (صور)
  • فعالية ثقافية وتحضيرية في صنعاء القديمة إحياءً لذكرى يوم الولاية
  • مؤتمر بالبرلمان الأوروبي يشيد بالنموذج الإماراتي في تصنيف جماعة الإخوان كمنظمة إرهابية
  • تساقط أمطار رعدية على هذه الولايات مساء اليوم
  • أسبوع جنني يجمع لاروسي ومحمد قماح في تعاون فني جديد
  • لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي تمهد الطريق أمام اعتماد اتفاق الرسوم الجمركية مع الولايات المتحدة
  • بكفالة مالية.. إخلاء سبيل متهم بتعريض حياة المواطنين للخطر علي الطريق بمصر القديمة
  • الحوار بين حضارات المدن القديمة (القاهرة - هانغتشو).. من أصول الحضارات إلى تصورات المستقبل