ملكة القطن السودانية واسطة عقد مهرجان أوتاوا السينمائي
تاريخ النشر: 13th, February 2026 GMT
تتصدر حكاية قرية سودانية تقع وسط مزارع القطن واجهة المشهد الثقافي في العاصمة الكندية، حيث يبرز فيلم "ملكة القطن" (Cotton Queen) للمخرجة سوزان ميرغني كأحد أهم العروض المرتقبة في مهرجان أوتاوا السينمائي الدولي (IFFO) لعام 2026.
يقدم هذا العمل دراما إنسانية مؤثرة حول فتاة شابة تعيش في بيئة ريفية محاصرة بالتقاليد، حيث تكافح لتجد صوتها الخاص وسط ضغوط التقاليد العائلية والاجتماعية الصارمة التي تفرضها زراعة القطن كنمط حياة وقدر محتوم.
وقد استحق الفيلم مكانه البارز في المهرجان بعد تحقيقه إنجازا دوليا لافتا بفوزه بجائزة أفضل فيلم في مسابقة "أسبوع النقاد" الدولية، مما يجعله صوتا قويا للسينما الأفريقية المعاصرة التي تدمج بين الواقعية السحرية والقضايا الاجتماعية الملحة.
ينعقد المهرجان، الذي ينظمه "المعهد الكندي للسينما" (Canadian Film Institute)، بين 11 و22 مارس/آذار 2026، حيث يفتتح فعالياته في "معرض أوتاوا للفنون" بفيلم "وماذا الآن؟" (?Et Maintenant) للمخرج الروماني كريستي بويو.
والفيلم هو عمل تأملي من الطراز الرفيع، يرصد تفاصيل حياة عائلة عبر حوارات طويلة ومشاهد مكثفة تفتح تساؤلات وجودية حول الزمن والذاكرة، وقد نال إشادة عالمية لقدرته على تقديم لغة سينمائية تتجاوز السرد التقليدي.
وتضم نسخة هذا العام 22 فيلما طويلا اختيرت بعناية من منصات عالمية كبرى، تهدف لإطلاع جمهور العاصمة على تنوع الرؤى البصرية من مختلف القارات.
الصديق الكوري الصامتمن بين الأعمال البارزة التي يسلط المهرجان الضوء عليها، نجد الفيلم الكوري "الصديق الصامت" (Silent Friend) للمخرجة إيدواري يانغ.
يرصد الفيلم أثر شجرة قديمة في حديقة نباتية بمدينة هايدلبرغ الألمانية عبر ثلاث حقب زمنية متباعدة (1908، 1972، والحاضر)، مستعرضاً كيف تتقاطع أرواح البشر مع الطبيعة الصامتة في سردية فلسفية حول الاستمرارية والفناء.
إعلانكما يبرز الفيلم السلوفيني "فتيات المشاكل الصغيرات" (Little Trouble Girls) للمخرجة أورشكا جوريتش، وهو دراما نفسية تصور مرحلة المراهقة لفتيات في بيئة دينية محافظة يسعين لاكتشاف ذواتهن وأجسادهن، وقد حاز الفيلم على جائزة "الرؤية الخاصة" في مهرجان سراييفو السينمائي لصدقه الفني وجرأة طرحه.
وتستمر العروض العالمية مع الفيلم البولندي "ثوران" (Eruption) للمخرجة سيلويا روساك، والذي يستخدم استعارة البركان لتمثيل المشاعر العائلية المكتومة التي توشك على الانفجار في لحظة مواجهة قاسية بين الأجيال، وقد حصل على جوائز متعددة في مهرجانات السينما الأوروبية الشرقية.
ويقدم المهرجان فيلم "عيون غانا" (The Eyes of Ghana)، وهو وثائقي إبداعي يستعرض التحولات الاجتماعية والجمالية في غرب أفريقيا من خلال عيون فنانيها، مما يضيف بعدا أنثروبولوجيا لبرمجة المهرجان.
كما يبرز فيلم "نهر ناكدونغ" (Nakdong River)، وهو كلاسيكية كورية مرممة تعود لعام 1952، توثق مأساة الحرب الكورية والحياة على ضفاف النهر، ويعد عرضه احتفاء بالجهود الدولية لترميم التراث السينمائي المفقود.
ضيوف الشرفويستضيف المهرجان قامات سينمائية تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ السينما المستقلة، وعلى رأسهم المخرج الكندي الأيقوني غاي مادين (Guy Maddin).
يحضر مادين لعرض نسخة مرممة بتقنية 4K لفيلمه الكلاسيكي "حذر" (Careful)؛ وهو عمل سريالي فريد يحاكي تقنيات السينما الصامتة والتعبيرية الألمانية، وتدور أحداثه في قرية جبلية يسكنها الهوس، حيث يخشى السكان حدوث انهيارات ثلجية مدمرة إذا ما ارتفعت أصواتهم فوق الهمس.
اختيار مادين يبرره كونه "الشاعر البصري" للأمة الكندية، وقدرته الدائمة على ابتكار عوالم خيالية مذهلة بميزانيات محدودة.
كما يحل المخرج الأمريكي الشهير هال هارتلي (Hal Hartley) ضيف شرف، حيث يشارك بفيلمه الجديد "أين تهبط" (Where to Land). يتناول الفيلم قصة مخرج مسرحي ومصمم رقصات يواجه أزمة منتصف العمر والبحث عن معنى فني جديد في عالم متسارع.
وتبرر إدارة المهرجان استضافة هارتلي لكونه أحد أعمدة السينما الأمريكية المستقلة في التسعينيات، وتمثل مشاركته فرصة نادرة لصناع الأفلام في أوتاوا للتعلم من تجربته في الحفاظ على استقلالية الرؤية الفنية بعيداً عن هيمنة هوليوود.
قمة الشاشةيخصص المهرجان مساحة واسعة للجانب المهني والتراثي من خلال فعاليات نوعية. تبرر منها "قمة الشاشة" (Screen Summit)، وهي منصة تجمع المنتجين والمخرجين والموزعين لمناقشة تحديات الصناعة في كندا، وتوفير فرص التشبيك للمواهب الصاعدة.
كما تقام ندوة "حفظ باسم" (SAVE AS) المعنية بترميم التراث السينمائي العالمي، والتي تبحث في كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة لإنقاذ الأفلام القديمة من التلف، وهو نشاط يعكس دور أوتاوا كمركز وطني للأرشيف والمعلومات.
ويعرض المهرجان فيلم "بركة السمك القديمة" (The Old Fish Pond)، وهو فيلم صيني يتناول العلاقة بين التحديث العمراني والذكريات الريفية، محققاً توازناً بصرياً مذهلاً بين هدوء الطبيعة وضجيج الآلات.
إعلانكما يبرز فيلم "صيادو النسور" (The Eagle Hunters) الذي يوثق تقاليد منغولية ضاربة في القدم، مقدماً تجربة بصرية تأخذ المشاهد إلى أقاصي الأرض، وهو نوع من الأفلام التي يحرص المهرجان على اختيارها لقدرتها على توسيع مدارك الجمهور الثقافية.
تأسس مهرجان أوتاوا السينمائي الدولي (IFFO) في عام 2020 تحت مظلة "المعهد الكندي للسينما" (CFI)، وهي منظمة غير ربحية تأسست عام 1935، مما يمنح المهرجان خلفية تاريخية وثقافية عريقة.
والهدف الأساسي من إنشائه كان سد الفجوة السينمائية في العاصمة التي كانت تفتقر لمهرجان دولي شامل يضاهي مهرجانات تورونتو ومونتريال.
وعلى عكس المهرجانات التنافسية التقليدية، لا يمنح المهرجان جوائز رسمية بأسلوب "المسابقات"، بل يركز أساسا على "التنسيق الفني" (Curation) واختيار أفضل ما قدمته السينما العالمية في العام السابق وتقديمه للجمهور المحلي.
الاحتفال بالفن السابعتكمن فلسفة المهرجان في الاحتفاء بالفن السابع بوصفه أداة للتغيير الاجتماعي والحوار الثقافي، مع تخصيص مساحة ثابتة لدعم السينما الكندية الوطنية. ويظهر ذلك جليا في تقليد المهرجان الذي يقضي بعرض فيلم قصير كندي قبل كل عرض لفيلم طويل، مما يتيح للمخرجين الشباب فرصة عرض أعمالهم بجانب أسماء عالمية كبيرة. كما يشارك في هذه النسخة فيلم "أصوات الثلج" (Snow Voices)، وهو عمل كندي تجريبي يستكشف الصمت والشتاء في الشمال الكبير، مما يعزز الهوية الثقافية للمهرجان بوصفه حدثا ينتمي لبيئته الجغرافية.
تتوزع عروض المهرجان في قلب مدينة أوتاوا، بين سينما "باي تاون" (ByTowne) التاريخية وسينما "ميفير" (Mayfair) التي تعد من المعالم التراثية في المدينة، بالإضافة إلى قاعات "معرض أوتاوا للفنون".
ويختتم المهرجان فعالياته في 22 مارس/آذار بعرض ختامي مميز يجمع بين الضيوف والجمهور في نقاش مفتوح حول مستقبل السينما في عصر المنصات الرقمية، مؤكدا أن التجربة الجماعية لمشاهدة الفيلم على الشاشة الكبيرة ستظل هي القلب النابض للفن السابع.
بين حكايات القرى السودانية، وغابات كورية، وجبال كندية سريالية، يثبت مهرجان أوتاوا السينمائي الدولي 2026 أنه أكثر من مجرد حدث سينمائي؛ إنه جسر يربط العاصمة الكندية بروح العالم، ومنصة تعيد الاعتبار للسينما بوصفها مرآة تعكس أحلام البشر ومخاوفهم وتطلعاتهم مهما اختلفت لغاتهم.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات المهرجان فی
إقرأ أيضاً:
«مجاذيب السينما».. وجوه متعددة لشخصية واحدة
أبوظبي (الاتحاد)
صدر مؤخراً عن مؤسسة بيت الحكمة للثقافة كتاب «مجاذيب السينما» للباحث والكاتب الصحفي ياسر الغُبيري، وقدمه للقراء الناقد السينمائي عصام زكريا، ويستعرض الكتاب عدداً من الشخصيات التي ظهرت بوصفها «مجاذيب» في السينما المصرية عبر أعمال مختلفة، حيث تؤدي أدواراً متعددة، فمنها ما يمثل صوت العقل أو الضمير، ومنها ما يؤدي دور النبوءة والتحذير، فيما تجسد بمظهرها الرث والبائس أحياناً حالة الزهد في مظاهر الحياة ومغرياتها الزائلة.
وقال ياسر الغبيري إنه حرص على فتح المجال للتفكير في قضايا تتجاوز حدود العمل الفني نفسه، وإن كانت تنطلق من شخصياته وأحداثه، لتدور في الوقت ذاته حول السينما والدراما، فهذه الشخصيات تقف غالباً على الحدود الفاصلة بين النظام والفوضى، والعقل والجنون، والسلطة والتمرد، وفي جنونها وحكمتها تدفعنا إلى إعادة النظر في حياتنا وأعماق نفوسنا.
ويقدم الكتاب هذا الطرح بلغة تجمع بين منهجية البحث العلمي ودقته في استخدام المصطلحات وموضوعية التأويل، وبين اللغة الصحفية الرشيقة الواضحة، ما يجعل الكتاب مفيداً وممتعاً للمتخصصين والقراء العاديين على حد سواء، سواء كانوا من المهتمين بالسينما المصرية أو بالدراما في مختلف وسائطها الفنية، أو بالدراسات الشعبية بشكل عام.
وتُعد شخصية «المجذوب» من الشخصيات الشائعة في السينما المصرية، كما هي حاضرة في الواقع الذي استلهمت منه الأفلام مادتها، فلا يكاد يخلو حي سكني أو منطقة شعبية من نموذج لهذه الشخصية التي ظهرت بأشكال مختلفة في العديد من الأفلام، منها «قنديل أم هاشم» و«يوميات نائب في الأرياف» و«حسن ونعيمة»، وغيرهم الكثير.
يقسم ياسر الغُبيري شخصية «المجذوب» في السينما المصرية إلى أربعة مستويات رئيسية، أولها المجذوب الحكيم الذي يتمتع بالبصيرة ويؤدي دور المرشد أو صاحب الرؤية النافذة، وثانيها المختل عقلياً الذي يعاني اضطراباً ذهنياً أو نفسياً يؤثر في إدراكه وسلوكه بدرجات متفاوتة، أما المستوى الثالث فهو الدجال الذي يوظف ادعاءات الكرامات والقدرات الخارقة لتحقيق مصالح مادية أو اجتماعية، فيما يتمثل المستوى الرابع في المتسول الذي قد يتقمص صفات المجذوب أو المجنون أو صاحب الكرامات لاستدرار تعاطف الآخرين والحصول على المساعدات. ومن خلال هذه المستويات يرصد الكتاب الأدوار الدرامية والرمزية المتنوعة التي أدتها هذه الشخصيات في السينما المصرية عبر عقود.
رموز ودلالات
ويتيح تحليل هذه الشخصيات ومقارنتها بنظيراتها السينمائية للقارئ فرصة لفهم كثير من الرموز والدلالات التي ربما لم ينتبه إليها من قبل، وقد تدفعه هذه القراءة إلى التعاطف مع بعض الشخصيات أو إعادة النظر في مواقفه منها عند مشاهدتها مجدداً على الشاشة.