هضبة أم عراك في جنوب سيناء.. موقع أثري جديد يكشف أسرار 10 آلاف عام من التاريخ الإنساني
تاريخ النشر: 13th, February 2026 GMT
في قلب صحراء جنوب سيناء، حيث تتعانق الجبال مع السماء وتختزن الرمال أسرار آلاف السنين، خرج إلى النور اكتشاف أثري جديد يعيد رسم ملامح خريطة التراث المصري. فقد كشفت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار عن موقع غير معروف من قبل، يحمل اسم “هضبة أم عِراك”، ليضاف إلى سجل الكنوز التاريخية التي تؤكد أن أرض سيناء لم تكن يومًا مجرد معبر جغرافي، بل مسرحًا حيًا لتفاعل الحضارات وتعاقبها عبر العصور.
هذا الكشف لا يمثل مجرد إضافة رقمية إلى قائمة المواقع الأثرية، بل يفتح نافذة واسعة على تاريخ إنساني طويل، يمتد من عصور ما قبل التاريخ وحتى الفترات الإسلامية، موثقًا عبر نقوش ورسوم صخرية تُعد من الأغنى والأندر في المنطقة.
إضافة نوعية لخريطة الآثار المصريةوصف شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، الاكتشاف بأنه إضافة نوعية مهمة تعكس ما تزخر به أرض سيناء من ثراء حضاري وإنساني فريد. وأكد أن الموقع يمثل دليلًا جديدًا على تعاقب الحضارات على هذه البقعة الاستراتيجية من أرض مصر عبر آلاف السنين، مشيرًا إلى أن أعمال البحث والكشف والتوثيق العلمي مستمرة وفق أحدث المعايير الدولية.
وأشار وزير السياحة والآثار إلى أن مثل هذه الاكتشافات تعزز من مكانة مصر على خريطة السياحة الثقافية العالمية، وتفتح آفاقًا جديدة أمام هذا النمط السياحي المهم، خاصة في ظل الاهتمام المتزايد عالميًا بسياحة التراث والفنون الصخرية.
موقع استراتيجي في قلب التاريخيقع موقع هضبة أم عِراك على بُعد نحو خمسة كيلومترات شمال شرق معبد سرابيط الخادم، بالقرب من مناطق تعدين النحاس والفيروز الشهيرة، في منطقة رملية مرتفعة تشرف على مساحة مفتوحة واسعة تمتد شمالًا حتى هضبة التيه. هذا الموقع الاستراتيجي يرجح أنه استُخدم عبر العصور كنقطة مراقبة ومكان للتجمع والاستراحة، وربما كمأوى مؤقت للقوافل والمجموعات البشرية.
ويعكس الكشف أيضًا الدور المهم لأبناء سيناء في دعم جهود الدولة للحفاظ على التراث الثقافي، حيث جاء تحديد الموقع بإرشاد من الشيخ ربيع بركات، أحد أبناء منطقة سرابيط الخادم، في صورة تعكس التكامل بين الخبرة الأثرية والمعرفة المحلية.
مأوى صخري بطول مئة مترأوضحت البعثة أن الموقع يضم مأوى صخريًا طبيعي التكوين من الحجر الرملي يمتد على الجانب الشرقي للهضبة بطول يزيد على مئة متر، ويتراوح عمقه بين مترين وثلاثة أمتار، بينما يتدرج ارتفاع سقفه من متر ونصف تقريبًا إلى نصف متر فقط في بعض الأجزاء.
ويحمل سقف هذا المأوى كنزًا فنيًا نادرًا، إذ تزينه أعداد كبيرة من الرسومات الصخرية المنفذة بالمداد الأحمر، تصور حيوانات ورموزًا مختلفة لا تزال قيد الدراسة والتحليل. كما تم توثيق رسومات أخرى منفذة باللون الرمادي لأول مرة، إلى جانب نقوش محفورة بأساليب وتقنيات متعددة، ما يعكس تنوعًا زمنيًا وفنيًا استثنائيًا.
ووصف الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الموقع بأنه من أهم مواقع الفن الصخري المكتشفة مؤخرًا، معتبرًا أن تنوع النقوش يجعله متحفًا طبيعيًا مفتوحًا يوثق تطور التعبير الفني والرمزي للإنسان عبر آلاف السنين.
شواهد على حياة يومية متكررةلم يقتصر الكشف على الرسوم والنقوش فحسب، بل امتد ليشمل دلائل مادية على استخدام الموقع عبر فترات زمنية متعاقبة. فقد أسفرت أعمال التوثيق داخل المأوى الصخري عن العثور على كميات كبيرة من فضلات الحيوانات، ما يشير إلى استخدامه في عصور لاحقة كملجأ للبشر والماشية للحماية من الأمطار والعواصف والبرد.
كما كشفت البعثة عن تقسيمات حجرية شكلت وحدات معيشية مستقلة، تتوسطها بقايا طبقات حريق، في إشارة واضحة إلى تكرار النشاط البشري بالموقع. هذه المعطيات تمنح الموقع بُعدًا إنسانيًا، إذ لم يكن مجرد لوحة فنية على صخر، بل مساحة حياة فعلية شهدت تفاصيل يومية لأناس تعاقبوا عليه عبر العصور.
أدوات وفخار من عصور متعددةضمن أعمال المسح الأثري، عُثر على عدد من الأدوات الظرانية، إضافة إلى كسرات فخار يرجح أن بعضها يعود إلى عصر الدولة الوسطى، بينما يؤرخ بعضها الآخر إلى العصر الروماني، وتحديدًا القرن الثالث الميلادي.
ويؤكد هذا التنوع الزمني استمرارية استخدام الموقع لآلاف السنين، بما يعكس أهميته الاستراتيجية والاقتصادية في محيطه.
أقدم الرسوم.. عشرة آلاف عام من التاريخوفقًا للدراسة المبدئية، قُسمت النقوش والرسومات الصخرية إلى مجموعات زمنية متعددة. وتُعد أقدمها تلك المنفذة باللون الأحمر على سقف المأوى الصخري، ويرجع تاريخها مبدئيًا إلى ما بين عشرة آلاف و5500 عام قبل الميلاد. وتصور هذه الرسوم حيوانات متنوعة تعكس طبيعة البيئة والحياة في تلك العصور المبكرة.
كما تضم نقوشًا محفورة بطريقة الحفر الغائر، تُظهر صيادًا يستخدم القوس في صيد الوعل، يصاحبه عدد من كلاب الصيد، في مشهد نابض بالحركة يختزل أنماط المعيشة والأنشطة الاقتصادية للمجتمعات البشرية الأولى.
تفاعل حضاري عبر العصورلا تتوقف أهمية الموقع عند عصور ما قبل التاريخ، إذ تشمل النقوش مجموعات أخرى تصور جمالًا وخيولًا بأشكال متعددة يمتطيها أشخاص يحملون أدوات حرب، ويرافق بعضها كتابات نبطية، ما يشير إلى فترات لاحقة شهدت تفاعلات حضارية وثقافية في المنطقة.
كما تم توثيق كتابات باللغة العربية تمثل شاهدًا مهمًا على استمرارية استخدام الموقع خلال الفترات الإسلامية المبكرة وما بعدها، في تأكيد جديد على أن هضبة أم عِراك كانت نقطة عبور وتفاعل بشري لم تنقطع عبر القرون.
نحو خطة للحماية والتوثيق المستدامأكد مسؤولو البعثة أن أعمال الدراسة والتحليل العلمي للنقوش والرسومات ستتواصل خلال الفترة المقبلة، تمهيدًا لإعداد خطة متكاملة للحماية والتوثيق المستدام، بما يضمن الحفاظ على الموقع للأجيال القادمة، ويتيح دراسته علميًا بصورة أعمق.
فالموقع، بما يحمله من طبقات زمنية متراكمة، يمثل سجلًا مفتوحًا لتاريخ طويل من الإبداع الإنساني والتكيف مع البيئة الصحراوية، ويستحق عناية خاصة تليق بقيمته.
يكشف اكتشاف هضبة أم عِراك أن صحراء سيناء لا تزال تخبئ بين تضاريسها قصصًا لم تُروَ بعد. فكل نقش محفور، وكل رسم بلون باهت على سقف صخري، هو رسالة من إنسان عاش قبل آلاف السنين، ترك أثره ليقول إنه مرّ من هنا.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: سيناء الرمال السياحة التاريخ الكنوز آلاف السنین عبر العصور
إقرأ أيضاً:
ما هو موقع "بيكاكس ماونتن" الإيراني المرتبط بالبرنامج النووي؟
هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمهاجمة موقع مرتبط بالبرنامج النووي الإيراني، يعرف باسم "بيكاكس ماونتن"، وهو منشأة محصنة على عمق كبير تحت الأرض، بالقرب من أحد المواقع النووية الإيرانية الرئيسية.
ويعكس التهديد تصاعد التوتر في ظل تبادل طهران وواشنطن للضربات في المنطقة، ما يعرقل الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع.
What is Pickaxe Mountain, the Iranian nuclear-linked site threatened by Trump? - https://t.co/po86dHbHa3
— Reuters Iran (@ReutersIran) July 15, 2026 أين يقع؟يقع بيكاكس ماونتن على بعد 220 كيلومتراً جنوبي طهران، وعلى بعد كيلومترين من مجمع نطنز النووي.
تعرض موقع نطنز، حيث تقع اثنتان من محطات تخصيب اليورانيوم الإيرانية، للقصف خلال الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط) الماضي، وخلال الحرب التي استمرت 12 يوماً العام الماضي.
وقال معهد العلوم والأمن الدولي، وهو مركز أبحاث مقره الولايات المتحدة يركز على حظر انتشار الأسلحة النووية، إنه لم يتم استهداف المنشأة التي لا تزال قيد الإنشاء في بيكاكس ماونتن في أي من هاتين الحربين.
وترتفع قمة الجبل إلى نحو 1600 متر فوق مستوى سطح البحر. وكانت هناك محطتان للتخصيب قيد التشغيل في نطنز، واحدة فوق الأرض والأخرى تحت الأرض.
وذكرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التابعة للأمم المتحدة، أن المحطة الموجودة فوق الأرض دمرت. أما المحطة الأخرى الموجودة تحت الأرض، فمن المرجح أنها تعرضت على الأقل لأضرار بالغة.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية في 22 يوليو (تموز) الحالي، إنه لا يوجد أي نشاط نووي في بيكاكس ماونتن.
President Trump says the US will be hitting the Pickaxe Mountain area, a heavily fortified site linked to Iran's nuclear program, 'pretty soon and very heavily' https://t.co/A8DHUX0kqX pic.twitter.com/Y6bE56FZ4O
— Reuters (@Reuters) July 21, 2026 ما هو بيكاكس ماونتن؟يرتبط الموقع بالبرنامج النووي الإيراني الذي يتسبب منذ فترة طويلة في توتر العلاقات بين الغرب وإيران، التي تنفي سعيها لامتلاك قنبلة ذرية.
وقال معهد العلوم والأمن الدولي إن بناء المنشأة في بيكاكس ماونتن بدأ عام 2020، في أعقاب ما قالت السلطات الإيرانية في ذلك الوقت إنه انفجار ناجم عن عمل تخريبي في منشأة نطنز. وذكرت إيران حينها أن عملية التخريب في نطنز تسببت في أضرار جسيمة قد تبطئ تطوير أجهزة الطرد المركزي المتقدمة لتخصيب اليورانيوم.
وفي سبتمبر (أيلول) من ذلك العام، قال رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية آنذاك علي أكبر صالحي، إن "إيران بدأت في بناء مرفق أكثر حداثة وأكبر حجماً وأكثر شمولاً من جميع النواحي في قلب الجبل بالقرب من نطنز، لتصنيع أجهزة الطرد المركزي المتقدمة".
بدوره، أشار مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، رافائيل غروسي، في مقابلة مع شبكة "بي.بي.إس" التلفزيونية في مارس (آذار) الماضي، إلى أن إيران كانت قد أعلنت سابقاً نيتها القيام بأنشطة نووية في بيكاكس ماونتن. وأضاف أن "ذلك يندرج ضمن ما وصفه بأنه توجه إيراني ممنهج لنقل أكثر المنشآت أهمية إلى مواقع تحت الأرض".
ما الذي بنته إيران هناك؟يقول معهد العلوم والأمن الدولي، الذي قام بتحليل صور الأقمار الصناعية للموقع، إنه يضم 4 مداخل يفترض أنها تؤدي إلى منشأة واحدة يُقدر عمقها بما لا يقل عن 100 متر تحت الجبل.
وذكر المعهد في تقرير صدر في 14 يوليو (تموز) الحالي، أن التدابير الدفاعية تتكون أساساً من محيط أمني واسع النطاق وتحصينات شديدة للمداخل. وأشار التقرير إلى أن مدخلي النفق الشرقيين تم ردمهما جزئياً منذ حرب العام الماضي، وبعد اندلاع الحرب الحالية لعرقلة وصول المركبات البرية، لكن لم يتم إغلاقهما بالكامل.
من جهته، قال الباحث في معهد أبحاث السياسة الخارجية سام لير، الذي راجع أيضاً صوراً حديثة للموقع التقطتها الأقمار الصناعية لرويترز إن "تعزيز المداخل من شأنه أن يصعب استهدافها بذخائر خارقة مثل القنابل الخارقة للتحصينات".
ما الغرض الذي يمكن استخدام الموقع لأجله؟قال ترامب في تصريحاته يوم 13 يوليو (تموز) الحالي، إن واشنطن تراقب بيكاكس ماونتن عن كثب ولم ترصد أي نشاط فيه.
وذكر معهد العلوم والأمن الدولي في تقريره أن "تقييمه يشير إلى أن المنشأة لم تبدأ العمل بعد، لكن أعمال البناء مستمرة، وأن من غير الواضح متى يمكن أن تبدأ العمل استناداً إلى صور الأقمار الصناعية وحدها".
وأضاف أنه "إذا بدأت إيران في إعادة بناء قدرتها على تصنيع أجهزة الطرد المركزي، فقد تخطط لتشييد منشأة تجميع أصغر لأجهزة الطرد المركزي في بيكاكس ماونتن قادرة على خدمة برنامج للأسلحة النووية".
كيف يمكن استهداف الموقع؟يرجح خبراء أن المجمع الكائن على عمق كبير يقع خارج نطاق أقوى القنابل الخارقة للتحصينات في ترسانة الولايات المتحدة.
وقال المعهد إن "استهداف الموقع قد يكون ممكناً عبر هجمات أو أعمال تخريب تنفذها قوات برية". وأضاف "مع ذلك، قد توجد نقاط ضعف يمكن استغلالها بواسطة أسلحة تخترق أعماق الأرض عبر هجمات جوية".