هيمنة الشر عبر العصور محمد صالح البدراني
تاريخ النشر: 13th, February 2026 GMT
الشر البشري:
بين الأنانية والتفسيرات الفلسفية في عالم يعج بالتناقضات الأخلاقية، يبرز تعريف الشر كظاهرة نفسية واجتماعية عميقة: هو تغلب جنوح الغرائز على المنظومة القيمية، أو فهم خاطئ ينبع من "الأنا"، مما يؤدي إلى تمكن الأنانية بدعم من قوى خارجية. هذا التعريف يفسر التناقض الأبدي: لماذا يكره الإنسان الظلم عندما يقع عليه، ثم يمارسه بنفس الوحشية -أو أشد- عندما يتمكن؟ في هذا المقال، نستعرض تفسير فريدريش نيتشه للأخلاق كأداة لفهم هذا التناقض، ثم فلسفة جون لوك عن الظلم كإطار سياسي، مع دمج أفكار هانا أرنت عن "الشر الشائع"، والثيوديسي (تبرئة عدالة الله Y) عند الغزالي، ولمسة من توماس هوبز الذي يصف الإنسان كذئب لأخيه في غياب القوة المانعة.
- نيتشه: الأخلاق كانتقام مقنع في "جينا لوجيا الأخلاق" (1887)
يقسم نيتشه الأخلاق إلى نوعين: أخلاق السادة (تقدر القوة والنبل) وأخلاق العبيد (تنبع من الضعفاء الذين يحولون ضعفهم إلى فضيلة). عندما يتمكن الضعيف، ينتقم من "السادة" السابقين بتحويل قيمهم إلى "شر"، بينما يمجد ضعفه كـ"تواضع" أو "رحمة"، هذا الانتقام المقنع يصف لماذا يكره الإنسان الظلم ثم يمارسه: لأن الأنانية لا تختفي، بل تُقنع نفسها بأنها "عدالة" عندما تتمكن، ولهذا تجد أن الظالم يتظلم ممن يمنعه عن ظلمه.
نيتشه يدعو إلى "التجاوز" (الإنسان الأعلى) لخلق قيم جديدة تتجاوز هذا الصراع، لكن الواقع يظهر أن معظم البشر يبقون أسرى "أخلاق العبيد" عندما يحصلون على السلطة، فلا يرى ضميره ظلمه.
- جون لوك: الظلم كانتهاك للعقد الاجتماعي جون لوك
في "رسالتان عن الحكومة" (1689)، يرى الظلم نتيجة طبيعية لتمكن الأنانية في السلطة؛ في حالة الطبيعة الإنسان حر ومتساوٍ، لكن الأنانية تدفع البعض للظلم، لذلك يُبرم الناس عقدا اجتماعيا لإنشاء حكومة تحمي الحقوق (الحياة، الحرية، الملكية)، وإذا انتهك الحاكم العقد بالظلم، يصبح من حقهم الثورة؛ لوك يرى أن الشر (الظلم) ليس قدرا، بل نتيجة تمكن الأنانية في غياب ضوابط قوية، هذا يفسر لماذا يظلم الإنسان عندما يتمكن: لأنه يفقد الضوابط التي كانت تحد من غرائزه.
الحل عند لوك: نظام ديمقراطي قوي يمنع تمكن الأنانية الفردية أو الجماعية.
- هوبز: الإنسان ذئب لأخيه في غياب القوة توماس هوبز (1588-1679)
في "الليفياثان" (1651)، يقدم وصفا قاسيا أتفق معه في التوصيف واختلف بالحل، فأنا أرى السلطة للقانون، وهو يساوي بين الجميع. يقول هوبز: في حالة الطبيعة، الإنسان "ذئب لأخيه"، لأن الجميع يسعى لمصلحته الذاتية، والقوة وحدها تمنع الظلم. الإنسان يكره الظلم لأنه يخاف أن يقع عليه، لكنه يمارسه إذا أمن العقاب.
الحل عند هوبز: سلطة مطلقة تفرض السلام بالقوة، لأن الوعظ والأخلاق لا تكفي لكبح الأنانية.
- هانا أرنت: الشر الشائع كسطحية فكرية هانا أرنت، في "آيخمان في القدس" (1963)
ترى الشر شائعا لأنه لا يحتاج إلى نوايا شيطانية، بل إلى غياب التفكير (thoughtlessness). آيخمان لم يكن وحشا، بل موظفا عاديا مطيعا يرى الظلم كـ"واجب وظيفي"، هذا يفسر لماذا يظلم الإنسان عندما يتمكن: لأنه يفقد القدرة على وضع نفسه مكان الضحية، فتصبح الأنانية "عادية"، وعند تمكن الصهيونية كررت المحرقة بالفلسطينيين بعدة مجازر عبر التاريخ وآخرها غزة، فإننا نتحدث عن جيل تربى وهو يجتر ظلم المحرقة وليرتكبها.
- الغزالي: الشر سيطرة النفس الأمارة، في "إحياء علوم الدين"
يرى الشر سيطرة النفس الأمّارة بالسوء على القلب. الإنسان يكره الظلم لأنه يؤذيه، لكنه يمارسه لأن نفسه تحب السلطة والتملك، كغريزة ما لم تجد رادعا تحس أنه يمكن أن يؤذيها في الواقع وليس بوعيد الأديان، فهذا أمر لا تتفاعل معه الغرائز عندما تستعمر منظومة العقل، والكثرة فيما يبدو لم يفعّلوا منظومتهم العقلية، ولا يفيد أن نقول: سيذهب هؤلاء لجهنم ونحن في الحياة، بل علينا أن نبحث عن الطريق المثلى لردع هؤلاء.
كيف نتغلب على هذا الشر؟
- نيتشه: تجاوز الأخلاق التقليدية وخلق قيم جديدة تتجاوز الأنانية.
- لوك: نظام ديمقراطي يمنع تمكن الأنانية بالقوة.
- هوبز: سلطة قوية (افهمها محدودة بالقانون) تكبح الغرائز.
- أرنت: إحياء التفكير النقدي والحكم الأخلاقي.
- الغزالي: مجاهدة النفس والتوبة الداخلية.
خلاصة:
ما يعرضه الفلاسفة والمصلحين هو وصفات لمجتمع سليم وكيف يمكن أن تحافظ على سلامته حتى حين، بيد أن كل ما قرأتم ستقولون إنه تنظير لا يملك قوة التغيير وربما كان الظلمة والمغامرون يدعون إليه، ونحن نرى الشر قائما والسفاهة مهابة بقوتها، فإن كان السفيه ضعيفا اختفى كأي حشرة يُدعس ممن استخدمه، وهنا لا بد من سؤال: إن كان الحق منتصرا في عقيدة الأديان فلماذا نرى السفه والجبروت والظلم منتشرا؟ وما خلا نيتشة وتشاؤمه فالفلاسفة غالبا يتوقعون انتصار الحق، وفي عالم اليوم نجد طوباوية الكلام.
الشر لا يُهزم بالمعرفة وحدها، بل بصلاح النفوس للأمة، فعندما يكثر النفاق والانتهازية، والتملق من أجل الفتات، وضعف النخوة، وصوت الحق المخنوق، ويعظَّم السارق والمجرم بدل احتقاره ويكرّم التافه ويُبعد الصالح ويُسفّه العالم الفاهم، ويُفهم الحلم جبنا والجبن يفهم أنه حكمة، وينشغل كل بعيشه متخليا عن منظومته العقلية فاقدا لميزاته الآدمية، وتصبح مخالطة الناس خبث الريح وحرق الملابس؛ فإن التاريخ يقول إن الظلم يستمر طالما يجد هكذا بيئة.. لكن الحل أن يُصلح الكل نفسه بصرامة، يلوم نفسه لا الآخرين ويكون بيئة لمنظومة القيم، وأن يخضع المجتمع لقانون يتساوى الجميع أمامه؛ عندها ستنهار بيئة الظلم والظالمين. الطريق طويل، لكن الوصول ليس مستحيلا.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مدونات مدونات الشر الأخلاقية القيمية الظلم أخلاق عدل قيم ظلم الشر مدونات مدونات مدونات مدونات مدونات مدونات صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
إشهار كتاب “عودة المرأة إلى حضن القداسة” للكاتبة دلالعة
صراحة نيوز – نظمت اللجنة الثقافية والاجتماعية في نقابة المهندسين الأردنيين فرع إربد وبالتعاون مع مديرية ثقافة إربد مساء اليوم، حفلا لإشهار كتاب بعنوان “عودة المرأة إلى حضن القداسة” للكاتبة نور دلالعة، تحدث فيها الناقد نضال قاسم، والروائي عبدالسلام صالح، بحضور حشد من الأدباء والمثقفين والمواطنين المهتمين.
وخلال الحفل الذي أداره عضو رابطة الكتاب صالح حمدوني تحدث قاسم حول أهمية الكتاب كونه يخلق حالة من الوعي بأهمية التماسك الاجتماعي المتمثل بالأسرة السليمة المتماسكة، والقادرة على التفاعل والتفاهم المتبادل والنقاش والتعاون مع الآخرين، لأن الحياة المشتركة هي محك الإنسانية، ولا يمكن تحقيق هذا التكامل إلا باتحاد عمل الجنسين معاً.
وأشار الى أن المؤلفة استندت في رؤيتها إلى الدلائل العلمية والتحليل التاريخي، لتبلغ تسوية تنقذ الأسرة أولاً، والذات الذكرية الجوهرية ثانياً، وتعيد الأنثى إلى قلب القداسة كما كانت قديماً، وهي تطرح في مقدمة كتابها رؤية نقدية حادة، إذ ترى أن المستفيد الأكبر من توسيع هوة النزاع بين الرجل والمرأة هو العلمانية، والليبرالية، والنظام العالمي الجديد.
من جهته أشار الروائي عبد السلام صالح الى أن الكاتبة أرادت أن تأخذنا في رحلة بحثية وفكرية لتاريخ المرأة منذ البدايات، إلى اللحظة الحضارية الراهنة، فقدمت عبر الكتاب إطلالة تاريخية شملت العصر الحجري والعصر الزراعي والحضارات القديمة، مروراً بالعصور الوسطى والثورة الصناعية، وتتبعت ثورة المرأة في القرن التاسع عشر ثم انتقلت إلى أوضاع المرأة في الإسلام.
وقال حمدوني أن كتاب “عودة المرأة إلى حضن القداسة” كتاب في علم النفس الاجتماعي، وهو صرخة في وجه مخرجات النزعة الاستهلاكية التي حولت الإنسان إلى سلعة، وسعت إلى تفكيك اللبنة الأساسية للمجتمع وهي الأسرة، مبينا أن الكاتبة لجأت إلى التحليل التاريخي، لتنتشل الأنثى والذكر معاً من صراع الأدوار الهدام، وتعيد تركيب المشهد في ثنائية تكاملية مبدعة.
بدورها أوضحت المؤلفة دلالعة أن الهدف من الكتاب هو صلاح الأسرة والمجتمع الذي يجعلنا نهتم بشؤون أفراده كمطلب بديهي لاستكمال صحة البناء بحيث لا نضيع الطريق عن الوجهة الواحدة، التي تتطلب نجاة فردية.
وأشارت أن المرأة مدفوعة بسبب الظروف المحيطة لتكون على ما هي عليه الآن من التعب والاحتراق النفسي وأحيانا التطرف الأعمى، فمع تغير المنظومة المجتمعية الحديثة أصبحت المرأة ضحية التطرف النسوي من جهة والذكوري من جهة أخرى.