الجزيرة:
2026-06-03@04:26:41 GMT

كيف نجا الرئيس الكولومبي من الفخ الأبيض؟

تاريخ النشر: 13th, February 2026 GMT

على غير المتوقع، تحول الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو في نظر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، من "زعيم للمخدرات" إلى ضيف مرحب به، هو وفريقه في المكتب البيضاوي في واشنطن الأسبوع الماضي.

وقد جرى اللقاء دون أية إهانات تذكر من الرئيس الأمريكي، الذي عودنا على توجيهها لأغلب ضيوفه.

ويبدو أن أجواء اللقاء الودية أطفأت حماس وسائل الإعلام اليميني الكولومبي، المتعطش لتسديد ألذع الانتقادات للرئيس بيترو وتقزيمه بشكل ممنهج، في الأيام القليلة التي تفصل البلاد عن الانتخابات التشريعية، وعلى بعد أشهر معدودة عن الرئاسية.

ونظرا لأن الصدى الذي أثاره الاجتماع كان مفاجئا، بداية من التغطية الإعلامية الإيجابية للبيت الأبيض، فإن اهتمام ترسانات الإعلام اليميني الكولومبي كان باهتا وحريصا على وأد أي زخم يخدم صورة الرئيس بيترو وحلفائه من المرشحين لانتخابات البرلمان، ومجلس الشيوخ في 8 مارس/آذار المقبل، وللرئاسة في 31 مايو/أيار القادم أيضا.

ولهذه الأسباب وغيرها، لم يحظَ الاجتماع بما يستحقه باهتمام إعلامي، حتى في وسائل الإعلام الدولية، فضلا عن أنه تم بعيدا عن الكاميرات، ودام ساعتين وفق قول السفير الكولومبي في واشنطن، والذي كان حاضرا إلى جانب الرئيس بيترو ووزيرة الخارجية ووزير الدفاع.

تحول مفاجئ

ويذهب الرأي الذي يعتبر الرئيس بيترو، الفائز الحقيقي من اللقاء مع نظيره الأمريكي في مكتبه البيضاوي، إلى التحول الجذري والمفاجئ في تعامل ترمب مع ضيفه، بعد أن تصدرت معاركهما الكلامية المشهد السياسي منذ تولي ترمب ولايته الثانية في يناير/كانون الثاني 2025. حيث سجلت هذه المعارك محطات فارقة تداولتها وسائل الإعلام العالمية، لما فيها من شجاعة وتحدٍ من الرئيس بيترو، وتعالٍ واستخفاف من الرئيس ترمب به.

وتمثلت المحطة الأولى، في إقدام الرئيس الكولومبي على رفض هبوط طائرة أمريكية في مطار بوغوتا، كانت تقل مهاجرين غير نظاميين كولومبيين، عندما أمر الرئيس الأمريكي في أسبوع رئاسته الأول، وقتها، بترحيل عدد من هؤلاء المهاجرين من مختلف الجنسيات اللاتينية، على مراحل، وتم شحنهم كالسلع في طائرات عسكرية، مقيدين بالسلاسل وفي ظروف غير آدمية.

إعلان

ورغم امتعاض عدد من زعماء المنطقة، فإن الرئيس الكولومبي كان هو الوحيد الذي أمر بعودة الطائرة، طالبا من الجانب الأمريكي احترام مواطنيه.

وتسبب ذلك الموقف في اندلاع أزمة دبلوماسية بين البلدين، وسحب التأشيرة الأمريكية من الرئيس بيترو وعدد من أعضاء حكومته، وسلسلة أخرى من العقوبات شملت التلويح برفع الرسوم الجمركية على الواردات الكولومبية إلى حدود 50%.

أما المحطة الثانية، فكانت خطاب الرئيس الكولومبي في الدورة 80 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي، حيث وجه فيه أصابع الاتهام رأسا لنتنياهو وترمب، واعتبرهما المسؤولين الرئيسيين عن جرائم الإبادة في حق الشعب الفلسطيني.

ولم يكتفِ بذلك بل إنه خرج للمشاركة في الفعاليات الموازية للحدث في شوارع نيويورك، وانضم للمظاهرات المناصرة للفلسطينيين، ودعا خلالها شرطة العاصمة لعصيان أوامر ترمب، واصفا إياه بالطاغية!

ولا تختلف المحطة الثالثة عن سابقاتها، حيث كان موقف بيترو من اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته هو الأكثر جرأة، بشكل جعل الرئيس ترمب في أحد تصريحاته الشهيرة، يهدده على المباشر، وينصحه بالاستعداد لنفس المصير؛ لأنه سيكون الهدف القادم.

ومع كل محطة من المحطات المذكورة، كانت المعارضة الكولومبية تنتشي بهذا الصدام مختل القوى، بين الرئيسين، لتغذية خطاب الترهيب من الغضب الأمريكي وحرمان كولومبيا من دعم أقوى وأعرق حليف لها، وإقناع الناخبين بأن بيترو لا يعدو أن يكون سوى زعيم من ورق، غارق في بطولاته الوهمية وغير عابئ بكلفتها السياسية والاقتصادية على بلده.

وهو خطاب كانت قد اعتمدته المعارضة، منذ بداية "طوفان الأقصى" واصطفاف الرئيس الكولومبي اللامشروط مع الفلسطينيين، على عكس هوى أغلب الرأي العام في بلد ينعت بـ"إسرائيل أمريكا اللاتينية".

كانت تصريحات ترمب على إثر الاجتماع مفاجئة، حيث وصف ضيفه بـ"الرائع" وقال إنه كان لديه انطباع مغاير جدا عنه، وأهداه كتابه "فن الصفقة" بتوقيع منه "أنت عظيم"

وإلى حدود انعقاد الاجتماع بأيام قليلة، ارتفعت نبرة خطاب المعارضة في شيطنة الرئيس بيترو، وكانت رهاناتها على فشل الاجتماع واضحة، بشكل يضمن الخروج بصورة تسخر من الرجل وتحمله مسؤولية "العبث" بمصالح كولومبيا، فقط من أجل إرضاء ثقته بنفسه واللهاث وراء أحلامه بحوار "الند للند" كما ردد يوما في إحدى تغريداته الموجهة إلى ترمب.

تصريحات غير معتادة

لكن قرار وزارة العدل الأمريكية رفع السرية عن ملايين الوثائق في قضية جيفري إبستين، والزلزال السياسي والإعلامي الذي خلفته الأخبار والأسماء الجديدة في القضية، قبل يوم واحد من لقاء الرئيس ترمب بضيفه الكولومبي في البيت الأبيض، ربما ألقى بظلاله على اللقاء بين الرجلين ليخرج على صورة غير متوقعة من جانب الرئيس الأمريكي – الذي باغتته ملفات إبستين- وفي أجواء متوشحة بالود لعلها لم تدر بخلد الرئيس ترمب نفسه الذي بدا فيها على غير المألوف من طباعه في مثل هذه المواقف.

وبالفعل، وعلى عكس ما تعودناه من الرئيس ترمب وإدارته في التفنن في "تقزيم" ضيوفه من الرؤساء، على اختلاف أوزانهم، ونقل الاجتماعات على الهواء ومنح الصحفيين طرح أسئلة مهينة ومحرجة للضيف، توحي أحيانا بأنها مبرمجة، فإن الاجتماع بالرئيس بيترو كان ضيقا، وبعيدا عن أعين الصحافة.

إعلان

بالإضافة إلى ذلك، كانت تصريحات ترمب على إثر الاجتماع مفاجئة، حيث وصف ضيفه بـ"الرائع" وقال إنه كان لديه انطباع مغاير جدا عنه، وأهداه كتابه "فن الصفقة" بتوقيع منه "أنت عظيم".

كما أن موقع البيت الأبيض نشر صورتين للقاء، بدا فيهما الرئيسان على نفس الحد من الحضور والثقة بالنفس. ومن جانبه، لم يخفِ بيترو غبطته بإيجابية اللقاء ونجاعته من حيث ما أفاد به مضيفه عن الملفات التي تستحق الدراسة بين البلدين، وأجمع أنصاره على أن اليمين الكولومبي كان متعطشا لصورة "بيترو راكعا" أو منهزما وجاهزا لارتداء الزي البرتقالي، بعد مادورو.

لقد مثل الاتفاق على توقيت الاجتماع مغامرة من الرئيس الكولومبي في رفع شعبيته أو التسبب في انهيارها، على بعد أيام قليلة من الانتخابات التشريعية، كيف لا والرجل يدخل أعزل على الرئيس الأمريكي ترمب ووزير خارجيته المتربصين بكولومبيا، التي طوت 200 سنة من حكم اليمين على يدي هذا الرئيس اليساري، وها هي استطلاعات الرأي توحي بانتصار تحالفه في الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة، إن لم تتدخل الأيادي الخارجية.

لكن السؤال المشروع في هذا المستوى، يطرح نفسه: هل كان موعد الاجتماع، مقصودا من الجانب الأمريكي لتقديم هدية لليمين الكولومبي، في العبث بصورة الرئيس بيترو وضمان هزيمة تحالفه؟ إم أن الأمر كان صدفة، وما أندر الصدف في السياسة؟

ومهما يكن، فربما من المرجح أن مستجدات قضية إبستين أربكت الحسابات وجاءت بالرئيس ترمب منهكا ووديعا، فخرج بيترو منتصرا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الرئیس الکولومبی الرئیس الأمریکی الکولومبی فی الرئیس بیترو الرئیس ترمب من الرئیس

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • مبعوث ترمب: إعادة السلاح إلى الدولة بداية عهد جديد في العراق
  • ترمب ينفي توقف المحادثات مع إيران: مستمرة يومياً
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • الرئيس الأمريكي: لا أحد يعلم إلى أين ستقود المفاوضات مع إيران
  • القائم بالأعمال الأمريكي: ناقش مع الرئيس العراقي اتخاذ إجراءات لصون السيادة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • ترامب مخاطباً نتنياهو: «أنت مجنون ولولاي لكنت في السجن»
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • الرئيس الكولومبي يرفض النتائج الأولية للانتخابات ويدعو لانتظار الحسم القضائي
  • منتخب الناشئين بالزي الأبيض أمام المغرب على "برونزية" أمم أفريقيا