صدى البلد:
2026-06-02@21:47:12 GMT

د. محمد بشاري يكتب: الشيخ بن بيه وسؤال السِّلم

تاريخ النشر: 13th, February 2026 GMT

ليس السِّلم في خطاب الشيخ العلامة عبدالله بن بيه لفظًا يتردد في المجالس، ولا شعارًا يُرفع في مواسم المؤتمرات، بل هو سؤالٌ وجوديٌّ يلامس جذر العمران الإنساني، ويستدعي إعادة ترتيب العلاقة بين الدين والدولة، بين الضمير والسياسة، بين الرجاء والعمل. ومن نواكشوط، في الدورة السادسة للمؤتمر الإفريقي لتعزيز السِّلم، عاد هذا السؤال ليُطرح بصيغةٍ أكثر إلحاحًا: كيف نصنع الأمل في قارةٍ تتجاذبها الاضطرابات وتتناوشها الصراعات، دون أن نقع في وهم التمني أو فخّ العدمية؟

الشيخ بن بيه لا ينطلق من خطابٍ عاطفيٍّ يُسكّن الألم، بل من رؤيةٍ معيارية ترى أن اليأس ليس حالة نفسية فحسب، بل خللًا حضاريًا يُفضي إلى التطرف والعنف.

لذلك حين استحضر قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾، لم يكن ذلك وعظًا تجريديًا، بل تأسيسًا لمعادلةٍ أخلاقية تجعل الرجاء طاقةً دافعةً نحو العدل والعمران. فالرجاء، في تصوره، ليس تسليةً للنفوس ولا تعليقًا للآمال على المجهول، بل إرادةٌ تُترجم إلى سياسات، وقيمٌ تُبنى بها مؤسسات، وأفقٌ يُصاغ بالعلم والعمل.

من هنا جاء شعاره الواضح: “مهمتنا أن نصنع هذه الفسحة من الأمل؛ فنحوّل الرجاء إلى عمل”. إن هذا التحويل من الرجاء إلى العمل هو جوهر مشروعه السلمي؛ إذ لا معنى لأملٍ لا يتجسد في مبادرات، ولا وزن لخطابٍ لا يتحول إلى هندسةٍ واقعية. السِّلم عنده ليس هدنةً عابرةً تُجمّد الصراع، بل بناءُ ثقةٍ يعيد ترتيب المجال العام على أساس الحكمة والعدل. وهو بهذا يرفض اختزال السِّلم في كونه غيابًا للعنف، ليجعله حضورًا للقيم، وفاعليةً في منع أسباب التوتر قبل انفجارها.

وفي السياق الإفريقي، تتضاعف أهمية هذا الطرح. فالقارة، بما تختزنه من ثرواتٍ طبيعية وبشرية، ليست أرضًا للعجز، لكنها تُختبر اليوم بامتحان الهوية والتنمية والأمن. وهنا يبرز سؤال السِّلم بوصفه سؤالًا عن شكل الدولة، وعن وظيفة العلماء، وعن مسؤولية القادة. ولذلك دعا الشيخ بن بيه إلى تكاملٍ ثلاثيٍّ دقيق: إرادة القادة، حكمة العلماء، وطاقة الشباب. هذا الثالوث ليس تركيبًا خطابيًا، بل تصورٌ لبنيةٍ مجتمعيةٍ قادرةٍ على تحويل الأمل إلى مشروعٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ مستدام.

وإذا كان اليأس – كما يحذّر – بيئةً خصبةً للتطرف، فإن الأمل في نظره بيئةٌ خصبةٌ للسلام. غير أن الأمل الذي يعنيه ليس تفاؤلًا ساذجًا يُنكر الواقع، بل وعيٌ نقديٌّ يعترف بالأزمات دون أن يستسلم لها. إنه أملٌ يُدرك أن الاستقرار المؤسسي شرطٌ للتنمية، وأن تمكين الكفاءات هو الضامن لتحويل الإمكانات إلى إنجازات. ولذلك كان يؤكد أن مستقبل القارة لا يُبنى بالشعارات، بل بإرساء قواعد الحكم الرشيد، وتجفيف منابع النزاع، وتحصين المجتمعات من خطابات الكراهية.

ولعل في تكريم جائزة إفريقيا للسِّلم خلال المؤتمر دلالةً رمزيةً عميقة؛ إذ يتحول التكريم إلى إقرارٍ بأن خيار السِّلم ليس ضعفًا سياسيًا، بل رجاحةُ عقلٍ وحكمةُ تدبير. فالسِّلم، كما يراه، هو الخيار الحضاري الذي يحفظ الكرامة الإنسانية، ويصون الدماء، ويفتح أبواب العمران. إنه خيارٌ يتطلب شجاعةً أخلاقيةً لا تقل عن شجاعة المواجهة، لأن بناء السلام أصعب من خوض الحرب، وصناعة الأمل أعمق من إدارة الخوف.

غير أن جوهر سؤال السِّلم عند الشيخ بن بيه يتجاوز الإطار الإفريقي إلى أفقٍ إنسانيٍّ أوسع. فهو يرى أن العالم اليوم، بما يشهده من تصدعاتٍ أخلاقيةٍ واستقطاباتٍ حادة، يحتاج إلى إعادة الاعتبار لقيمة الحكمة. والحكمة عنده ليست ترفًا فكريًا، بل شرطًا لحفظ التوازن بين المصالح المتعارضة، وضبط الانفعالات الجماعية، ومنع اللغة من أن تتحول إلى سيفٍ يُشهر في وجه المجتمعات. لذلك كان تحذيره من الفتن تحذيرًا من انفلات الكلمة قبل انفلات السلاح، ومن انهيار المعنى قبل انهيار النظام.

إن الشيخ بن بيه، وهو يطرح سؤال السِّلم، لا يقدم وصفةً جاهزة، بل يفتح أفقًا للتفكير والعمل. إنه يدعو إلى انتقالٍ نوعيٍّ من ثقافة ردّ الفعل إلى ثقافة المبادرة، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل. وفي عالمٍ تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه المخاطر، يظل صوته تذكيرًا بأن السِّلم ليس قدرًا يُنتظر، بل مشروعًا يُبنى؛ وأن الأمل ليس وعدًا مؤجلًا، بل مسؤوليةً تاريخيةً تستدعي من الجميع أن ينهضوا إلى مقامها.

هكذا يتجلى سؤال السِّلم في خطابه: ليس سؤالًا عن نهاية الصراع فحسب، بل عن بداية العمران؛ وليس عن إطفاء نارٍ مشتعلة، بل عن تجفيف منابعها؛ وليس عن خطابٍ يُقال، بل عن واقعٍ يُصاغ. وبين الرجاء والعمل، تتحدد معالم الطريق، ويغدو الأمل – كما أراده – طاقةً أخلاقيةً تصنع غدًا أعدل وأهدأ وأبقى.

طباعة شارك الشيخ العلامة عبدالله محمد بشاري محمد بشاري يكتب مقالات صدى البلد

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: الشيخ العلامة عبدالله محمد بشاري محمد بشاري يكتب الشیخ بن بیه سؤال الس سؤال ا

إقرأ أيضاً:

العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي

سلطت الكاتبة الاقتصادية البريطانية هيذر ستيوارت الضوء، في قراءة مطولة نشرتها صحيفة "الغارديان" اليوم الثلاثاء، على الأفكار التي تطرحها الاقتصادية المعروفة ماريانا مازوكاتو في كتابها الجديد "اقتصاد الصالح العام: بوصلة جديدة" والذي يقدم تصوراً بديلاً للاقتصاد يقوم على توجيه النمو لخدمة أهداف مجتمعية كبرى، في طرح يتقاطع مع النقاشات الدائرة حول أداء حكومة حزب العمال البريطاني ومستقبل السياسات الاقتصادية في الغرب، وتطرح سؤالاً جوهرياً: ما الغاية من النمو إذا لم يكن موجهاً لتحقيق الصالح العام؟

الكتاب، الذي صدر حديثاً، يمثل امتداداً للمشروع الفكري الذي اشتهرت به مازوكاتو خلال السنوات الماضية، والقائم على إعادة الاعتبار لدور الدولة في توجيه الاقتصاد والابتكار، بعيداً عن التصورات النيوليبرالية التي تجعل السوق القوة الحاكمة الوحيدة لمسارات التنمية.

وتكتسب أطروحات مازوكاتو أهمية خاصة في السياق البريطاني، إذ سبق أن اعتُبرت من أبرز الملهمين الفكريين لفكرة "الحكومة القائمة على المهام" التي تبناها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال حملته الانتخابية، قبل أن تواجه حكومته انتقادات بسبب ما اعتبره مراقبون غموضاً في الرؤية وعجزاً عن ترجمة الشعارات إلى سياسات ملموسة.

الاقتصاد كمشروع جماعي

تنطلق مازوكاتو من نقد جذري للنظرة التقليدية للاقتصاد بوصفه ساحة تتنافس فيها مصالح فردية متعارضة، بينما تقتصر مهمة الحكومات على إصلاح الاختلالات الناتجة عن السوق.

في المقابل، تدعو إلى النظر إلى الاقتصاد باعتباره مشروعاً جماعياً موجهاً بأهداف واضحة، تشارك في صياغتها الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنون على حد سواء.

وترى أن التمويل والاستثمار والابتكار يجب أن تُسخّر لخدمة أهداف مجتمعية كبرى، مثل مواجهة التغير المناخي أو تحسين الصحة العامة أو تقليص التفاوت الاجتماعي، بدلاً من تركيزها على تحقيق الأرباح السريعة والعوائد قصيرة الأجل.

وبحسب المؤلفة، فإن الاقتصاد القائم على "الصالح العام" يتطلب مواءمة الأهداف بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، وتشجيع التعاون وتبادل المعرفة وتقاسم المخاطر والعوائد بصورة أكثر عدالة.

خمسة مبادئ لإعادة توجيه الاقتصاد

يقوم النموذج الذي تقترحه مازوكاتو على خمسة مبادئ أساسية تشكل ما تسميه "بوصلة الاقتصاد الجديد".

ويتمثل المبدأ الأول في وجود غاية أو اتجاه واضح للاقتصاد، بحيث لا يصبح النمو هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية محددة.

أما المبدأ الثاني فهو المشاركة الشعبية في تصميم السياسات العامة، حيث تؤكد أن المواطنين يصبحون أكثر استعداداً لدعم السياسات عندما يشاركون في صياغتها بدلاً من فرضها عليهم من أعلى.

ويتعلق المبدأ الثالث بالتعلم الجماعي وتبادل الخبرات بين المؤسسات المختلفة، في حين يركز الرابع على تقاسم المنافع الاقتصادية بصورة أكثر عدالة بين جميع الأطراف المساهمة في خلق القيمة.

أما المبدأ الخامس فيتمثل في المساءلة والشفافية، بما يضمن خضوع الحكومات والشركات معاً للرقابة المجتمعية.

نقد للنمو التقليدي

من أبرز ما يميز الكتاب رفضه لفكرة أن النمو الاقتصادي وحماية البيئة هدفان متناقضان بالضرورة.

وتنتقد مازوكاتو بعض الخطابات البيئية التي تنظر إلى النمو بوصفه مصدراً للأزمات المناخية، مؤكدة أن المشكلة لا تكمن في النمو نفسه، بل في طبيعة الأهداف التي يوجه إليها.

وبهذا المعنى، تدعو إلى إعادة تعريف النجاح الاقتصادي بحيث يقاس بمدى مساهمته في تحسين جودة الحياة وتحقيق الاستدامة، لا بمجرد ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي.

كما ترفض المؤلفة ما تسميه "منطق سد الثغرات"، أي التعامل مع الفقر أو التلوث أو التهميش باعتبارها آثاراً جانبية حتمية للنمو، يمكن معالجتها لاحقاً عبر برامج حكومية محدودة.

وترى بدلاً من ذلك أن العدالة الاجتماعية والاستدامة يجب أن تكونا جزءاً أصيلاً من عملية الإنتاج الاقتصادي نفسها.

إعادة توزيع الثروة أم إعادة توزيع الفرص؟

يحتل مفهوم "التوزيع المسبق" مكانة مركزية في الكتاب، وهو مفهوم يختلف عن إعادة التوزيع التقليدية التي تعتمد على الضرائب والتحويلات المالية بعد تحقيق الأرباح.

فمازوكاتو تدعو إلى تصميم القواعد الاقتصادية منذ البداية بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للعوائد.

ومن بين الإجراءات التي تقترحها فرض شروط على الشركات المستفيدة من التمويل العام، وضمان حصول العمال والمجتمعات المحلية على نصيب من الثروة الناتجة عن استغلال الموارد أو الابتكارات المدعومة حكومياً.

كما تبدي تأييداً لتوسيع الضرائب على الثروة واستخدام العقود الحكومية كوسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية أوسع.

تحدٍ مباشر لتجربة حزب العمال

ورغم أن بعض أفكار مازوكاتو انعكست جزئياً في سياسات حكومة العمال، فإن الكتاب يتضمن نقداً ضمنياً للتجربة الحالية.

فهي ترى أن الهدف الذي رفعته الحكومة البريطانية والمتمثل في "إطلاق النمو الاقتصادي" لا يمكن اعتباره مهمة وطنية بالمعنى الحقيقي، لأنه يفتقر إلى سؤال الغاية النهائية.

وبحسب رؤيتها، فإن المهمة ليست تحقيق النمو في حد ذاته، بل تحديد الاتجاه الذي يجب أن يسير فيه الاقتصاد، والفوائد التي ينبغي أن يجنيها المجتمع من ذلك النمو.

ومن هنا، فإن الكتاب لا يقدم مجرد نقد للسياسات الاقتصادية البريطانية، بل يطرح رؤية أشمل لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع، في وقت تتصاعد فيه النقاشات عالمياً حول مستقبل الرأسمالية وأزمات عدم المساواة والتغير المناخي.

ما بعد منطق السوق

في نهاية المطاف، تدافع مازوكاتو عن فكرة بسيطة لكنها عميقة الأثر: الاقتصادات تنجح عندما تتوحد حول أهداف جماعية كبرى، كما حدث في تطوير اللقاحات خلال جائحة كورونا أو في برامج التحول البيئي واسعة النطاق.

ولذلك تدعو إلى استبدال السؤال التقليدي: "ما فشل السوق الذي نريد إصلاحه؟" بسؤال آخر أكثر جوهرية: "إلى أي اتجاه نريد أن يبحر اقتصادنا؟".

وهو سؤال يتجاوز حدود بريطانيا وحكومة العمال، ليطال جوهر النقاش العالمي حول طبيعة التنمية الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، وحدود النمو، ودور الدولة، ومعنى الصالح العام في عصر تتزايد فيه الأزمات والتحديات العابرة للحدود.

ولعل ما يجعل هذا النقاش لافتاً من منظور عربي هو أن الاقتصادات الغربية، رغم ما تواجهه من أزمات وتفاوتات، تشهد سجالاً فكرياً دائماً حول طبيعة النمو وأهدافه وحدود الرأسمالية نفسها، فيما لا يزال النقاش الاقتصادي في كثير من البلدان العربية أسير مؤشرات النمو والاستثمار والتصنيفات المالية، من دون أن يحظى سؤال العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة وجودة التنمية بالقدر نفسه من الاهتمام.

وفي هذا السياق، تبدو أطروحة مازوكاتو محاولة لإعادة السياسة والأخلاق إلى قلب الاقتصاد، عبر الانتقال من سؤال "كم ننتج؟" إلى سؤال أكثر عمقاً: "لصالح من ننتج؟"، وهو سؤال لا يخص بريطانيا أو الغرب وحدهما، بل يمتد إلى المجتمعات العربية التي تواجه بدورها تحديات البطالة والتفاوت الاجتماعي وتراجع الثقة في جدوى السياسات الاقتصادية التقليدية.

مقالات مشابهة

  • د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
  • في ذكري رحيله.. محطات من حياة العالم الجليل الشيخ محمد الراوي
  • محمد رمضان يحذف رده على تركي آل الشيخ بعد إشادة الأخير بفيلم أسد
  • محمد رمضان يحذف رده على تركي آل الشيخ بعد إشادة الأخير بفيلم "أسد"
  • بسبب مخالفات أخلاقية .. استقالة فورية لقائد لواء العمليات بجيش الاحتلال الإسرائيلي
  • الشيخ المنشاوي يسبق نادي أرسنال على منصة إكس بعد بث الختمة الجديدة
  • فيدان: تركيا ترغب في التعاون مع اليابان بالطائرات المسيرة
  • الشيخ المنشاوى يتصدر تريند إكس بعد إعلان إذاعة القرآن الكريم بث المصحف المرتل الجديد
  • العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي
  • تركي آل الشيخ يشيد بفيلم "أسد" ومحمد رمضان يرد