(CNN)-- تم استبدال رجل أعمال نافذ من دولة الإمارات العربية المتحدة، والذي كشفت أحدث ملفات نشرتها وزارة العدل الأمريكية عن صداقته الوثيقة مع مرتكب الجرائم الجنسية الراحل جيفري إبستين، من منصبه كرئيس لإحدى أكبر شركات تشغيل الموانئ بالعالم.

برز سلطان أحمد بن سليم كقوة مؤثرة في التجارة العالمية بصفته رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي السابق لموانئ دبي العالمية، التي لها بصمة في أكثر من 80 دولة، على مدى العقود الثلاثة الماضية.

وبدون ذكر اسم بن سليم، أعلن المكتب الإعلامي لحكومة دبي، الجمعة، أن مجموعة موانئ دبي العالمية عينت رئيس مجلس إدارة جديدا ورئيسا تنفيذيا جديدا للشركة، وهما المنصبان اللذان كان يشغلهما بن سليم من قبل. وقد أكدت موانئ دبي العالمية هذه التعيينات الجديدة لشبكة CNN.

ووصف إبستين بن سليم بشكل ودود، الذي يظهر اسمه آلاف المرات في المجموعة الأخيرة من الوثائق، بأنه "مرح" و"متعلم" و"بارع" و"أفضل صديق موثوق به".

وتكشف الرسائل المتبادلة بين إبستين وبن سليم عن صداقة قوية امتدت لسنوات، مليئة بأوصاف معادية للنساء والفتيات، ومواد جنسية صريحة، ومقترحات تجارية، بما في ذلك إشارة إلى فيديو تعذيب مزعوم أثار تدقيقا من قبل الكونغرس الأمريكي.

وقامت وزارة العدل بإلغاء تنقيح المزيد من الأسماء، الثلاثاء، وسلطت الضوء على 6 رجال، من بينهم بن سليم.

وتجدر الإشارة إلى أنه لا يعد ظهور أي اسم في الملفات دليلاً بحد ذاته على ارتكاب مخالفة، كما أنه لم تتهم السلطات بن سليم بارتكاب أي مخالفات أو جرائم تتعلق بإبستين.

وامتدت اتصالاتهما (إبستين وبن سليم) لعقد من الزمن على الأقل، بما في ذلك بعد سبتمبر/أيلول 2009، حين تم إطلاق سراح إبستين من السجن بعد إقراره بالذنب بتهم استغلال الأطفال في الدعارة. تُوفي إبستين عام 2019، بينما كان ينتظر محاكمته بتهم إضافية تتعلق بالاعتداء الجنسي على قاصرات وإدارة شبكة للاتجار بالبشر. وقد دفع بأنه غير مذنب.

وظهر بن سليم، وهو شخصية بارزة في عالم الأعمال بالإمارات، مع حاكم دبي، وقد التُقطت له صور مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وحضر المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس خلال شهر يناير/كانون الثاني، وظهر خلال ندوة "وجهات نظر عالمية" التي نظمتها شبكة CNN الدولية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وشارك في مراسم تقديم الجوائز لبطولة دبي العالمية المرموقة للغولف.

وأفادت تقارير بأن شركتين على الأقل - منصة استثمار بريطانية وثاني أكبر صندوق للتقاعد في كندا - أوقفتا صفقاتهما المستقبلية مع موانئ دبي العالمية في أعقاب نشر الملفات الأخيرة. وقال مركز "La Caisse" ومقره كيبيك لشبكة CNN إنه يتوقع من موانئ دبي العالمية "تسليط الضوء على الوضع واتخاذ الإجراءات اللازمة".

هذا، ويتوافق ملف بن سليم مع العديد من الرجال المؤثرين الآخرين، الذين يكشف ظهورهم في ملفات إبستين كيف قدم نفسه على أنه أحد مستخدمي الشبكات الخفيين – مستفيدًا من علاقاته مع رجال الأعمال الأثرياء ورواد التكنولوجيا والسياسيين والأكاديميين للتواصل مع النخبة العالمية.

واسم بن سليم ليس مألوفا في الولايات المتحدة. لكن مذكرة نشرت حديثا دفعته إلى دائرة الضوء في واشنطن.

وفي عام 2009، كتب إبستين بريدا إلكترونيا مقتضبا إلى مستلم لهذه الرسالة، حيث قامت وزارة العدل بحجب بعض أجزائه في البداية. إذ قال حينها: "أين أنت؟ هل أنت بخير؟ لقد أعجبني فيديو التعذيب".

وكان عضو الكونغرس الأمريكي توماس ماسي، من ولاية كنتاكي، الذي منحته وزارة العدل حق الاطلاع على النسخة الكاملة غير المنقحة، كتب هذا الأسبوع على وسائل التواصل الاجتماعي أن المستلم كان "سلطان" وفي وقت لاحق، قال نائب المدعي العام الأمريكي تود بلانش إن اسم المتلقي ظهر في ملف منفصل غير منقح ومرتبط برسالة بريد إلكتروني من بن سليم.

وليس من الواضح ما هو "فيديو التعذيب" الذي يشير إليه إبستين في البريد الإلكتروني الذي شاركه بلانش. ورفضت شركة موانئ دبي العالمية التعليق على الأمر عندما تواصلت معها شبكة CNN قبل استبداله من منصبه. كما حاولت CNN الاتصال برقم هاتف بن سليم عدة مرات هذا الأسبوع.

جسرٌ للأعمال والدبلوماسية

وبحسب مجموعة الوثائق التي تم إصدارها مؤخرا، تبادل إبستين وبن سليم اتصالات إقليمية، وناقشا الزيارات إلى جزيرة إبستين في الكاريبي، حيث شهدت الناجيات مرارا بأن إبستين اعتدى عليهن جنسيا.

وبحسب الوثائق، أخبر بن سليم إبستين عن اجتماعاته مع قادة العالم، بمن فيهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق ديفيد كاميرون، في بداية سبتمبر/أيلول 2015.

كما قدم إبستين لبن سليم مشورة حول كيفية التواصل مع حكومة المملكة المتحدة لتأمين تمويل مشروع ضخم لشركة موانئ دبي العالمية في لندن.

وفي سبتمبر 2009، أرسل بن سليم إلى إبستين رسالة موجهة إلى بيتر ماندلسون، وزير الدولة البريطاني آنذاك للأعمال والابتكار والمهارات، يطلب فيها ضمانات للقروض.

ورد إبستين على مسودة اقتراح بن سليم بتعديلات مقترحة. وبعد ذلك بعامين، أرسل له بن سليم بيانا صحفيا يعلن فيه بدء أعمال بناء المشروع، فرد إبستين: "أنا فخور بك".

ويخضع ماندلسون الآن، الذي كان سابقا سفيرا للمملكة المتحدة لدى الولايات المتحدة، لتحقيق من قبل الشرطة البريطانية بشأن علاقته بإبستين. وكان قد قال في وقت سابق إنه "أخطأ في تصديق (إبستين) بعد إدانته، وفي استمراره بالتواصل معه بعد ذلك".

حاولت شبكة CNN التواصل مع ماندلسون هذا الأسبوع للتعليق.

وتُظهر رسائل البريد الإلكتروني المتبادلة بين بن سليم وإبستين كذلك أن محاولات للتوسط في العلاقات بين مسؤولين إماراتيين وإسرائيليين، بدأت قبل سنوات من قيام أبوظبي بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل بموجب اتفاقات إبراهيم التي توسطت فيها الولايات المتحدة عام 2020. ويبدو أن إبستين هو من بادر بالاتصال بين بن سليم ووزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، إيهود باراك، في وقت مبكر من عام 2012.

واعترف باراك في وقت سابق بعلاقته الشخصية مع إبستين، لكنه قال إنه لم يشهد أو يشارك في أي سلوك غير لائق.

وفي 22 مارس/آذار 2012، أخبر إبستين بن سليم أنه في برلين "مع وزير الدفاع الإسرائيلي"، وأضاف: "لقد أخبرته عنك وعن الشيخ محمد. وهو يرغب في لقائكما".

وفي يونيو/حزيران 2013، قال إبستين لباراك، الذي لم يكن يشغل منصبا حكوميا آنذاك: "صديقي سلطان بن سليم موجود في سانت بطرسبرغ، أعتقد أنه يجب أن تتقابلا، فهو الذراع اليمنى لمكتوم"، في إشارة إلى ما يبدو إلى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رئيس وزراء دولة الإمارات وحاكم دبي. وكان زعماء العالم يجتمعون آنذاك في منتدى اقتصادي روسي بمدينة سانت بطرسبرغ.

وبعد شهر، بدا أن إبستين يروج لشركة موانئ دبي العالمية التي يرأسها بن سليم، كمرشح محتمل لشراء موانئ إسرائيلية في إطار حملة خصخصة. أرسل (إبستين) تقريرا من "فوكس نيوز" إلى باراك حول دعوة إسرائيل لتقديم عروض دولية، وتساءل: "هل هذا الأمر يهم سلطان؟" فرد باراك قائلا: "ربما مرة (وإذا كان كذلك) سنبدأ بالتعمق أكثر في عملية سلام صادقة"، وذلك في سلسلة رسائل بريد إلكتروني بتاريخ 4 يوليو/تموز 2013. وأضاف: "علينا التفكير بجدية أكبر في كيفية الاستفادة من هذا التعارف".

وبعد مرور عامين، سأل بن سليم إبستين: "هل يمكنك ترتيب لقاء لي مع إيهود؟" حول إبستين الطلب إلى باراك، الذي أجاب: "بالتأكيد"، وطلب منه رقم هاتفه ومعلومات لكيفية الاتصال به.

امتد هذا الجسر الدبلوماسي حتى إلى البيت الأبيض.

ففي 6 يناير/كانون الثاني 2017، سأل بن سليم إبستين عما إذا كان يجب عليه "قبول" دعوة لحضور حفل تنصيب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأول مرة: "هل تعتقد أنه من الممكن مصافحة ترامب؟" أجاب إبستين، الذي لم يحضر التنصيب: "غير مرجح".

وبعد عام، طلب بن سليم مقابلة ستيف بانون، المستشار الاستراتيجي السابق لترامب، خلال رحلة محتملة إلى الإمارات العربية المتحدة في مايو/أيار 2018. وقال رجل الأعمال الإماراتي لبانون: "سأقوم بترتيب استقبالك"، موضحا تفاصيل جولة في سماء دبي، وناقش معه "اجتماعات مستقبلية في واشنطن". وقال إبستين، الذي تم إرسال نسخة من تلك الرسائل الإلكترونية له، لبانون أنه "سيستمتع" بصحبة سليم.

تبادل إبستين الأفكار مع بن سليم حول كيفية تنظيم جولة بانون في المنطقة، قائلا: "أظهر له حجم ما فعلته".

مشاركة مواد إباحية خلال إجازة عائلية

تشير الملفات أيضا كيف أن بن سليم شارك روايات جنسية مفصلة وصورا بيانية مع إبستين، بما في ذلك بمنتصف أغسطس/آب 2015، عندما أرسل على ما يبدو روابط لمواقع إباحية خلال رحلة إلى (سانتا في) برفقة "زوجته وأطفاله الثلاثة ومربية أطفاله"، بحسب المراسلات.

في 13 يونيو/حزيران 2013، قال بن سليم لإبستين: "سأذهب بصحبة فتاة روسية جديدة تماما على اليخت الخاص بي". بعد ذلك بعامين، أخبر إبستين عن "فتاة" يعرفها من جامعة أمريكية في دبي، قائلاً: "أفضل علاقة جنسية مارستها على الإطلاق، لديها جسد رائع".

تُظهر مراسلات أخرى أن بن سليم وإبستين كانا يعتبران النساء كسلعة وينتقدان مظهرهن.

كما يبدو أن بن سليم قد قام بتسهيل تدريب "مدلكة إبستين الشخصية"، التي تم تحديدها بأنها روسية الجنسية، للعمل في منتجع فندقي بمنطقة أنطاليا بتركيا، "لتكتسب خبرة أفضل"، في يونيو/حزيران 2017.

وليس من الواضح ما إذا كان قد تم إرسال هؤلاء الأشخاص إلى أنطاليا بالفعل.

وقد روت ناجيات من اعتداءات إبستين مرارًا وتكرارًا شهاداتٍ عن إجبارهن على تدليكه وممارسة الجنس معه.

"إنه واحد منا"

تشير رسائل بريد إلكتروني أخرى إلى أن إبستين وضع نفسه كتاجر معلومات، مستغلًا تفاصيل حميمة عن الحياة الخاصة لمعارفه لتعزيز علاقاتهم.

وفي مراسلات خلال أغسطس/آب 2013، أخبر إبستين رجل الأعمال الياباني جويتشي إيتو أن بن سليم "يتحدث الإنجليزية بطلاقة"، و"لا يشرب الكحول في الأماكن العامة"، و"يصلي خمس مرات في اليوم". في السياق نفسه، قال إبستين إن قطب دبي "له صلات عديدة بموضوع الفياغرا".

وخلال مناقشة لقاء محتمل مع بن سليم، قال إيتو: "أفترض أنني سأقابله بمفردي وليس برفقة صديقتي، أليس كذلك؟".

وقال إيتو في وقت سابق، والذي استقال من رئاسة مختبر الإعلام في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 2019، بعد الكشف عن علاقاته المالية بإبستين، إنه "لم يشارك مطلقا، ولم يسمع (إبستين) يتحدث عن، ولم يرَ أي دليل على الأعمال المروعة التي اتُهم بارتكابها". وأضاف أنه "يشعر بأسف عميق للناجين" لـ"إدخال شخص كهذا إلى شبكتنا".

وتواصلت شبكة CNN مع معهد تشيبا للتكنولوجيا في اليابان، حيث يرأس إيتو، للتعليق.

وبعد شهر تقريبا، قال إبستين في مذكرة منفصلة إلى بن سليم: "جوي ( جويتشي)هو أكثر شخص على صلة بعالم التكنولوجيا في الولايات المتحدة. إنه يُدير مختبر الإعلام في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وهو واحدٌ منا".

فأجاب بن سليم: "أتطلع إلى لقائه، وسأعتني به جيدًا".

ملاحظة المحرر: تحتوي هذه القصة على توصيفات لانتهاكات وإشارات إلى مواد ذات محتوى جنسي صريح.

المصدر

المصدر: CNN Arabic

كلمات دلالية: اعتداءات جنسية الكونغرس الأمريكي جرائم أخلاقية حكومة دبي دبي دونالد ترامب موانئ دبی العالمیة الولایات المتحدة وزارة العدل قال إبستین أن إبستین فی وقت

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • «تنفيذى الشارقة» يعتمد استراتيجية الأمن السيبراني للإمارة
  • بعد رفض جوارديولا.. النصر يبحث عن بدائل ومستقبل المدرب الإسباني يثير التساؤلات
  • الصندوق الأحمر يشعل أزمة في لندن .. كيف تحولت هدية ستارمر لترامب إلى ملحمة سياسية وأشعلت غضب صديق إبستين؟
  • بيان رسمي من ريال مدريد بعد تصريحات «ريكيلمي» منافس «بيريز» في انتخابات رئاسة الريال
  • رئيس جامعة العاصمة يهنئ أحمد عناني بتوليه رئاسة "الأهرام الكندية"
  • «موانئ أبوظبي» تستحوذ على «سي إل آي» مشغل محطات البضائع في البرازيل مقابل 3.1 مليار درهم
  • "موانئ أبوظبي" تستحوذ على "سي إل آي" البرازيلية بـ3.1 مليار درهم
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد في العمل الحكومي
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • الأهلي يوافق على رحيل رضا سليم