التآمر على اليمن… قراءة في العواقب والتحولات الإقليمية
تاريخ النشر: 14th, February 2026 GMT
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يعود الحديث مجددًا عن محاولات التآمر على اليمن، سواء من الداخل أو الخارج، بدعمٍ واضح من السعودية وبعض أطراف ما يُعرف بالرباعية. هذه المحاولات، التي لم تتوقف منذ سنوات، تكشف إصرارًا على تجاهل حقائق الواقع اليمني، والتغيرات العميقة التي طرأت على وعي الشعب، وعلى موازين القوى في الإقليم.
إن من يسعى إلى التآمر على اليمن الكبير يكرر أخطاء الماضي ذاتها، متوهمًا أن الضغوط السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية يمكن أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء. غير أن التجربة أثبتت أن اليمن لم يعد ساحة مفتوحة للمشاريع الخارجية، ولا ورقة سهلة في يد أي طرف إقليمي أو دولي. فسنوات الصمود والمواجهة صنعت واقعًا جديدًا، تشكّل فيه وعي وطني يرى في الاستقلال والسيادة خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها.
التآمر، مهما تنوّعت أدواته، لا يمكن فصله عن السياق العام للمخططات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. فاليمن، بموقعه الجغرافي وثقله التاريخي، ظل هدفًا ثابتًا في الاستراتيجية الاستعمارية التي تسعى إلى تفكيك الدول من الداخل، وإشغال شعوبها بصراعات داخلية، وصرف الأنظار عن العدو الحقيقي للأمة. ومن هنا، فإن أي تحرك يستهدف اليمن أو يسعى لإضعاف وحدته واستقراره لا يخرج عن كونه جزءًا من هذه المخططات، مهما اختلفت العناوين أو الذرائع.
كما أن الرهان على الأدوات الداخلية، أو على إثارة التناقضات السياسية والاجتماعية، أثبت فشله مرارًا. فاليمنيون، رغم معاناتهم، راكموا تجربة قاسية جعلتهم أكثر إدراكًا لحقيقة الصراع، وأكثر وعيًا بخطورة الارتهان للخارج. لقد تحوّل الوعي الشعبي إلى عنصر قوة لا يمكن تجاوزه أو الالتفاف عليه، وهو ما أربك حسابات من ظنوا أن الضغط وحده كفيل بإخضاع بلد بحجم اليمن.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية النظام السعودي بشكل خاص، إذ إن التاريخ القريب في المنطقة يقدم نموذجًا صارخًا لطبيعة العلاقة مع أمريكا. فالتجربة العراقية، بقيادة صدام حسين، تكشف بوضوح كيف جرى توظيف نظام عربي بالكامل لخدمة الأجندة الأمريكية، بدءًا من قيادته لتحالف عربي واسع ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بتوجيه ودعم أمريكي مباشر، وصولًا إلى استنزاف العراق وإضعافه. وحين انتهى الدور المرسوم، لم تتردد أمريكا في التخلي عن صدام حسين، بل قادت عملية إسقاطه، ودمّرت جيشه، وتركته يواجه مصير الإعدام بعد أن أدى الوظيفة المطلوبة منه كاملة.
هذه التجربة لا تمثل حالة استثنائية، بل تعكس نمطًا ثابتًا في السياسة الأمريكية، يقوم على استخدام الحلفاء كأدوات مؤقتة، ثم التخلي عنهم أو تصفيتهم سياسيًا وأخلاقيًا، وربما جسديًا، فور انتهاء صلاحيتهم أو تعارض وجودهم مع مرحلة جديدة من المصالح. ومن هنا، فإن أي رهان على الانخراط في المشاريع الأمريكية أو السير خلف مخططاتها الإقليمية لا يمكن اعتباره ضمانة للأمن أو الاستقرار. بل إن الواجب يفرض على النظام السعودي أخذ العبرة من مصير صدام حسين، كما يفرض على الشعوب إدراك حقيقة أن أمريكا لا يعنيها حلفاؤها مهما كانت مكانتهم، بقدر ما يعنيها الحفاظ على الكيان الإسرائيلي ونهب ثروات الشعوب العربية والإسلامية.
إن إدراك خطورة المرحلة واستيعاب التحولات الجارية يفرض على جميع الأطراف مراجعة حساباتها. فسياسات التآمر والوصاية لم تنتج يومًا استقرارًا، بل كانت دائمًا مدخلًا للفوضى ومصدرًا لانعدام الأمن الإقليمي. أما الرهان على أمريكا وإسرائيل، فهو رهان خاسر بطبيعته، لأن هذه القوى لا تبحث عن شركاء، بل عن أدوات مؤقتة سرعان ما يتم التخلي عنها.
ختامًا، فإن اليمن، رغم الجراح، يمضي بثبات نحو تثبيت معادلة جديدة عنوانها السيادة والاستقلال. وأي محاولة للالتفاف على هذه الحقيقة أو القفز عليها ستصطدم بإرادة شعب خبر المؤامرات وخرج منها أكثر صلابة. إن العواقب الوخيمة التي تترتب على استمرار التآمر ليست تهديدًا، بقدر ما هي قراءة واقعية لمسار الأحداث، ودعوة صريحة إلى التعقل، والاعتراف بأن زمن التحكم باليمن من الخارج قد ولّى إلى غير رجعة.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..