كشف تقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية النقاب عن أن المملكة المتحدة تواجه احتمال تسجيل صافي هجرة سالب خلال عام 2026، في سابقة لم تحدث منذ عام 1993، بعدما كانت البلاد قد استقبلت قرابة مليون مهاجر صافٍ سنوياً في ذروة الارتفاع عام 2023.

هذا الانقلاب في الاتجاه، الذي جاء نتيجة تشديدات متتالية على نظام التأشيرات في عهد المحافظين ثم حكومة حزب العمال برئاسة كير ستارمر، قد يحقق مكاسب سياسية داخلية، لكنه يهدد بإلحاق أضرار اقتصادية يعتبرها خبراء مماثلة تقريباً لتأثير "بريكست".



عندما أعلنت جامعـتا غرينتش وكِنت عزمهما الاندماج لتفادي أزمة مالية، كان السبب الجوهري مرتبطاً بتراجع أعداد الطلبة الأجانب بعد القيود الجديدة على استقدام الطلاب وأسرهم.

الجامعات البريطانية تعتمد بشكل كبير على الرسوم الدراسية للطلاب الدوليين، والتي تتجاوز في بعض برامج الماجستير 30 ألف جنيه إسترليني سنوياً. ومع منع معظم طلاب الدراسات العليا من اصطحاب أسرهم، ورفع الحد الأدنى للرواتب المطلوبة لتحويل التأشيرة الدراسية إلى تأشيرة عمل، انهار أحد أهم المسارات التي كانت تغذي سوق العمل، خصوصاً قطاع الرعاية الاجتماعية.

الأمر لا يقتصر على التعليم. فشركات البناء، وهيئات الخدمات الصحية، ودور الرعاية، وقطاع الضيافة، جميعها أبلغت عن صعوبات متزايدة في التوظيف بعد تشديد شروط استقدام العمال المهرة ورفع الحد الأدنى للرواتب المطلوبة لتأشيرات العمل إلى 38,700 جنيه إسترليني.

من مليون مهاجر إلى الصفر؟

قبل ثلاث سنوات، بلغ صافي الهجرة نحو 860 ألفاً في 2023، ثم تراجع إلى 431 ألفاً في 2024. وتشير تقديرات محللين إلى إمكانية هبوط الرقم إلى 184 ألفاً في 2025، بل إلى نحو 60 ألفاً بالسالب في 2026، إذا استمر تسارع مغادرة حاملي التأشيرات المؤقتة وعدم تجديدها.

معهد البحوث الاقتصادية والاجتماعية الوطني (NIESR) حذر من أن وصول صافي الهجرة إلى الصفر سيؤدي إلى خفض الدخل القومي البريطاني بنسبة 3.7% بحلول عام 2040 ـ وهي نسبة قريبة من تقديرات مكتب مسؤولية الميزانية (OBR) لتأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الذي قُدّر بنحو 4%.

بالنسبة لوزيرة الخزانة لريتشيل ريفز، يمثل هذا التراجع معضلة مالية حقيقية. فمكتب مسؤولة الميزانية توقع سابقاً صافي هجرة يبلغ 262 ألفاً في العام حتى منتصف 2026. لكن تقديرات أكثر تشاؤماً تشير إلى رقم أدنى بكثير، ما يعني فجوة محتملة في المالية العامة تتراوح بين 6 و8 مليارات جنيه إسترليني.

الخبير الاقتصادي جوناثان بورتس وصف القيود الحالية بأنها "إيذاء للنفس"، مشيراً إلى أن بيانات الضرائب تظهر أن المهاجرين الجدد يتقاضون في المتوسط أجوراً أعلى من المعدل العام ويساهمون إيجابياً في الإيرادات الضريبية.

ويحذر خبراء من أن تقليص تأشيرات العمل بشكل أعمق ـ إذا كان الهدف إبقاء صافي الهجرة عند الصفر ـ سيعني خسارة شريحة من أصحاب الدخول المرتفعة، ما يضغط على المالية العامة في المدى المتوسط والطويل.

سياسياً، قد يستفيد ستارمر من تراجع أرقام الهجرة، إذ يُتوقع أن يخفف ذلك الضغط الذي يمارسه حزب "ريفرم يو كي" بزعامة نايجل فرج، والذي جعل من ملف الهجرة محور حملاته.

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة مانشستر روب فورد أن انخفاض الأرقام سيؤدي تدريجياً إلى تراجع الهجرة في سلم أولويات الناخبين، ما يمنح الحكومة مساحة أوسع لإعادة توجيه الأجندة الداخلية نحو الاقتصاد والخدمات العامة.

بينما تتجه بريطانيا نحو ما يسميه بعض الخبراء "نموذج العامل الضيف" الذي يقلص فرص الاستقرار الدائم، تسير دول أوروبية أخرى في الاتجاه المعاكس.

ففي ألمانيا، تؤكد الحكومة أن تعويض شيخوخة السكان يتطلب استقطاب شباب من الخارج. ووفقاً لمسؤولين في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، فإن مساهمة المهاجرين في المالية العامة الألمانية إيجابية عند احتساب الضرائب مقابل كلفة الخدمات.

المفارقة أن بريطانيا ـ التي استفادت لعقود من اقتصاد منفتح يمتص العمالة لسد فجوات سوق العمل ـ تعكس المسار الآن، في وقت لا يزال نموها الاقتصادي هشاً.

مرصد الهجرة في جامعة أكسفورد يرى أن التراجع الحالي قد يكون مؤقتاً، متوقعاً عودة صافي الهجرة إلى أكثر من 300 ألف بحلول نهاية العقد. لكن ذلك يعتمد على ما إذا كانت الحكومة ستبقي القيود الحالية أم تخففها استجابة للضغوط الاقتصادية.

في المحصلة، قد يشكل صافي الهجرة السالب مكسباً سياسياً قصير الأجل لحكومة ستارمر، لكنه يهدد بإبطاء النمو، وتقليص الإيرادات، وتعميق أزمات قطاعات حيوية تعتمد على العمالة الوافدة.

وإذا تحقق السيناريو الصفري، فإن بريطانيا قد تجد نفسها أمام مفارقة قاسية: انتصار سياسي في ملف الهجرة، يقابله ثمن اقتصادي يشبه ـ في حجمه ـ فاتورة "بريكست" نفسها.


المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية هجرة بريطانيا بريطانيا هجرة تداعيات تضييقات المزيد في سياسة سياسة سياسة تغطيات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة صافی الهجرة

إقرأ أيضاً:

قطر تسعي لسجل جديد وفوز تاريخي في المشاركة الثانية بالمونديال

يأمل المنتخب القطري في أن تكون مشاركته بكأس العالم لكرة القدم 2026 في أالولايات المتحدة والمكسيك وكندا، بمثابة إعلان واضح وصريح للتغيير الذي طرأ على الفريق بعد المشاركة المخيبة على أرضه في نسخة 2022.

وودع المنتخب القطري منافسات البطولة التي أقيمت على أرضه قبل أربعة أعوام بالخسارة في المباريات الثلاث أمام الإكوادور بهدفين دون رد وهولندا بنفس النتيجة والسنغال بهدف مقابل ثلاثة أهداف، مكتفيا بهدف وحيد في البطولة التي أقيمت على أرضه والتي كانت للمرة الأولى في التاريخ التي تستضيف فيها دولة عربية الحدث.

وأوقعت قرعة مونديال 2026 المنتخب القطري في المجموعة الثانية إلى جانب منتخبات سويسرا وكندا والبوسنة والهرسك، حيث يلتقي الفريق في أول مبارياته مع المنتخب السويسري يوم 12 يونيو ثم يلتقي المنتخب الكندي المضيف يوم 18 من الشهر ذاته، على أن يختتم مشاركته في دور المجموعات بمواجهة البوسنة والهرسك يوم 24.
ويسعى "العنابي" إلى تدوين تاريخ جديد في مشاركته الثانية على التوالي في المونديال، بعدما كانت الأولى على الإطلاق في نسخة قطر 2022، ويدخل البطولة وهو المسيطر على لقب كأس أمم آسيا في آخر نسختين.
ورغم تواجد منتخبات قوية في القارة الصفراء، مثل المنتخبين الياباني والكوري الجنوبي والمنتخب السعودي والإيراني والأردني وغيرهم، نجح المنتخب القطري في الحفاظ على لقب آخر نسخة من كأس أمم آسيا والتي أقيمت على أرضه قبل عامين، حيث واصل زعامته للقارة الآسيوية، مسجلا بذلك تناقضا بين تفوقه القاري ومشاركته المخيبة في مونديال 2022.
لكن المنتخب القطري يحاول التطور والتغير وخاض العديد من المباريات الودية بقيادة مدربه الحالي، الإسباني جولين لوبتيجي، والذي يتمتع بخبرة كبيرة لتدريبه ناديي ريال مدريد وإشبيلية  الإسبانيين وولفرهامبتون وويستهام الإنجليزيين، وهو يرغب في قيادة الكرة القطرية إلى منعطف جديد في المونديال.
وعلى الورق لا تبدو المجموعة الثانية بالصعوبة الكبيرة للمنتخب القطري، لكن اللعب على الساحة العالمية وتحقيق الانتصار الأول باسم قطر في المونديال لن يمر بسهولة، حيث سيكون على الفريق مواجهة مدارس تدريبية مختلفة أمام كندا وسويسرا والبوسنة والهرسك، ويسعى لوبتيجي إلى استغلال الفرصة وتحقيق إنجاز للكرة القطرية في المونديال.
وبمنتخب قوامه بالكامل من اللاعبين المحليين، مثل أكرم عفيف، أفضل لاعب في آسيا عام 2019 والمعز علي، هداف الدحيل، والقائد المخضرم ولاعب السد حسن الهيدوس، يسعى "العنابي" إلى مفاجأة خصومه في المجموعة، وأن يظهر لهم أن الخروج من الدور الأول في نسخة عام 2022 بدون تحقيق أي فوز أو تعادل وبهدف وحيد لن يحدث مجددا.
لكن ذلك لم يؤثر على مستوى المنتخب في كأس أمم آسيا، حيث واصل الفريق انطلاقته وفاز بأخر نسختين من البطولة في 2019 و2023، معززا زعامته للقارة الآسيوية، ومؤكدا أنه لن يتخلى عن لقبه الآسيوي أبدا، رغم أن  منافسيه يبلون البلاء الحسن عالميا، ويعد منتخبا اليابان وكوريا الجنوبية أبرز مثال على ذلك.
وفي طريقه للتأهل إلى نهائيات 2026، احتل المنتخب القطري المركز الرابع في المجموعة الأولى بالدور الثالث للتصفيات الآسيوية، في مجموعة قوية ضمت إيران وأوزبكستان والإمارات وقيرغيزتان وكوريا الشمالية.
وفي الدور الثالث حقق المنتخب القطري الفوز في أربع مباريات من أصل عشر خاضها، وتعادل في مباراة وخسر خمس مباريات، ليتأهل إلى الدور الرابع.
وأوقعت القرعة المنتخب القطري في المجموعة الأولى إلى جانب منتخبي الإمارات وعمان، حيث تعادل مع عمان سلبيا، قبل أن يحقق الفوز على الإمارات ويقتنص بطاقة الصعود المباشر إلى المونديال للمرة الثانية في تاريخه.
ويبحث منتخب قطر عن أول فوز له في تاريخ مشاركاته بالمونديال في أي من المباريات  الثلاث بدور المجموعات، وسيكون بلوغ دور الـ32، في حال حدوثه، إنجازا تاريخيا للكرة القطرية التي تواصل السير بثبات آسيويا وتبحث عن العالمية.
 

طباعة شارك النادي الأهلي منتخب قطر الولايات المتحدة الامريكية السنغال منتخب مصر

مقالات مشابهة

  • رأس اجدير: إحالة 114 مطلوبا وعبور أكثر من 221 ألف مسافر خلال مايو
  • استشهاد فلسطيني وإصابة آخرين في قصف إسرائيلي على خيمة نازحين جنوب غزة
  • الحديدة .. بدء توريد وتركيب 190 منظومة طاقة شمسية لمزارعي النخيل المتضررين بالدريهمي
  • برلماني: توجيهات الرئيس السيسي لتطوير التعليم العالي تعزز مكانة مصر في المعرفة والابتكار
  • تراجع معدل الإنجاب بنهاية 2025.. وزير الصحة يعلن إغلاق صفحة «المناطق الحمراء».. نواب: إنجاز جديد يعزز مسيرة التنمية الشاملة
  • رئيس صناعة النواب: ندعم موازنة الدولة وقطاع الصناعة باعتباره قاطرة التنمية ولكن ليس على حساب زيادة الموازنة
  • بريطانيا تطالب أطفالا مهاجرين بمغادرة البلاد رغم إقامة أسرهم القانونية
  • توجيهات رئاسية بتعزيز التعاون مع الجامعات العالمية للارتقاء بجودة التعليم في مصر
  • حملات بيئية على 9 منشآت بالشرقية للحفاظ على الصحة العامة
  • قطر تسعي لسجل جديد وفوز تاريخي في المشاركة الثانية بالمونديال